الحوار المتمدن - موبايل


حديقة بوذا (Xieng Khuan) أو المدينة الروحية في لاوس.

طارق حربي

2019 / 8 / 28
السياحة والرحلات


كتاب الأسفار الآسيوية
Asia Travel Book
طارق حربي
لاوس تايلند كمبوديا فيتنام ميانمار.
2- لاوس LAO
حديقة بوذا (Xieng Khuan) أو المدينة الروحية.

أخبرتُ صديقي في صباح اليوم الثالث بخبر الحديقة البوذية الواقعة في الجنوب الشرقي من العاصمة اللاوية فيينيتان، وتبعد حوالي 25 كيلومتراً عنها، وعن مرج من مروج نهر ميكونغ العظيم، وهل يرغب أن يرافقني لزيارتهما أم لا؟، أجَّلنا زيارة المرج والنهر واتفقنا على زيارة الحديقة، وانطلقنا إليها في الساعة التاسعة والنصف صباحاً.

الحديقة التمثالية التي شُيّدَتْ في سبعينيّات القرن الماضي، أراد من ورائها الراهب الذي صممها، تذكير البشر بأهمية الدين في الحياة! نفس نسق تفكير مصمم المعبد الأبيض المار ذكره في شيانغ راي بتايلند، فالشعبان اللاوي والتايلندي متدينان، لكن غلب تدين الثاني على الأول!

والحديقة البوذية صممها الراهب المتصوف ذو الرؤية الدينية والفنية (لوانج بو) في سنة 1958، واستطاع أن يمزج فيها بين الديانتين الهندوسية والبوذية، وكان بو تتلمذ على يد راهب هندوسي مقيم في فيتنام، وبعد ثلاث سنوات من ثورة 1975 الشيوعية في لاوس، هرب إلى تايلند عبر نهر ميكونغ، وشَيّدَ هناك حديقة مشابهة للحديقة الروحية تدعى (Sala Keokau)، وتقع في الجهة الثانية من النهر في مدينة (Nong Khai)، عَبَرَ النهرَ بتديُّنِهِ وشيّدَ حديقة روحية جديدة يحاكي بها من بعيد حديقته الأولى، شأن الإنسان دائماً وهو يرى إلى نفسه ليس أكثر من حبة رمل مسحوقة في الكون اللامتناهي، فلا يسعى إلّا إلى تأكيد ديانته وهويته في مواجهة سر الحياة الغامض وما وراء الكون والموت!

200 نصباً وتمثالاً هندوسياً وبوذياً قريبة جداً من بعضها البعض لا تفصل بينها سوى ممرات ضيقة، تمثل الآلهة والبشر والحيوانات والشياطين، بينها تماثيل عديدة لبوذا ولعدد من الآلهة الهندوسية مثل شيفا وفيشنو وأرجونا، ويتوسط الحديقة التي تبدو منزلية أكثر منها حديقة عامة، أو روحية بمعناها الطبيعي وفضائها الواسع، تمثال لبوذا بطول 40 متراً مسترخياً شاغلاً الجزء الأيسر منها، كأنه الراعي الأول للحياة بكل تمثلاتها وآلامها وأقدارها، ولم تنفع القطع القماشية صفراء اللون الموضوعة على تماثيل صغيرة لبوذا، لغرض إعطائها لوناً جاذباً للنظر، كافية لطرد اللون الكالح للتماثيل الخرسانية، من اخفاء ما أبلته يد الزمن فيها وفي خيال صانعها!

أنت الشاكُّ على طريقة المعري مخضع كل شيء في الوجود إلى العقل والنقد والتحليل، لا شك تجد متعة في مشاهدة ماضي الإنسان قبل تطور الفلسفة والعلوم، والدين متجسداً والخرافة شاخصة بقوة في هياكل وأصنام فريدة، وتقرأ وأنت تمشي في الممرات الملتوية، ما للتدين من بالغ التأثير في حياة الناس، ابتداءً من تماثيل بوذا الصغيرة إلى الكبيرة، في رحلة دينية وسيرة لحياته وتحولاته الروحية.

ثمة في مقدمة الحديقة مقاهي ومتاجر بيع التحف ومصطبات استراحة للسيّاح، على مبعدة عشرة أمتار منها نصب ليقطينة عملاقة أوراقها متفرعة في سماء غائمة، حيث يبلغ ارتفاعها مع اليقطينة نحو 10 أمتار، وتمثل ثلاثة طوابق هي الجحيم والأرض والسماء، واطّلعتُ على العديد من المصادر في لغات مختلفة، اشارت كلها إلى أن التماثيل الموجودة في الطوابق الثلاثة، القيتْ كيفما اتفق من قبل عمّال غير مهرة!

ويمكن للزوار الدخول من الطابق السفلي، أقصد من فم شيطان الذي يسع دخول سائحين اثنين وكان يصرخ حتى بانت نواجذه!، ويؤدي عمقه المظلم إلى ممر دائري فالسلالم المشيدة من الإسمنت، جلستُ في فم الشيطان صارخاً مثله والتقط لي الصديق صورة ملونة!

إن الاطلالة من فوق اليقطينة تجعل كل التماثيل تحت مستوى النظر، بما فيها تمثال بوذا الضخم إلى اليسار، ومن فوق اليقطينة أمسكتُ بيديّ سائحتين صينيتين مرعوبتين خوفاً عَليهُنَّ من انحدار سطح اليقطينة الشديد، وكان خطيراً فعلاً ولا أعلم لماذا تُركَ دون مُحَجَّرٍ يدعم السيّاح في سقوطهم من علٍ أو تدحرجهم؟، ولن أتحدث عن ضيق السلالم الحجرية وخطورة ارتطام رؤوس السيّاح بسقفها فذلك مخزٍ، لكن من فوق اليقطينة وتخفيفاً لصدمة السائحتين وكذلك من اجل التقاط صورة للذكرى، رفعتُ يديهما البَضّتَينِ إلى فوق، كما لو كنت حكماً لمصارعة السومو اليابانية والنتيجة هي التعادل!، وما زلتُ أحتفظ بصورة لذلك الحدث التقطها الصديق من تحت اليقطينة قبل تسلقها لنصبح أربعة ونلتقط المزيد من الصور!، وكانت السيدة الكبرى وهي في منتصف الأربعينيات خائفة أكثر من اللزوم، قائلة لزميلتها بلغة محذرة (خطر خطر!) بالصينية ولي بالإنكليزية، ورحتُ أردد معها (خطر خطر!) باللغة الصينية!

في الحديقة التي بانت من فوق اليقطينة صغيرة، وحدودها مساحة محمية من الشمس لتناول الطعام، ومطاعم مطلة على نهر ميكونغ وفي الضفة الثانية تقع تايلند، تماثيل بحجوم وأطوال مختلفة وكل تمثال له قصة ووظيفة دينية، بين ضاحك متأمل في الحياة والدين وهازىء من الأقدار ومتهيىء لقتال بسيف طويل، وأربعة رؤوس ملتصقة فوقها تاج يتألف من ثلاث طبقات من رؤوس حيوانات وبشر، وتخرج من الرؤوس الأربعة سواعد ممدودة وأيدي مبسوطة ترفعها مساند عن عشب الحديقة، إله بعشرة أيدي يمتطي أسداً بجانبه حارس أقل ارتفاعاً من الأسد، وبجانبه إله يمتطي أسداً آخر يدوس على عدو ما، فيل بثلاثة رؤوس ينتصب عليه إله بكامل أبهته له أربعة أيدي، إثنتان منهما تحملان شمعداناً وصولجاناً، وفيل أكبر منه أقرب ما يكون هندياً منه إلى لاوي، شامخاً هادئاً لا يأبه بنباح الكلاب المحيطة به، وفي الركن الأيمن من الحديقة يجلس بوذا جلسته الشهيرة، باسطاً يده اليسرى في حضنه رافعاً باليمنى مسبحة، وفي طرف الحديقة تمثال لشرير بقرنين وأنف كبير يخرج من فمه مخلوق ما اقل شراً، كما لو كان يَلدُ تمثالاً آخر له ملامح السلام والبراءة، وجلس أمامه بوذي يتعبد آلهةً بأيدٍ كثيرةٍ حملتْ سيوفاً وفؤوساً، هيئة أحدهم أقرب ما تكون إلى هيئة الإله الجرماني تور حامل المطرقة، الذي ازدادت شعبيته خلال عصر الفايكنغ وأخذ الناس يرتدون شعار مطرقته!

لا يعتبر اللاويون، مع تلك الأبهة وتسجيلها حديقة روحية ووجهة سياحيّة، حديقة بوذا معبداً وأسمه في التايلندية واللاوية وات (WAT)، على الرغم من أن الكثير من اللاويين يعبدون بعض التماثيل، ولاسيما تمثال بوذا العملاق المستلقي على الجهة اليمنى ويده تحت رأسه!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل أعلنت حماس الحرب على إسرائيل؟ أسامة حمدان يجيب


.. مظاهرات ومواجهات بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية في عدد


.. المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية يتهم المواطنين العرب بإحداث




.. حريق يلتهم كنيسة تاريخية في فيلاديلفيا


.. جبال تشينلينغ -وريد التنين-