الحوار المتمدن - موبايل


كيف نفهم العلاقة بين العلم والثقافة؟

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 1 / 25
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يعد القرن العشرين، قرن العلم والثورة العلمية بامتياز إذ إن ما شهده من أحداث ومتغيرات عاصفة وتحولات ثورية جذرية في مجمل البيئة الثقافية والاجتماعية للحضارة الراهنة كان بفضل الانتصارات المذهلة للعلم والثقافة العلمية إذ لم تتحقق أبداً منذ عصر الأهرامات تغييرات جذرية بهذه السعة والسرعة والفاعلية. هذا الحضور الطاغي للخطاب العلمي هو ما جعله ينبسط موضوعاً كلياً لعدد واسع من أنساق المعرفة المعاصرة،(الأبستيمولوجيا، وفلسفة العلم، وتاريخ العلم، وسوسيولوجيا العلم ، والانثربولوجيا الثقافية، وعلم نفس العلم ، والعلم المقارن، والميثودولوجيا أي علم المناهج، وأنثوية العلم، وأدب الخيال العلمي ، وفلسفة اللغة والهرمونطيقا ، والسبرناتيك وأخلاقيات العلم ..الخ). وربما كان العلم بمختلف أبعاده وعناصره وعلاقاته ورموزه المعرفية (النظرية والمنهجية( والتقنية (التكنولوجية والاداتية ) والثقافية ( المادية والمعنوية) هو مفتاح سر انتصار الحضارة الحديثة وتحولها إلى ما بات يعرف اليوم ب(حقبة ما بعد الحداثة. فما هو العلم؟ وما هي الثقافة العلمية؟ وما الفرق بين الثقافة العلمية والثقافة غير العلمية؟ وما هي التنمية الثقافية العلمية؟ وكيف يمكن الرهان عليها في مواجهة التحديات الراهنة؟ وما الذي يفسر هذا التأثير الحاسم للعلم في الثقافة الحديثة؟ وكيف يمكن فهم العلاقة التفاعلية بين العلم والثقافة في الحضارة المعاصرة ؟ وما هي مخاطر انفصال العلم عن الثقافة؟
مفهوم العلم Science:
مازال مفهوم العلم في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة محاطاً بكثير من اللبس والغموض والتشويش, وذلك بسبب الخلط المضطرب بين الاستعمالات المختلفة للكلمة.يورد ابن منظور، "علم: من صفات الله عز وجل العليم والعالم والعلام .. والعلم  نقيض الجهل، علم علما، ورجل عالم وعليم من قوم علماء، والعلم بمعنى (الفقه والتفقه)، فالعلم بالشيء هو الفقه فيه. والعلم بمعنى (اليقين)، وهكذا تعددت معاني كلمة (علم) في الثقافة العربية الإسلامية لتشمل حقولا كثيرة ودلالات مختلفة، منها: العلم بمعنى التأويل والإيمان،وقد ألمح ابن خلدون في تصنيفه للعلوم إلى "أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلاً وتعليماً هي على صنفين: العلوم الشرعية النقلية والعلوم العقلية" ورغم ما تضمنه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من إشارات إلى العلوم العقلية؛ مثل (تعليم اللهِ آدمَ الأسماء كلها) وتعليم (سيدنا داؤود استعمال الحديد)، وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في  تأبير النخيل (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؛ إلا أن توبي أ. هف، ذهب إلى "أن بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى بشكل عام كانت ذات طبيعة جعلت طلب العلوم العقلية وعلوم الأولين أمراً يثير الشكوك" وفي عصرنا الراهن مازال الجدل محتدماً بشأن كلمات (العلم والعالِم والعلماء) التي نطلقها على كثير من أنماط المعرفة لا يشملها مفهوم (Science) العلم بالمعنى المتواضع عليه في الابستيمومولوجيا المعاصرة. كتب ريموند وليامز: "قد تبدو كلمة Science علم - الآن - بسيطة جداً، ولكنها خضعت لمسار تاريخي واجتماعي طويل حتى استقر معناها منذ منتصف القرن التاسع عشر حينما صرّح عالم  الكيمياء الإنجليزي هول عام 1840 معربًا عن قلقه بشأن معنى العلم والعلماء، قائلا: "نحن في أمس الحاجة إلى اسم يصف من يدعي العلم Science بشكل عام بما يجعلنا نصفه بالاسم scientist عالِم"، ويضيف وليامز: "بحلول عام 1867 تم العثور على الوصفة الواثقة الواعية المستوعبة لجدة الاستعمال والمعنى الذي منحه إياها الإنجليز بمعنى علم مادي وتجريبي مستبعداً الثيولوجيا والميتافيزيقا" على هذا النحو اكتسب مفهوم العلم مسارًا متعرجًا في تحولات المفهوم وسياقات المعنى؛ ففي بواكير العصر الوسيط "كانت الكلمة scientia)) تطلق على المعرفة النسقية المكتسبة بالدراسة المنتظمة، وقد استخدمها فرنسيس بيكون بمعنى المعرفة التي تضم التاريخ والفلسفة ومبادئ الأخلاق واللاهوت ()، تمييزاً لها عن كلمة (art) التي تعني فن بمعنى مهارة وحرفة. وقد