الحوار المتمدن - موبايل


في التربية والدين

ميمون الواليدي

2020 / 1 / 18
التربية والتعليم والبحث العلمي


سأبدأ رأيي في موضوع "التربية والدين"، بواقعة صغيرة في أحداثها كبيرة في معانيها. بإحدى المدارس الخصوصية بالجنوب المغربي، استرسلت مدرسة "التربية الاسلامية" في وصف "الجنة" لأطفال المستوى الثاني ابتدائي، ومن شدة انبهارهم بما سمعوه، تحمس أحد أطفالها النجباء فبادرها بالسؤال: أستاذة، هل تقصدين فعلا أننا نستطيع الحصول على ما نريد في الجنة مهما كان؟
أجابت الأستاذة وكلها ثقة: "أجل يا ولدي، لو أطعت الله ودخلت الجنة، فسيكون بإمكانك الحصول على كل ما تريد، الله قادر على كل شيء، وبإبمكانه أن يوفر لأهل الجنة كل مايريديون" !
عاد الطفل ليسأل وكأن الشك كان يساوره: "هل هذا معناه أن بإمكاني الذهاب لماكدونالدز الجنة كلما رغبت بذلك؟"
أسقط بيد الأستاذة وأصيبت بالدوار لأنها لم تعرف ما تقول ! فلو أخبرت التلميذ أن بإمكانه الحصول على مايريد من مأكلولات ولكن ليس ماكدونالدز تحديدا فهذا يعني أن الله غير قادر على كل شيء وستقع في ورطة وهي تواجه أسئلة الطفل الملحة! كأغلب المعلمين والفقهاء عمدت إلى نهر الطفل وأنهت النقاش والدرس في آن معا. والذي حدث هو أن درسها (إن جاز أن نسمي ذلك درسا) جاء بنتائج عكسية!
سقت هذا المثال بكل بساطة للقول أن الدين لا علاقة له بالتربية، أقصد تربية الأطفال، بإمكان الراشدين أن يستخلصوا لأنفسهم "قيما تربوية" من أديانهم هذا شأنهم، لكن أن يعمد لاعتماد الدين كمصدر "لعلوم التربية" فهذا أمر لا يستقيم وقد يرقى لمستوى الجريمة والإرهاب الفكري أحيانا!
كيف يسمح شخص ما لنفسه بضرب طفل في العاشرة لأنه لم يصلي؟ هذا اعتداء على طفل لا حول له ولا قوة . ما الذي يفهمه طفل في السادسة أو السابعة أوحتى العاشرة في آيات من قبيل "العاديات ضبحا" ، "غاسق إذا وقب" ، "إمرأته حمالة الحطب" ؟!
أن يقول أب لابنته ذات التسع سنوات أو معلم لتلميذاته ذوات التسع سنوات أن النبي تزوج طفلة من نفس عمرهن، أليس هذا ارهابا فكريا لأطفال من المفروض حمايتهم ضد كل أشكال العنف والمظاهر الجنسية التي لا تليق بعمرهم!
عندما يحاول أب أن يقنع إبنه في القرن الواحد والعشرين أن بلاد المسلمين أفضل البلدان لأن الله خصها بالاسلام بينما يرى هذا الطفل من خلال الانترنت والتلفاز أن بلاد "الكفار والملحدين والمغضوب عليهم والضالين" هي أفضل وأعظم البلدان، أليس هذا كذبا وسببا في كسر رابطة الثقة بين الاب وابنه وبين المعلم وتلاميذه؟
ما الذي يعينه فرض "تربية إسلامية " على تلاميذ يفترض المربي أنهم جميعا أبناء لمسلمين، بينما بينهم أبناء ليبراليين وعلمانيين ومسيحيين وملحدين وشيوعيين وغيرهم! ثم حتى لو افترضنا جدلا أن كل الاباء من ديانة واحدة، هل هذا يعني أن الابناء أيضا من نفس الديانة؟ طبعا غير صحيح، الطفل قاصر ولايمكنه اتخاذ قرار التدين إلا بعد أن يصبح راشدا.
بالنسبة لمن يقول أن التربية الدينية للأطفال يجب أن تقتصر على القيم فقط، أقول له أن هذا كلام مردود عليه! أولا لأن القيم مثل الصدق والوفاء والتفاني وغيرها هي قيم كونية لا علاقة لها بالأديان، وربط الاخلاق بالأديان مناورة تم كشفها من زمان. من جهة أخرى، ربط القيم بالتدين ينطوي على مخاطرة كبيرة، لأن الشخص الذي يمتنع عن القيام بفعل ما لأن الدين حرمه، يشكل خطرا على نفسه وعلى المجتمع لأن بإمكانه إتيان ذلك الفعل بمجرد التملص من الدين أو اكتشاف مخرج ديني لورطته! الشخص الذي يمتنع عن ممارسة الجنس مع أخته لأن الدين يمنعه يمكنه أن يعتدي على أخته لو ترك الدين .القول مثلا "إذا ابتليتم فاستتروا" يفتح المجال للقيام بأي شيء في الخفاء(كما يفعل الظلاميون هذه الأيام) ، القول أن الحج يمحي الذنوب ، يفتح الباب أمام أي شخص يملك بضع دراهم للقيام بما يحلو له من "المبيقات"!
الأخطر من كل هذا هو أن الأطفال يرون بأم أعينهم أن البلدان التي لا تتبع الأديان في حياتها اليومية هي البلدان والمجتمعات الأكثر صدقا ووفاء وتفانيا في العمل! معلم يضيع يوميا دقائق من حصصه الدراسية من أجل الصلاة مثال سيء لأطفاله مهما ادعى التقوى والورع!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فرنسا تطالب بوضع خطوط حمراء ضد موسكو


.. أندريه مورتازين: روسيا تحولت إلى قلعة للصمود ضد الولايات الم


.. اتفاق بين الصين والولايات المتحدة على تعزيز التعاون




.. قصة شارع- الأشهر في أمريكا.. شارع بنسيلفانيا


.. أقوى رجل في كازاخستان يحقق رقما قياسيا في تقويم حذوات الخيول