الحوار المتمدن - موبايل


إبراهيم السامرّائي في حديث السنين ...

سعيد عدنان

2019 / 8 / 19
الادب والفن


ثمّة رغبةٌ لا تخبو ؛ أن يعاود المرءُ النظر في سني حياته ، وأن يُعيد قراءتها من أجل أن يُسبغ عليها معنى ينسجم ، بنحو ما ، مع ما بلغه ، وألقى رحاله عنده . وقد يفسّر أشياء مضت بضوء ممّا هو راهن ؛ فإذا كان المرء كاتباً سرّه أن يروي ، وأن يدوّن . لكنّه وهو يروي ما وقع له ، ويُعيد قراءته ؛ يقف موقفَ المنتقي ؛ فيُضيء بعض الوقائع ، ويدفع بأخرى إلى العَتَمة ! وهو إنّما يُدني ويُبعد محكوماً بما يُنشئ معنى يرضاه !
ويتفاوت الكتّاب ، الذين كتبوا في شؤون حيواتهم ، في ما يبوحون به فمنهم من لا يكاد يُخفي شيئاً كمثل جان جاك روسّو في اعترافاته ، ومحمّد شكري في خبزه الحافي ، ومنهم من يقتصد ؛ فلا يكتب إلّا وعين الرقيب مسلطة على حروفه ، ومنهم من يقع بين هذا وذاك ؛ فيسعى أن يُقيم ميزاناً عدلاً بين البوح والإخفاء ! وكلٌّ ميسّر لما جُبل عليه !
وقد كان إبراهيم السامرّائي رجلاً جليلاً من رجال العلم في العراق ؛ قام على اللغة في قديمها وحديثها كأحسن ما يكون القيام فألّف ، وحقّق ، ونشر ، وكتب بقلم الأديب المبين ، وتخرّجت به أجيال من طلبة العلم ؛ حتّى إذا تقدّمت به السن ، واختلفت عليه الحالات ، ورأى ما يسرّ ، وما يسوء ؛ لجأ إلى صحف يودعها شيئاً من سيرته متخفّفاً من عبء لا يفتأ يُثقل كاهله منذ أن أدرك الحياة في شؤونها وشجونها ؛ لكنّه ليس في مقام من يُرخي الزمام ، ويرفع الحجب ؛ بل هو لا يريد من هذه الصحف إلّا أن تحمل عنه حديث الكتب وما يتّصل بها ؛ يقول : ( وأريد أن أُنبّه القارئ إلى أنّي رميتُ أن أُثبتَ ، في أثناء السيرة ، الكثيرَ من حديث الكتب وما يتّصل بالناس ، وابتعدتُ عمّا لدى كثير من أصحاب هذا الأدب ، كأن يكون في السيرة شيء من " اعترافات " مستفيدين ذلك ممّا أُثر من اعترافات الكتّاب الغربيين القدامى والمحدثين . ) غير أنّ حديث الكتب متّصل ، في بدئه وختامه ، بحديث النفس ، وكلّما مضى الكاتب مع الكتب وحديثها ردّته الحوادث إلى أشياء في نفسه ؛ بعضها قديم ، وبعضها ناشئ مستحدث . وحين تتامّت تلك الصحف أصدرها ، في سنة 1998 ، بكتاب عنوانه : ( حديث السنين سيرة ذاتيّة ) ، ثمّ تتامّت صحف أخرى تستدرك ما فات من حديث السنين فأصدرها ، في سنة 2002 بكتاب عنوانه : ( فوات ما فات من حديث السنين ) .
وكلا الكتابين لم يُبنَ على صيغة السرد المتتابع ، وإنّما بُني كلاهما على المحاورة بين الكاتب وصوت آخر منبثق من نفسه ؛ دعاه بصاحبه ؛ من أجل أن ( يكون الرأي ، ويكون النقد للرأي . ) حتّى يستوعب هذا المنحى في الكتابة أفكار الكاتب ، ويصوّر حالاته على نحو أتمّ .
