الحوار المتمدن - موبايل


في فلسفة التربية والتربية الفلسفية

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 1 / 16
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ليست فلسفة التربية مجرد حاصل جمع لكلمتي (فلسفة- وتربية) بل هي مركب عضوي متواشج العلاقات؛ أنها علم خاص له أصوله وأدواته ونظرياته وطرائقه والنشاط الفلسفي هو بالدرجة الأولى نشاط نظري تأملي تحليلي كلي منهجي تجريدي، والنشاط التربوي هو نشاط عملي تجريبي ملموس وتخصصي. هذان القطبان الأساسيان للحياة البشرية برمتها- المادي والمعنوي، التجريبي والتأملي، النظري والعملي، الواقعي والمنطقي الفكري والملموس، هم الفضاء أو الحقل الذي تحضر فيه فلسفة التربية ويستدعي ضرورتها. ولان التربية نشاط تجريبي وإجراءات عملية وخطوات تنفيذية لتنمية الإنسان، الطفل التلميذ الطالب، فلا بد أن تستند في عملها إلى وجهة نظر، إلى فكرة كلية، إلى رؤية فلسفية، إلى أفق عام، إلى تصور منهجي، إلى إطار استراتيجي، أيا كانت التسمية فهي كلها تعبر عن الحاجة الضرورية للعملية التربوية والتعليمية التي لا تستطيع النهوض بدونها. بهذا المعنى تعد فلسفة التربية والتعليم بمثابة الخريطة الفكرية التي تحدد لنا خصائص ونوع وجهة البناء الذي نريد أن نشيده، أي بناء الإنسان. ويصور الدكتور (سعيد إسماعيل علي) العلاقة بين الفلسفة والتربية بقولة: "أن المربي أشبه بمقاول البناء هذا يبني حجرا وذلك يبني بشرا والمقاول رجل تنفيذي لا يستطيع أن يعمل إلا وفق تصميم نظري هندسي معين وواضح يقوم برسمه ومهندس التصميمات وفقا لطلب العميل وما يريد، عمارة، أم قصرا، فيلا أم فندقا، مدرسة أم جسرا، وفيلسوف التربية هو ذلك المهندس التصميمي الذي يرسم ويخطط بناء على حاجة المجتمع وتوجهاته وثقافته وإمكانياته وأهدافه وما على المربي "المعلم" إلا الالتزام بهذا المخطط العام وهو يقوم بعمل اليومي. فالعملية التربوية ليست مجرد تعليم معلومات للتلاميذ وإنما هي أولا وأخيرا عملية تنمية بشرية، بناء مجتمع، وكيف يمكن لنا أن نطمئن إلى تنمية بشرية سليمة إذا افتقدنا الشراع الموجه، إذا افتقدنا القدرة على رؤية الهدف والطريق إليه. " وما لم تكن متأكدا من تحديد المكان الذي تذهب إليه، فأنت معرض لان ينتهي بك إلى مكان آخر" على حد قوله روبرت ف. ميكر، في كتابة الأهداف التربوية، وربما هذا ما كان يقصده الفيلسوف الروماني سينكان (60م)، بقوله "(لا رياح طيبة لمن لا يعرف طريقة، ولا لمن حطم مقوده) ويرى أستاذ الفكر التربوي محمد مجلوب فرحان: " أن الفلسفة ضرورية في فهم أية نظرية تربوية، ومعرفة أساسها وأهدافها، ومعرفة لماذا اختارت هذه الأساليب ورجحتها على غيرها، ولم سلكت هذا الطريق ولم تسلك سواه، كما أنها تعين المربي في مواجهة الأسئلة الكبرى". ويرى الفيلسوف البرجماتي جون ديوي: "تخولنا وجهة نظر التربية أن ندرك المشاكل الفلسفية حيث تنشأ وتنمو في عقر دارها، حيث آلـ "نعم" والـ "لا" تعبران عن معارضة عملية، وإذ ما رأينا في التربية تكوين النزعات الأساسية الفكرية والوجدانية التي تتعلق بالطبيعة والناس تمكنا من أن نفضي إلى تحديد الفلسفة "نظرية عامة في التربية". وعندما تفكر الفلسفة في التربية، أفلا تصبح في الحقيقة هي نفسها أسمى أشكالها أي تربية المربي ويلح الأستاذ (دي. جي أو كونور) في كتابة (مقدمة في فلسفة التربية) على ضرورة وأهمية الفكر الفلسفي للطلاب الذين يدرسون التربية في الجامعات، ويرى انه بدون ذلك تضيع على الطلاب فرصة الاتصال بالفلسفة وامتلاك المنهج. ولعل الفيلسوف الانجليزي التجريبي فرانسيس بيكون(ت)(1626م) كان قد أعطى مثالا جيدا بقوله: " أن الطريق" المنهج للوصول إلى الاهدف هي أشبه بمشعل ينير أمام المسافر الدروب في الظلام، حتى الاعراج السائر في الطريق يسبق السليم الذي يركض بلا منهج". وهكذا يمكننا التأكيد أن فلسفة التربية والتعليم تضطلع بوظائف حيوية ومصيرية يمكن لنا الإشارة إلى أهمها:
1- تحديد الغايات الاجتماعية والثقافية والمعرفية في سير عملية التنمية التربوية والتعليمية واستشراف أفاق المستقبل.
2- تصميم ورسم السياسات والأطر الأولية التي يقوم عليها النظام التربوي التعليمي المراد تطبيقه.
3- تحليل نقدي ومنهجي عقلاني للتقاليد التربوية والتعليمية، وكذلك فحص المذاهب والأفكار التربوية وتقويمها ومن ثم توضيح عمل المربين وتوجيهه.
4- وضع المفاهيم الأساسية التي على أساسها تغير الأطر والديناميات العقلية والروحية والمادية، بأنماط جديدة تنسجم مع الغايات المنشودة كان يحل الفهم محل الحفظ أو المهارة محل الترويض...الخ. وهكذا يمكن القول أن للفلسفة والتربية خصائص وأهداف مشتركة: أليست الفلسفة هي "الفكر الذي يفكر: إذن الإنسان هو فيلسوف بالفطرة، هذه معناه شئنا أم أبينا فلا بد لنا جميعا من- التفلسف، وإذا كان باستطاعة المرء تجنب المهن التي تعرض ملابسه للوساخة فليس بمكانه أن يمارس التفكير المنطقي في شؤون حياته الخاصة والعامة، وجوده ومستقبله ومعنى حياته وموته، الله الكون الخير والشر الجمال والقبح، الحب الكره ليس بمقدور أي إنسان أن يفكر في هذه الأشياء دون أن يقوم بدور الفيلسوف ولو على نحو ساذج، وإذا كانت الدهشة هي مفتاح كل تفلسف، كما قال أفلاطون ذات يوم فان الألم هو كذلك مفتاح كل تربية سليمة. يقول ربول: " يقوم مبدأ التربية الكبير في أن نفهم أن الألم يأتي دائما في البداية وانه يجب (كسر)(اللوزة) وان اللذة الحقيقية لذة فهم نظرية ما أو قراءة رواية لا تسبق إطلاقا العمل، بل هي ألنتاج النهائي- ويقوم المبدأ الأخر لعلم التربية على الإقرار بان الوظيفة تخلق العضو: بمعنى حيث توجد حاجة أو اهتمام أو اهتمام حيوي تخلق أيضا التقنيات الجديدة بان ترضيها، أن رجلا يذهب وحده إلى بلد أجنبي يجيد طريق تكلم لغته في بضعة أشهر لان ذلك حيوي بالنسبة آلية، وإذا كانت الوظيفة تخلق العضو فالعكس ليس صحيحا".وكما ذهب (الفد نورث وابتهد " عام 1929م) بقوله مخاطبا الإنسان المتعلم: "أن ما تعلمته يكون عديم الفائدة لك ما لم تضع كتبك وتحرق مذكرات محاضراتك، وتنسى ما حفظته عن ظهر قلب من اجل الامتحان". ونحن نعرف بالتجربة أن جميع المعارف التي تتراكم خلال سنوات الدراسة تضيع إذا لم تسمح لنا الفرصة لا استعمالها... أن كل المؤلفات التي كتبت على رياضة السباحة لا تفيد المرء قيراطا واحدا إذا أراد الدخول إلى البحر قبل أن يتدرب على العوم، وهذا يعني أن نظام التلقين والحفظ والطاعة والامتثال التي تقوم عليها نظمنا التربوية والتعليمية العربية لا يمكن لها أن تساعد في خلق أجيال متطورة وتتجاوزها للأجيال السابقة، فالمجتمع يظل هو لا يتغير ينتج نفسه ويعيد إنتاج نفسه، ولعل هذا هو ما قصده عالم الاجتماع ماكس فبيير- بالتربية اعتبارها وسيلة من وسائل تثبيت الهيمنة الاجتماعية إذ يرى أن التربية هي أداة من أدوات السيطرة الاجتماعية التي يملكها المجتمع- أن لم تكن أداته الرئيسة- وبهذا يمكن مقارنتها حتى بأدوات القسر المباشر التي توجد في حوزة أي مجتمع، وكل الاختلاف بين التربية وبين الأدوات الأخرى هو أن التربية تستعمل (الكبت) الظواهر السلوكية غير المرغوب فيها اجتماعيا ومنع وقوعها، على حين أن أجهزة القسر الأخرى تتولى تتولى "قمع" تلك الظواهر بعد- لكن المشكلة بالنسبة بنا أن هذه الأداة الفعالة في تنمية المجتمع لا تستخدم إلا لكبح جماح تطوره ونموه.بالختام : نقول أن الفلسفة هي التي تعلّمنا جهلنا! ومفتاح الحكمة هو الاعتراف بالجهل، وحينما يعتقد المرء بإنه مكتفي بما لديه من معرفه، فاعلم أنه طبل! وكلما قلت معارف الرجل كلما زاد الحديث ولعاً بذلك الشيء القليل الذي يعرفه! وهكذا سُمي سقراط حكيم أثينا لانه الوحيد الذي فهم الرمز الذي نطقت بِه عرافة دلفي التي نطقت باسم سقراط بوصفه أحكم أهل اليونان، إذ قال يومها: (لعلها اختارتني لانني الوحيد الذي اعرف بانني لا اعرف شيئاً) بهذه الحكمة الخالدة عرّف سقراط فضيلة الفلسفة التي تعلمنا جهلنا! وهذا هو فحوى حكاية الحكيم الياباني مع تلميذه الجديد إذ جاء فيها: ذهب احد المريدين إلى شيخ بوذي من معلمي يوغا الزّن في طوكيو فاستقبله الشيخ بابريق الشاي فأخذ يسكب إلى الكوب الذي وضعه أمام الضيف بدون توقف حتى فاض الشاي على الطاولة، فصرخ المريد ماهذا أيها المعلم توقف الكأس ممتلىء، فابتسم الشيخ قائلا: هذا هو الدرس الأول يا فتى، الكأس الممتلىء لايتسع لشيء اخر غير ما فيه وكذلك هو العقل الذي لا يشعر بالجهل وبالحاجة إلى المعرفة لا سبيل إلى تعليمه ! وفِي هذا السياق يمكن فهم عبارة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت صاحب الكوجيتو( أنا أفكر إذا أنا موجود) الذي أعقبها بالقول : إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، لكنهم يختلفون بطريقة استخدامه، إذ تجدهم يطلبون المزيد من كل شيء ما عدا ذلك الشيء الذي ينقصهم دائما أي العقل؛ إذ تجدهم يعتقدون بأنهم مكتفين منه حتى الذين لا يمتلكون منه النزر اليسير أي المجانين! يعتقدون بأنهم اعقل العقلاء! ويمكن القول مع بزوغ حضارة الموجة الثالثة حضارة الانترنت والمعرفة أخذ العلماء الفلاسفة يفكرون في كيفية الاستجابة الفاعلة لهذا التحدي الجديد " نحن بحاجة الى فلسفة جديدة للمعلوماتية.. فلسفة تمكننا من فهم واستيعاب التحولات العميقة والواسعة النطاق التي أحدثتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وفهم طبيعة المعلوماتية ذاتها.. نحن في حاجة الى الفلسفة لنترقب ونوجه الأثر الأخلاقي لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات علينا وعلى بيئتنا. نحن بحاجة الى الفلسفة لبناء الإطار الفكري المناسب الذي يمكن أن يساعدنا على إدراك الدلالات والمعاني العقلية لمأزقنا الجديد، وباختصار، نحن في حاجة الى فلسفة المعلومات بوصفها فلسفة تخص عصرنا، من أجل عصرنا" هكذا أستهل المفكر الأيطالي الجنسية لوتشيانو فلوريدي أستاذ فلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ورئيس مجلة الفلسفة والتكنولوجيا" ينظر، كتاب، الثورة الرابعة، كيف يشكّل الغلاف المعلوماتي الواقع. أن الفلسفة يمكن لها أن تقدم الكثير من الاستبصارات فليس ثمة وسيلة أخرى في تنوير العقول وتثقيف الأفكار الملهمة غير التامل الفلسفي، فهي الفكر الذي يفكر، وتعود أهمية الفلسفة من حيث أنها فكر لابد منه للوعي بالمشكلات الرئيسية في مجال العلم والثقافة والقيم وانها من ثم لا يستغني عنها من اجل توجيه السلوك بحسب التفكير الشخصي الحر الذي يتناول القيم وشروط الوجود الإنسان. كما أنها ضرورية- بعتبار أن الإنسان كل انسان لا يمكن أن يكون يكون متاهبا لحرية الفكر إلا بالحرية الفكرية ذاتها وبحكم انني قد سبق وان عرفت الفلسفة وعرفت التربية أي كانت موضوعا لها في زمن الطفولة والمراهقة والتعليم، فقد دعلني هذا البحث استعيد بعض ذكرياتي القديمة واكتشفها من جديد وكاني اراها لاول مرة، وهنا عرفت لاول مرة معنى عبارة افلاطون- القائلة: "أن الإنسان لا يتعلم قط إلا ما سبق أن عرفها" وانا تعلمت أكثر مما بحثت.وإذا ما كان علينا أن نستخلص أهم النتائج إلى توصلنا إليها في هذه الدراسة سوق نجملها بالاتي: بما أن الفلسفة تعني توافق الإنسان مع الحكمة أي مع العقل فان التربية من دون فلسفة لن تكون قادرة على انجاز غاياتها أي الإنسان العاقل. أن غياب رؤية فلسفية عربية اسلامية هو سبب رئيسي فيما نشاهدة اليوم من مظاهر العنف والتعصب وتدني المستويات التعليمية وتمزق الهوية القومية والاعلامية الثقافية وغير ذلك من القيم المادية المعنوية السلبية. لا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي بدون تربية ديمقراطية، إذا لم تغير انظمة التربية القديمة فلن يكون مستقبلنا بافضل من واقعنا الراهن أن لم يكن اسوأ منه. أن العلم الحقيقي يزدهر أكثر مما يزدهر فيما يشبة البيوت الزجاجية حيث يمكن لكل انسان أن يرى ما فيه. أما حين تطلع النفوذ بسواد كما في الحروب والفوضى وتصبح الغلبة للاعشاب الطفيلية الظارة كذلك يكثر المشعوذين والمنحرفين والمهووسون حيث تكتب الاصوات النقدية. فالحرية صنو العقل وحرية التفكير والانتهاج أسلوب التعليم الديمقراطي يجعل الطالب أكثر ذكاء وقدرة على التحصيل، أكثر قدرة على التكييف الاجتماعي، أكثر قدرة على الانجاز وأكثر قدرة على الانهماك في النشاط العقلي تحت ظروف صعبة، أكثر اعتماد على النفس ومايلة للاستقلال، أكثر اتساق بالود واقل عدوانية، أكثر تلقائية واصالة وابتكارا.
وهذا ما اكد علية المفكر اللبناني ناصيف نصار في كتابة " في التربية والسياسة" حيث كتب يقول: من اجل تنمية التفكير العلمي، ينبغي الاهتمام بتربية العقل في جميع مستويات نشاطة. وعندما نقتنع بذلك نكون قد اقتنعنا باربع اشياء. ضرورة الفلسفة كنتاج أعلى للعقل وكبحث في أصول العلمية، وضرورة الخيال العقلي، وضرورة النقد العقلي، وضرورة الحرية العقلية.