ظلت الكلمة تطلق على حقل الدراسة النظرية النظامية  حتى أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ جرى استبعاد مجالات معرفية أساسية وأصيلة مثل الفلسفة والأدب والتاريخ واللاهوت لينحصر معنى الكلمة على العلوم الطبيعية التجريبية (الفيزياء والكيمياء والأحياء)  وهذا هو ما حفز عالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت إلى محاولة تأسيس علم اجتماع وضعي يستلهم منهج العلوم الطبيعية. وهكذا تم تصنيف العلوم في الابستيمولوجيا المعاصرة إلى: العلوم الطبيعية البحتة بوصفها علوماً حقيقة، والعلوم الإنسانية الاجتماعية وتأتي في المرتبة الثانية في سعيها إلى اكتساب جدارة المعرفة العلمية، والعلم هو نوع من المعرفة، لكن ليس كل معرفة علماً. ويذهب روبرت موتون إلى "أنه إذا كان مصطلح (علم) يعبر عن حقائق مختلفة للغاية، فإن علم اجتماع العلم يهتم بالصيغة التي ترى العلم بوصفه مجموعة قيم ثقافية تؤثر في النشاطات المعرّفة أو (المصنفة) علمية" وفي قاموس أكسفورد المختصر جاء: "العلم هو ذلك الفرع من الدراسة الذي يتعلق بنسق مترابط من الحقائق المبرهنة، بصيغة قوانين عامة، ومسلمات مستخلصة عبر طرق ومناهج موثوق بها، لاكتشاف الحقائق الجديدة في ذات التخصص" في ضوء ما تقدم ولأغراض هذا البحث يمكن تعريف العلم : بمنظومة الأفعال والأقوال التي يمارسها العلماء في بحث ودراسة الظواهر الطبيعية والإنسانية ومحاولة تفسيرها وفهمها والكشف عن حقائقها المحتملة على الدوام، وذلك باستعمال مجموعة من الطرق والأدوات المنهجية التجريبية والاستدلالية العقلانية بالتزام قيم معيارية موضوعية ومجردة قابلة للقياس والنقد والتقييم. وفي ذات السياق يمن لنا تعريف مفهوم العلوم الإنسانية Human Science: إذ أن مصطلح العلوم الإنسانية يتضمن العلوم الاجتماعية "فالكثيرون وعلى رأسهم كلود ليفي شتراوس, يطابقون بين مصطلحي (Human Science وSocial Sciences ) وترى يمنى طريف الخولي أن مصطلح العلوم الإنسانية الذي بدأ يسود في السنوات الأخيرة يبدو أصوب؛ لأن الإنسان هو المحور لهذا النمط من الدراسات. وربما بدأ التمييز بين العلوم الاجتماعية والإنسانية على نحو جاد في السنوات الأخيرة، وهذا هو ما فعله عالم النفس الأمريكي جيروم كيغان في ،الثقافات الثلاث؛ إذ حاول تحديد نطاق كل من العلوم الثلاثة: الطبيعية والاجتماعية والإنسانية في جملة من المحددات والسمات في قائمة بيانية أسماها (مقارنة الثقافات الثلاث من خلال تسعة من النطاقات). إذ حدد العلوم الاجتماعية بـعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأنثربولوجيا وعلوم اللغة وعلم السياسة وعلم الاقتصاد، أما العلوم الإنسانية فهي بحسب زعمه تضم الفلسفة والتاريخ والنقد الأدبي والجمالي والدراسات النسوية وعلم الأخلاق والدراسات الثقافية. تجدر الإشارة إلى أن جيروم صنف العلوم من منظور علاقاتها بالمنهج العلمي؛ إذ "يتفاوت العلماء في درجة اعتمادهم على ثلاثة أنماط من الهياكل العقلية حال وصفهم أو تفسيرهم للظواهر أيًّا كانت: المفاهيم والمعادلات الرياضية، وشبكات التعبير اللغوي، والوصف القائم على تنظيم المدركات الحسية" وتلك هي الأدوات المنهجية التي يستعملها كل من أراد أن يشتغل بأحد العلوم الثلاثة.في الوقع لا توجد حدود قطعية بين أنساق المعرفة العلمية الثلاثة، فجميع العلوم هي إنسانية في آخر ألمطاف بمعنى أنها من إبداع الإنسان ومن أجل سعادته، وربما كان التمييز بينها يأتي لضرورة منهجية. وبالخلاصة يمكن تعريف العلوم الإنسانية بأنها: تلك العلوم التي تهتم  بدراسة الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً وتضم العلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية والاقتصادية، فضلا عن الفلسفة والأنثربولوجيا والتاريخ والسياسة والقيم واللغة والعلم والدين والأدب والثقافة عامة .
مفهوم الثقافة:
نعني بالثقافة لأغراض هذا المقال القوة الإبداعية في التاريخ وهي كل التطور الدائم المستمر في العلم والأدب والفن. بذلك يعد العلم عنصر أساسيًا من عناصرها. بل هو ابنها وربيبها الانضج. كما سوف نلاحظ آنفا. بيد أن مسألة نمو العلم وتقدمه وازدهاره ليست مسألة علمية بل تتعين في تلك المجالات الواقعة خارج العلم حيث يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، وحيث يخلق الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات التي تتشكل في سياقها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين تشكيلاً عميقاً، وهذا هو معنى الثقافة بعدها منظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله كأعضاء في المجتمع، فالثقافة السائدة في حضارة ما بوصفها نموذجاً إرشادياً (باراديم) إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهارها. في ضوء هذا المنظور يمكن تمثيل العلاقة بين العلم والثقافة بعلاقة الابن والأم، فالثقافة هي الرحم الحي لتخصيب وميلاد ونمو العلم، فكيفما كانت صحة الأم يكون الابن سليماً أو سقيماً. وهكذا كانت وما برحت وظيفة الثقافة هي: تحضير ولادة الفيلسوف والمفكر والعالِم والفنان والمؤرخ والفقيه والأديب والناقد والكاتب والخبير والمربي والسياسي وكل ما يتصل بتفتيح وتنمية قوى الإنسان وقدراته ومواهبه العقلية والعاطفية والبدنية. وهذا هو تعريف كلمة (ثقافة) في (المعجم الفرنسي المنشور 1933) إذ جاء فيه "إن كلمة ثقافة تطلق مجازاً على الجهد المبذول في سبيل تحسين العلوم والفنون وتنمية القدرات الفكرية ومواهب العقل والذكاء" وهي بهذا المعنى تتميز بجملة من السمات منها:
1 -التهيؤ: كما هو الحال بالتربية البدنية التي تهتم ليس بتمرين عضو معين من أعضاء الجسم الإنساني بل بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة للنشاط والطاقة والحيوية والحركة والاستدارة بمرونة ورشاقة.والثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي (الذكاء العاطفي) إذ (هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء) والثقافة بهذا المعنى هي تجسيد لمفهوم الهابيتوس عند بيبر بورديو
بوصفها نسقا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الأخرين والحياة و الكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقاً لهذا التصور، يعد «الهابيتوس» جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل لوجود، بالنسبة للفرد والمجتمع.
2- الاستيعاب؛ بمعنى استخدام المعرفة وتجريبها ذاتيا؛ لأن المرء لا يستطيع أن يتصرف بمعرفة ما إلا عندما يستوعبها ويجسدها في لغته وذهنه وخبراته وتجاربه الاجتماعية. فكل معرفة غير مستوعبة من الفاعلين الاجتماعيين تظل بالنسبة لهم خارجية وغريبة ومستبعدة من حياتهم. فالمعرفة لا تتحول إلى ثقافة إلا إذ توطنت في البنية الثقافية للمجتمع المتعين وصارت نسقًا أصيلًا في تفكيرهم وسلوكهم.
3- الشمول؛ بمعنى القدرة على الربط العميق بين المعارف المستوعبة والموضوعات والقضايا التي تبدو متباعدة، والنظر إليها برؤية كلية قادرة على الجمع بين أجزاءها في نسق فكري ثقافي منطقي واضح ومقنع.
4- الحكم؛ بمعنى القدرة على التجرد والتجريد الذي يعني في العلم (الحلم) وفي الفن (الذوق) وفي الأخلاق (الضمير) وفي الحياة (الفهم) ذلك هو هدف وغاية كل تعليم وتعلم، فإذا كان التعليم يعلم المعرفة فإن التعلم يعلم الفهم وبدون أن يفهم الناس المعرفة التي يدعون امتلاكها تظل معرفتهم بلا قيمة ولا جدوى. والعلم هو أن تعرف كل شيء عن شيء محدد ومتخصص في علم من العلوم بينما الثقافة هي أن تفهم شيء عن كل شيء تعرفه وهذا هو كل ما يمكن انتظاره من الثقافة، وبدون هذا الـ(كل) لا وجود لشيء جدير بالقيمة والاعتبار. لاشك بأن هناك علاقة عضوية بين العلم والثقافة، فالهدف الأساسي من التعليم والتربية هو خلق الإنسان السوي الحر القادر على مواجهة مشكلات مجتمعه وعصره بروح ايجابية وسعة أفق عقلانية مرنة وخلاقة تمنحه القدرة اللازمة على التعاطي الفعال مع واقعه وهويته وتاريخ مجتمعه وقيمه و تراثه في سياق حاضره و تحدياته المتغيرة باستمرار بما يجعله قادر على بناء مركب ثقافي علمي انساني عقلاني جديد يمزج بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر واستشراف المستقبل. وبذلك تكون الثقافة في جوهرها الإنساني التاريخي الابداعي بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وهي فضلا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس التونسي يواصل زيارته الرسمية إلى القاهرة | #النافذة_ا


.. الولايات المتحدة .. موازنة ببعد اجتماعي


.. إيران.. حادث جديد بمنشأة نطنز النووية والسلطات تبدأ بالتحقيق




.. صباح العربية | مدارس الكويت بين التروي والعودة مع وسم التعلي


.. صباح العربية الحلقة الكاملة | نصائح وارشادات لصيام مرضى السك