رجع مع حوادث حياته إلى زمنها الأوّل ؛ في الطفولة والنشأة ، وربّما عاد إلى ما قبلهما حين انحدر جدّه من سامرّاء ، مع أُسر سامرّائيّة أخرى ، إلى مدينة العمارة ، واستقرّ فيها ؛ يعمل بما له من خبرة في صنوف الأعمال ، ويمدّ الأواصر مع من حوله فيأْلف ، ويُؤلف ، ويضرب بجذوره في الأرض .
ويقف عند البيت الكبير الذي ضمّ أبويه ، وأعمامه ، ويصوّر ما كانوا عليه من فقر موجع يُثقل الأسرة كلّها ، ويدفع بها إلى غوائل المرض حتّى يُعجلَ بالأب والأمّ إلى الموت ، ويُصيب الأخت بداء لا يلبث ، من بعد ، أن يودي بها ؛ فيذوق الفتى الناشئ مرارة اليُتم ، ويطوي جوانحه على جروح لا شفاء له منها ؛ ستصحبه في حلّه وترحاله ، وتتراءى له في يقظته ومنامه . لكنّه ، على ذلك كلّه ، كان يقظ الفؤاد ، قوي الذهن ، سريع الحفظ ، لا يعرف من دنياه إلّا درسه ، والإقبال عليه ؛ صحبه الجدُّ والاجتهادُ والمثابرة في كلّ شأن من شؤون دراسته حتّى أتمّها محرزاً رفيع المراتب . وإذ فقد الفتى الناشئ أمّه وأباه ؛ بسطتْ خالته رعايتها عليه ، وقامت منه ومن أخته مقام الأمّ الرؤوم .
أجرى السامرّائي الحديث عن الكتاب والدرس ، وما يتّصل بهما ، وكأنّه يريد أن يقول إنّ حياته إنّما هي حياة كتاب ودرس ، وكلّ ما عداهما فإنّما يقع على طرفها ؛ فقد أقبل وهو في باريس على دراسة العربيّة في آثارها القديمة ، وتزوّد من فقه المنهج الصحيح ، ورأى أن لا بدّ له من معرفة أخوات العربيّة ؛ السريانيّة ، والعبريّة ؛ لكي يعرف العربيّة معرفة صحيحة متماسكة تردّ الفروع إلى الأصول ؛ وقد أنفق في ذلك جهداً ووقتاً ومالاً حتّى استقامت له معرفة قويمة بالساميّات أفادته في أن يكتب كتابة رصينة في فقه اللغة المقارن .
وفي حديثه ، من بعد ، فوائد كثيرة تنبئ عن نمط التعليم في مطالع القرن العشرين ، وعن طرائقه ، وأشياء تنبئ عن رعاية رجال الدولة لشأن العلم وطلّابه ؛ وهي صفحات تتّسم بالصدق ، والوضوح ، وحسن تقدير الحال .
غير أنّ الرياح ما عوّدته أن تجري رخاء ، وأنّ الصفو لا يأتيه إلّا مشوباً بالكدر ، وأنّ المكاره لا تكفّ عن الكمون له في ثنيّات الطريق ! فقد كان من شأن عمله في كليّة الآداب بجامعة بغداد ، بعد نيله شهادة الدكتوراه من فرنسا في سنة 1956 ، أن جرت الأمور في نصابها ؛ يدرّس النحو ، وفقه اللغة ، واللغة العبريّة في قسم اللغة العربيّة ، ويدرّس اللغة السريانيّة في قسم الآثار ؛ ومع ذلك تأليفٌ ، وتحقيقٌ ، وإقبالٌ على القديم والحديث معاً ، وحسنُ رعاية لطلبته على اختلاف مشاربهم ، ونظمٌ للشعر في معان شديدة الاتّصال به . وهو في كلّ شؤونه متحرّز متأبٍّ ، ينأى بنفسه عمّا يمسّ كرامته ، "يعتدّ الصيانة مغنما" . وحين استحدثت الدراسات العليا في كليّة الآداب كان له خطّ ، ونهج ، وطلبة يحملون علمه ؛ لكنّ الرياح لا تجري رخيّة في كلّ حين ، وأنّ الصفو مشوب بالكدر ، والمكاره مبثوثةٌ في جنبات الدرب ؛ فلقد تقلّبت الأحوال على البلد ، فاضطربت قيم ، واختلّت موازين ، وولي مِن الأمر مَن ليس أهله ، وطغى بالناس