في الواقع أن تربية العقل تربية كلية اوسع واهم مما تتصوره الايديولوجيات التقدمية والثورية ولا يحصل ارتقاء ثقافي إلا بواسطة تربية العقل تربية شاملة ومتواصلة.
وليس العقل وحدة القوة الوحيدة التي ينبغي تربيتها في الكائن الانساني، فالارادة الحرة والرغبة الواعية وتكامل الشخصية الفردية وتفتحها الكامل واجتماعيتها هي من الامور الأساسية التي ينبغي أن تهتم بها التربية في ضوء مشكلات هذا العصر.
ورغم صدور عدد من النصوص المكتوبة في الاونة الاخيرة حاول اصحابها الدعوة لا عتماد فلسفة تربوية عربية إلا أن تلك النصوص جاءت متلبسة بالنزوع الايديولوجي الضيق، ونذكر في هذا الصدد كتاب (نحو فلسفة تربوية عربية) عن مركز دراسات الوحدة العربية لمؤلفة الدكتور عبدالله عبدالدائم، المعروف في العالم العربي كله باتساع خبرته وعمق معاناته في ميدان التربية.حيث ينطلق الكتاب من التأكيد على "ضرورة البحث عن الغايات الكبرى للتربية قبل البحث في شكلها أو محتواها أو طرائقها انه البحث عن فلسفة للتربية تهدي سبيل العمل التربوي وتوجه سيرته نحو بناء انسان من طراز معين"لكن كيف نتوصل إلى الفلسفة التربوية المنشودة؟ وما هي بالضبط هذه الفلسفة؟ في سياق الجواب عن هذين السؤالين يميز الدكتور عبدالله عبد الدائم بين اتجاهين فلسفيين تربويين:
1- التربية المبنية على فلسفة الماهية الإنسانية العامة.
2- والتربية المبنية على فلسفة الوجود الانساني العيني.
اولا - تربية الماهية: مثالية ، عالية التجريد، سكونية تفرض على التربية غايات قبلية، أنها تربية تولي غايتها بتربية الإنسان من حيث هو كائن انساني ناقص التكوين.
- بينما تربية الوجودية: واقعية، قريبة من التجربة المعاشة ديناميكية، ولا تفرض على التربية غايات مسبقة، ولا يخفي المؤلف ميله إلى تربية الوجود لأنها تتناسب مع منطلقاته الأساسية أكثر من الأولى.
ويربط المؤلف بين فلسفة التربية والايديولوجيا القومية بقوله: " الايمان الشامل بالرسالة القومية يضم في صلبة وتكوينة الغايات التربوية التي تحدثنا عنها".
أن هذه الغايات المحركة تحتاج إلى تربة تولد الحياة فيها وتطلق طاقاتها. وطاقاتها هذه لا تنطلق من تلقاء ذاتها والنظام التربوي الذي يتعهدها وينميها ويغنيها في حاجة إلى هدف كبير يستقطبه ويرنو إليه ويحيا به ومن اجله. وهذا الهدف الكبير، أو تلك الغاية الكبرى هي الايمان القومي، وان القومية العربية التي نشير إليها قومية منطلقها القيم والمبادئ الإسلامية.حرصنا على ايراد هذا النص لنبين لك النمط من التفكير الذي ما زال عاجزا عن الفصل بين الفلسفة والايديولوجيا، فماذا يبقى للفلسفة إذا كان المرجع النظري للقومية العربية جاهزا وما هي الفلسفة التي يدعو إليه عبد الدائم بعد تاكيده " بان الفلسفة الاجتماعية العامة هي المرجع والمصدر لكل ما يقوم به مجتمع معين في سياساته المختلفة".ففي راية أن الفلسفة التربوية تحيل على مرجع أعلى منها، وهو الفلسفة الاجتماعية. فمن الفلسفة الاجتماعية تتلقى الفلسفة التربوية التوجيهات العامة، ومعايير الحكم على غايات التربية القائمة أو المنشودة، وهكذا تكون كل سياسة تربوية واعية تحت مستويين من الفلسفة:
أولا: مستوى " الفلسفة الاجتماعية العامة التي ياخذ بها بلد معين، والتي يحدد من خلالها نظرته إلى الحياة ومفهومة للتقدم والتطور في شتى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال اختياراته القومية الكبرى"
ثانيا: مستوى " الفلسفة التربوية المشتقة من تلك الفلسفة الاجتماعية العامة ومن تحليل الواقع التربوي"(ص83) هكذا ينتهي المؤلف "لرمي الطفل مع الماء من نافذة الحمام" ففي حين نادى في البدء بضرورة وجود فلسفة تربوية عربية انتهى إلى (رفض كل فلسفة والاكتفاء بالايديولوجيا القومية الإسلامية).وفي الواقع ما يفعله المؤلف هو رفض مزدوج لفلسفة غايات التربية المشتقة من فلسفة الماهية الإنسانية: وهو رفض لها، بحجة أنها مثالية خالدة مجردة، أي بعيدة عن الواقع الحي والتجربة المعاشة وما يقتضيانه من غايات ومثل قريبة ممكنه. وهو رفض ثان لها، بحجة أن التراث العربي الإسلامي يحتوي على مايكفية من القيم والمثل والمبادئ لتكوين نظرة غائبة إلى التربية.ويرى ناصيف نصار عن الحق: أن ما تؤكده فلسفة الماهية من أهمية القيم والمثل الإنسانية للتربية ليس إذا تحت قلم المؤلف سوى مدخل إلى ما هو غير الفلسفة، إلى ما يمكنه أن يستخدم الفلسفة في حدود الدفاع عن نظرة غير فلسفية اصلا للانسان والحياة والعالم. لكن فلسفة التربية المنشودة تستلزم مفهوما معين للانسان للطبيعة الإنسانية ومدى قابليتها للتربية. والمفهوم الفلسفي للانسان غير المفهوم الايديولوجي وغير المفهوم الديني له.والمغايرة هنا لا تعني بضرورة الاختلاف التام في المضمون بل الاختلاف في المصدر وفي وجهة النظر العامة. فقد اتفق المفهوم الديني والمفهوم الفلسفي والمفهوم الايديولوجي على اعتبار الحرية مقومة من مقومات الطبيعة الإنسانية، ولكن اتفاق كهذا لا يعني اتفاق كاملا في شان الحرية، كوجود وقيمة وغاية للتربية. ولذلك، إذا اردنا أن نقيم فلسفة تربوية بالمعنى الحصري للعبارة يتعين علينا أن نقيمها على مفهوم فلسفي للانسان، لا على ما عداها من مفاهيم. كان جان جاك روسو يقول: " إذا اردت أن تعرف الناس فانظر إلى ماهو إليه وأما إذا اردت أن تعرف الإنسان فعليك النظر إلى بعيد إلى فجر الإنسانية".فلو اعتبرنا ما يصفه المؤلف بانه " يكاد يكون هدف الأهداف وغاية الغايات في الفلسفة التربوية العربية المنشودة إلا وهو تكوين روح الخلق والابداع لدى الناشئة لوجدنا انه غاية عظيمة للعمل التربوي.لكن تنمية وتربية روح الخلق والابداع هي مشكلة تتصل بالطبيعة الإنسانية ككل، وهي تتعلق بالانسان كانسان ومسيرته ومصيره في هذا العالم ونوع التربية الصالحة له، ومعالجتها لا تتاتى على الوجه الصحيح في إطار الالتزام المسبق باوضاع جماعة قومية أو غير قومية بل في إطار البحث الانتروبولوجي العام الذي يتناول الإنسان كله كظاهرة من ظواهر الكون، في ضوء منهجي عقلاني منفتح.ومن البديهي أن فلسفة التربية تستلزم أيضا مفهوما معين للمجتمع وتحيل على فلسفة اجتماعية تحدد نوع المجتمع الذي ينبغي بنائه".33








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. طهران تتهم تل أبيب بالوقوف وراء الهجوم ضد موقع نطنز لتخصيب ا


.. خريف العشاق وعلى صفيح ساخن.. الماضي يصنع الحدث بمسلسلات سوري


.. مشاهد مسلسل #كوفيد25 و #يوسف_الشريف تتصدر التريند | #منصات




.. إطلاق حملة -100 مليون وجبة- في شهر #رمضان من #الإمارات | #من


.. اتجاه عالمي للحد من الانبعاثات ودعم قضايا تغير المناخ