الحوار المتمدن - موبايل


ثلاثون عاما على بغدادات..

حكمت الحاج

2019 / 12 / 4
الادب والفن


مع انتهاء الحرب العراقية الإيرانية الضروس عام 1988 كنت أنهيت قصيدة طويلة لي بعنوان "بغدادات" أؤرخ فيها لمخاوفي وكوابيسي وسخرياتي أيضا لسنوات طويلة. وعلى عادة الشعراء تلك الأزمان هيأتها للنشر وتقصدت تحميلها بتصدير وتذييل. أما التصدير فكان التنصيص بعد العنوان وقبل اسم الشاعر على انها قصيدة نثر. وأما التذييل فكان يطلب من المحرر أن ينشر القصيدة كاملة أو ألا ينشرها مبتورة إطلاقا. ونظرا لملمح الطول الذي ميز "بغدادات" فقد كنت أدرك صعوبة نشرها في دورية ما، علاوة على تشديد وصفها بقصيدة نثر، ولكن، وأيضا والأهم، في نظري كان محتواها الداخلي وتضمينها مقاطع من كلام حوشي مستل من بطون كتب قديمة ومخطوطات مجهولة الأصل كنت اطلعت عليها ببعض المصادفات المتكررة، الأمر الذي جعلها دوما تلك القصيدة المنبوذة والتي يتم تجاهلها من الجميع.
لكنني كنت أعرف إلى أين يجب أن تذهب "بغدادات" لكي تنشر.
إلى لندن.
فهناك كان أستاذي ومعلمي الأكبر الشاعر اللبناني أنسي الحاج يعمل في مجلة الناقد محررا للشعر فيها، تلك التي كان يصدرها من عاصمة الضباب الشاعر اللبناني الصحافي المعروف رياض نحيب الريس. وهكذا تم العزم. وأرسلت "بغدادت" إلى مجلة "الناقد" عبر رسالة بالبريد العادي غير المسجل وغير المرجع. ولم أحتفظ بأية مسودة عن القصيدة ولا بنسخة احتياطية منها، بل قمت بلعب نوع من "الروليت الروسي" شعريا مع نفسي إن صح التعبير. فإن ضاعت الرسالة أو لم تصل أو تم إهمالها لسبب ما، فإنني بذلك أكون قد ضيعت سنتين أو أكثر وأنا أكتب تلك القصيدة الطويلة المركبة المرهقة المتعبة والتي إن لم أبالغ فأقول إنني ربما أعدت كتابتها بخطي عشرات المرات على مختلف أنواع الأوراق والدفاتر والسجلات مستخدما عدة أنواع من أقلام الخط والروترينغ والحبر الصيني. إذا لم تصل القصيدة لندن والناقد، فليذهب كل شيء إلى الجحيم. لن أحتفظ بنسخة.
بعد ستة أشهر من ذلك أو يزيد، وصلت حدود اليأس، وبدأت أتعلم النسيان. ضاعت بغداداتي إذن. وها هي أعداد "الناقد" الشهرية تصلني بهذه الطريقة أو تلك (إذ كان ممنوع توزيع المجلة في بغداد حينها) لكن لا شيء يثلج الصدر. أحسست بقليل من الندم على فعلتي لكنني سرعان ما قررت تجاوزه والعبور عليه وذلك بأن كتبت مقالا عن "الاستشراق المعكوس" أو الاستغراب وبعثته هو الآخر إلى عنوان "الناقد" في لندن كنوع من إرادة الحياة لا أكثر.
ذات يوم خريفي من أيام شهر أكتوبر من عام 1989 وكنت كعادتي في الظهيرة بعد العمل أرتاد مقهى حسن عجمي في الحيدرخانة ببغداد أين ملتقى النخبة المثقفة ومرتع عشاق الكتب على مقربة من شارع المتنبي وسوق السراي، وكنت أحب الجلوس لصق الزجاج المطل على الشارع أحتسي الشاي رقم لست أدري كم، من يد القهوجي الأسطورة صديق المثقفين الشهير باسم "أبو داوود"، فإذا بشخص يدخل المقهى ويتوجه نحوي ويسلم علي باسمي ويجلس إلى جانبي على الأريكة المصنوعة من الخشب وخوص النخيل، دون أن أدعوه إلى ذلك، ويسلمني مظروفا أصفر اللون كبيرا أنيقا وعليه طوابع بريدية كثيرة وقال لي بصوت ودود إن هذا الظرف بالذي فيه هو هدية لي. ثم قام وانصرف قبل ان أنتبه من دهشتي وذهولي وقبل أن يتمكن "أبو داوود" من وضع استكان الشاي أمامه.
ولا داعي لكثر الكلام.
كانت الهدية المجهولة هي العدد رقم 15 لشهر سبتمبر من العام 1989 من مجلة "الناقد" اللندنية، وقد نشرت لي قصيدتي "بغدادات" كاملة دون نقصان ولا تغيير في أي حرف فيها، وذلك ضمن ملف خاص بالشعر العراقي جاء بعنوان "أشعار من العراق" ضم ثمانية عشر شاعرا عراقيا وشغل الصفحات من 15 إلى 38 من العدد الذي ازدان ملفه الشعري برسوم مخصوصة على القصائد للفنانين ضياء العزاوي ونذير نبعة وطلال معلا.
والآن، وبعد ثلاثين عاما من تلك الواقعة، وبعد أن حدث ما حدث حينها لي ولغيري من جراء النشر في ذلك العدد من مجلة "الناقد"، وبعد أن حمل ديواني الأول الذي صدر بعدها بثلاث سنوات عنوان "بغدادت" وضم إضافة لتلك القصيدة أربعة قصائد نثر طويلة أخرى، أجدني غير قادر على التعبير عن الخلجات التي اعترتني خلال سنوات طويلة من الحياة المستحيلة في حقل الألغام، ورحلة من القصيدة إلى الكتاب الذي احتواها، هي سنوات "بغدادت" العجاف في بلاد "العراقات" الكثيرة.
وفيما يلي ثبت بأسماء الشعراء وعناوين قصائدهم كما في ملف "الناقد" المشار اليه أعلاه وبعض الروابط المفيدة لكل مستزيد:
أشعار من العراق، مجلة "الناقد"، لندن، العدد 15 في 1 سبتمبر 1989
الشعراء وقصائدهم حسب تسلسلهم في الملف:
خزعل الماجدي الغابات تبوقني وأنا ألمع
كريم عبد تمارين في الحب
صلاح حسن.. البهلول
خالد المعالي الركض بين القواميس
باسل الشيخلي قرب قبر ما
حمد المختار الوقت مقاطع وتفاصيل
جمال جمعة حركات
برهان شاوي فجائية
نامق سلطان قصائد إلى طفلة الشمال
مؤيد عبد الستار الطيور المهاجرة
علي الوكيلي سورة كسرى
هاتف الجنابي الانسان والغابة الحلقة المفقودة
رعد مشتت مدرس الانجليزية
حكمت الحاج بغدادات
سهيل نجم قصيدتان
محمد النصار رغبات تستدرج خيباتها
أديب كمال الدين قبور الماء
عادل العامل مدارات يومية.

يمكنكم تنزيل نسخة قابلة للقراءة من قصيدة "بغدادت" على وفق الرابط التالي:
https://docdro.id/wgAEWFw

وهذا الرابط سيؤدي بكم إلى تصفح العدد المذكور من مجلة الناقد 1989حيث ملف "أشعار من العراق":
http://archive.alsharekh.org/newPreview.aspx?ISSUEID=15788








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جولة في بيت العود العربي بمدينة أبوظبي مع الفنان نصير شمة |


.. لقاء خاص مع الفنانة الفلسطينية روان عليان وحديث شيق عن جديد


.. عزاء شقيق المخرج خالد يوسف بمسقط را?سه بتصفا في كفر شكر




.. وصول المخرج خالد يوسف إلى بيت العائلة واستعدادات لتشييع جثما


.. إلى جانب معسكرات الإعتقال.. الصين تنتهج أسلوباً جديداً لتدمي