أدناهم . يقول السامرّائي في بيان جانب من الأمر : ( لقد شعرتُ أنا وجملة من أصحابي يومئذ ، في مطلع سنة 1980 أنّ البقاء حيث أنا في كليّة الآداب أمر عسير ، ذلك أنّ الكليّة قد تحكّم فيها غيرُ أهل العلم . كان العميد ذلك الذي استطال فيها وعلا وتجبّر ، لمكانه في الحكم ، وأنّه أحاط نفسه بأعوانه فتقوّى بخيله ورَجله ... لقد جاء أوّل تسميته "عميداً" بشرٍّ ابتدعه ، لقد شرع باجتماعات خاصّة مع أساتذة كلّ قسم ، لم يستمع إليهم ، ولكن ليلقي عليهم ، أو ليصبّ زواجر وعظه ، ونواشز لفظه ، ينال منهم ، ويحطّ من منزلتهم ، فمنهم من يردّ عليه ، وهذا قليل ، ومنهم من يفِرّ من بين يديه . يُنحي باللائمة عليهم ويتّهمهم بالتقصير ، وأنّهم لا يقومون بما كُلّفوا به من واجبات . ) كان هذا العميد قد ولي أمر كليّة الآداب منذ سنة 1975 فأدارها على غير ما يقتضيه المنهج الأكاديمي في الإدارة ؛ فقرّب وبعّد ، وقدّم وأخّر حتّى ضاق السامرّائي ، وأمثاله ، وشعر ألّا مكان له فتعجّل الإحالة على التقاعد . وقد قال لي ذات يوم من تلك السنوات ، وهو آخذ بيدي في ممر كليّة الآداب لا يُخفي أساه : صار الأستاذ قصير اليد !
وما أن تمّ له أمر التقاعد حتّى شرع بتهيئة أسباب الرحيل من البلد ، وهو ينطوي على شجن خفيّ ، وحسرة بين الضلوع ؛ يقول : ( وفي التهيّؤ للرحيل إثارة لأسى لا أطيقه .) ، ويقول : ( وأعود إلى مأساة الرحيل التي شعرتُ فيها أنّي أقصد التيه ، وسيكون لي وجود آخر ... والغريب عن أهله مجاهد مغبون .) لتبدأ معه غربة نائية لا عودة منها !
عمل أوّل الأمر في الجامعة الأردنيّة في عمّان ، ثمّ عمل في جامعة صنعاء في اليمن ، ثمّ عاد إلى الأردن ؛ وهو ، حيثُ حلّ ، موضعُ حفاوة وتجلّة من عارفي فضله ؛ لكنّ ألم الغربة والخذلان شيء لا يبارحه ؛ يطفو على قلمه في الشعر والنثر ! فقد أمضّه أن يُضطر إلى مغادرة بلده ، وأمضّه أن يلقى الإهمال من أولي الأمر ، وعزّ عليه أن يكون عضواً في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة ، وألّا يكون عضواً في المجمع العلمي العراقي ! وساءه أن تحتفي به عمّان وتنساه بغداد !
لكنّه ، مع بثّه ما يجد ، لا يُطيل الشكاة ؛ إذ سرعان ما يرجع إلى حديث الكتاب والدرس ، ودروب المعرفة ؛ بل إنّ بثّه وشكاته إنّما هما من الأدب الرفيع في الإلماح ، والإشارة ، والاقتباس من الذكر الحكيم بما ينسجم مع سياق القول ، والتمثل بأبيات من الشعر تصوّر الحال وتنبئ عن طويّة النفس .
كان إبراهيم السامرّائي قد ولد في سنة 1922 في مدينة العمارة ، وتوفّي في سنة 2001 في مدينة عمّان ، وبين التاريخين حياة كريمة حافلة بالجدّ والإخلاص والمثابرة ، يزينها الصدق والإباء ؛ لم توهن العقبات منها ؛ حتّى إذا أفلَتْ وطُويتْ صفحتها كان في سجلّها ما يزيد على مئة كتاب بين تأليف وتحقيق ، كلّها من عيون الآثار !
وبعد ؛ فإنّ ( حديث السنين ) نمط فريد في السيرة يكتبها صاحبها مقتصداً في البوح ، مفصّلاً في المعارف ...!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما