الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأصابع البيضاء

يحيى نوح مجذاب

2019 / 9 / 6
الادب والفن


الأصابعُ البيضاء

عند أفولِ كلِّ شهر، شيءٌ ما يُزهر في أعماقه كتلك الأوراد المُكتظة عند أسيِجة الغيطان. ينظر في ساعة معصَمِهِ ويعيد النظر إلى التقويم، ما هذا لم يبقَ شيءٌ يُذكر؟ بقيَ يومٌ أو بعض يوم وسيقف أمام الشباك. هذا المشهدُ كل شهر يتكرَّر؛ دورة قَبْضِ الرّاتب، يعقبهُ صرفٌ باذخ، فنفادٌ للمال، ثم ترقّب رجل مُفلس طُويت بطنه، لم يعد في محفظة جيبِه غير دنانير مُهلهلة لا تكفي لدواء النّقرس. ويعيد التاريخ نفسه في العام الواحد اثنتي عشرة مرة.
في اليوم التالي يأخذ بعضه، يرتدي مَلبسَهُ الرَّسمي؛ القاطُ الأزرق وربطة عنقٍ قديمة، مُنتعلاً حذاءاً جلدياً أسود مُلمَّع بِدهانٍ شفّاف. لا ينسى أبداً أن يضع على رأسه برنيطته التركية ذات اللّون الأسود، تُغطي شعره الأشعث.
القاعةُ ليست مُكتظة. اعتاد أن ينسلَّ اليها وقد غادرتها الطوابير العَجلى، شيوخ وعجائز يحتضنون دنانيرهم الرّاقدة في ظلام الأكياس السَّوداء وهم فرحى يتسابقون نحو الباب. هو ليس في عجلة من أمره لأنه يعرف أن راتبه مُصان عند المصرف وما سيقبضه من نقود مأمونة في قلبِ الخَزْنة، وبقدرة ساحِر ستمرق إليه بعد قليل وتدخل جَيبه.
في هذا اليوم المشهود ليس المال فقط هو المنشود، إنه مفتونٌ بيديها، بأصابِعها العشرة. تلك المرأة التي ستُسلِّمه المَقسوم؛ حصادَ سنينٍ عجفاء، خسر فيها جُلَّ عمره، فالزوجة والابناء تركوه وحيداً بعد أن جفّ عصيره وذبُلَ عوده، فبقي يجترُّ همومه في خَرابة بيت منسيّ، وهل بقي شيء في الدنيا يشغله غير بعض شَطحات خياله؟
كعادته يقف بأدب جَمّ لا يتحرك، ووجه الكاشيرة أمامه لا يفصلها عنه سوى زُجاج لامع. مَدَّت يدها البَضَّة ونظرت في قائمة الراتب. استلت من أكوام الرزم المَرصُوصة عدة أوراق نقدية، وهو ينظر إليها بكل هدوء يتمعن شكل الكّف البيضاء الرَّخصة، أصابعها الملساء، أظافرها المُدبَّبة اللّوزية، وهي تقبضُ الأوراق وتَعدُّها بسبَّابتها والإبهام. خارطةُ الكّف يحفظها عن ظَهرِ قلب، كم يتمنى أن تُعطيهِ يدها وتبسطها ليجسَّ طراوتها ويقرأ الطالع لها، سيرى خطّ الحياة، وخطّ الرأس، وخطّ القلب، وهضبة الزهرة، وهضبة القمر، فما تعلّمه في هذا العلم التصق بذاكرته منذ سنين وهو يُدرك أن لا حقيقة في نبوءات الكف، وما يحصل ليس سوى محض صدفة. لم يتحدث معها بهذا الشأن، فما بينهما ليس سوى تسليم للأوراق من تحت الزّجاج الحاجز، ونظراتٌ مُنبعثة تختصر الكلمات. كانت تمضغ لباناً تُقَلِّبه بلسانٍ وردي أحمر وصفوفُ الأسنان العاجِيَّة يُرَطِّبها ندى الرِّضاب، تنفث من بين شفَتيها رائحة نعناع نفّاذ.
بعد صمتٍ مُطبق وعيون تتكلم يتوقف ضَجيجُ القاعة. يُودِّعها بسلام من عينيه، ويحملُ نقوده في كفِّه ويرحل. بضعُ دقائق لا أكثر وينسدل السِتر على المشهد، وحين يكون في قلب الدار يوصِد رِتاجَ الباب... يضع الرأس على خدِّ الوسادة... يغمض عينيه... ويطير بعيداً، فتهب عليه من دنيا الغيب رائحة النّعناع الأخضر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عأساس بدّن يمدّوا كابل...????‍?? صار بدّن يصوروا ببيت عبدو و


.. الأبطال | الرواية الكاملة لتحرر 6 أسرى فلسطينيين من سجن جلبو


.. فنانون ونقاد يحتفون بحصد -الاختيار- جائزة الشارقة للاتصال ال




.. لويس ميغيل بوينو: الاستفتاءات الروسية هي مسرحية ولم يكن هناك


.. - علاقة اللغة بالتفاهم، في هذه الحلقة من واقعنا بين الأسئلة