الحوار المتمدن - موبايل


صناديق الاستغلال ( الدين ، الاستبداد ، القبلية ) وإمكانية الخروج (٢)

وليد المسعودي

2020 / 2 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


صناديق الاستغلال

( الدين ، الاستبداد ، القبلية )

وإمكانية الخروج (٢)



صندوق المصلحة أو الاستبداد

أن صندوق المصلحة مرتبط أشد الارتباط بالسياسة وسلوك الدولة وتعاملها مع المواطنين من جهة ومرتبط أيضا بسياسة الدول الكبرى وتأثيرها وتعاملها مع الدول الصغيرة أو المتخلفة ، وهذا الصندوق ايضا من اخطر الصناديق توحشا وبربرية على المواطنين الذين يعيشون داخل الصندوق حيث مزدوجة القسوة ، قسوة الاهل والغرباء ، قسوة البلاد والبلدان الاخرى ، ودائما ما تظهر هذه المزدوجة من القسوة في البلدان ذات الثقافة والأنظمة الشمولية
الجامدة . (١)

وهكذا يكون الاختناق داخل صندوق المصلحة أو الاستبداد بسبب سياسة الدولة القائمة على الاستغلال ، ولا توجد دولة عربية لا تعاني من هيمنة هذا الصندوق بشكل أو بآخر ، وقد تتفاوت احجام الصناديق بين الدول بين المادي والمعنوي أو سواهما لدى البعض أو الكثير منها ، وآفة الاستبداد تشل وتمنع اي قدرة للتفكير خارج الصندوق ، وكثيرا ما ينفتح هذا الصندوق اي صندوق المصلحة أو الاستبداد على صندوق الدين ليشكلا توأما واحدا قادرا على خنق المجتمع أكثر فأكثر ، وذلك بالفعل يحصل لدى بعض الدول التي تجمع الدين والدولة معا .

أن أثر الدول الكبرى على الدولة الصغرى يظهر من خلال التدخل في صناعة سياستها من حيث الاستمرار أو البقاء لاشكال الدولة وهنا تظهر غاية المصلحة جلية في الاستنزافالمادي للثروات ، الدول النفطية مثالا ناصعا على قدرة التحكم والحماية والاحتلال بشكل مباشر أو غير مباشر دون الاهتمام بتطلعات الشعوب وخضوعها تحت نير وظلم حكام جهلة قساة إلى حد بعيد .

وتدخل الدول ذاك لا يعتمد على الولايات المتحدة أو روسيا والصين بل يصل الأمر إلى دول من مثل إيران وتركيا وغيرها من الدول التي تبحث عن منافذ ثروة او مصلحة في البلدان الفقيرة المتخلفة .




صندوق القبلية

عندما تضعف الدولة يدخل المواطن في صندوق اصغر منها وهو صندوق القبلية ، وذلك لضمان البقاء والحماية من اي اعتداء من الممكن أن يحدث عليه ، وصندوق القبلية يشكل عودة متتالية وحاجة سباسية دائما ما تعتاش عليها الانظمة ، وخصوصا أنظمة الاستبداد التي عجزت عن بناء دولة المواطنة الحديثة .

ودائما وخلال وفي الأزمات تحتاج الدولة إلى القبيلة لحل مشاكلها مع اي ثورة أو معارضة اجتماعية تواجهها ، ولا يوجد بلد عربي ضمن حدود النسبي الاكثري غير محكوم بالقبلية والعائلية ، وفي بعض البلدان تشكل القبيلة محورها الوجودي والثقافي واطارها العام او تشكل دولة صغيرة داخل الدولة الأم الكبيرة ، وبالتالي هناك الاختباء داخل الصندوق الاصغر فهما للعالم وسلوكا ومحاربة لكل ما مختلف عنه .

ومن أخطر سمات صندوق القبلية انه يرفض اي اشكال للحداثة والتحديث تتضمن حماية حقوق المرأة والرجل في التفكير والمعرفة والسلوك ، وهكذا يزداد الخناق خصوصا بعد هيمنة القبلية على المدن والغت كل دور لها في التغيير والاختلاف وتعدد الصور والممكنات ، وذلك الخناق يزداد أكثر فأكثر في الاتحاد مع الصناديق الاخرىالمذكورة سابقا وهي الدين والاستبداد ، حيث داخل هذه الصناديق الثلاثة تموت التطلعات الفردية والإنسانية المختلفة عن سياقات تشكلها المعرفي السلوكي اليومي . (٢)







لماذا لا نخرج من الصندوق




أن عملية الخروج من الصندوق لا تعني سوى بناء وتكوين صندوق جديد أكثر اختلافا عن الصندوق القديم وقد لا يختلف عنه كثيرا ، ولكنه أكثر تهوية وراحة للبشر أنفسهم من خلاله يستطيعون التحدث بحرية دونما خوف من الرقيب أو الحسيب الكامن سواء في أنفسنا أو خارجها من قبل السلطة المتعددة الجذور أو الصناديق في الدين والاستبداد والقبلية . (٣)

وعملية الخروج المعقدة يعيقها مجموعة عوامل وهي : _

١_ عامل الإفقار
٢ _ عامل النمطية
٣_ عامل التبعية
٤ _ عامل الخوف من المستقبل

هذه ابرز العوامل التي من الممكن أن تشكل سببا كبيرا في عدم خروجنا من الصندوق المزدوج ذو الثلاثة رؤوس ( دين + استبداد + قبلية )

فعامل الإفقار مرتبط بتفريغ الارواح والعقول والاجساد من حقوقها في الأمن والغذاء والصحة والمعرفة والارتقاء وتكوين الذات بشكل مستقل ، وجميع هذه الصناديق التي تحكمنا في توحدها من الممكن ان تمارس هذا الإفقار ، وبالتالي تقودنا الى عامل آخر مرتبط بالنمطية او القالبية ( من قالب ) أي تكوين القوالب الجاهزة من البشر والوجوه المستنسخة في كل مكان اي لا توجد هنالك الامكانية في الفرادة او الإختلاف في الفكر والراي والمعرفة والسلوك وأن وجدت فهي في خانة المنبوذ والمرفوض اجتماعيا ووجوديا .

وتكوين القوالب الجاهزة والنمطية يخدم الصناديق الثلاثة التي ذكرناها سابقا وذلك لأنها تخاف من الاهتزاز من النقد والتعرية والكشف عن اخطائها ، وبالتالي التشبث بالصندوق القديم .

ولا يكتمل العاملان اعلاه اي الإفقار والنمطية إلا بتكوين ( الاتباع ) أو ( الارقام البشرية ) وهؤلاء دائما ما يكونوا من الحراس التابعين الذين لا يملكون من الدنيا شيئا سوى التبعية ، والشخصية التابعة من مميزاتها أن تفكر ولكن بعقل صاحبها وقائدها ومتبوعها وما أكثر الاتباع المدافعين عن الصناديق المغلقة جدا سواء في الدين أو المصلحة والاستبداد أو القبلية .





لماذا لا نخرج أو نفكر خارج الصندوق



وخارج إطار الاتباع هناك ايضا المحايدون الذين يعيشون وفقا لعوامل النمطية والافتقار ، ولكن بسبب الخوف من المستقبل لا يستطيعون الخروج من الصندوق ، والخوف من المستقبل حجة يستخدمها الجميع وهنا اقصد بجميع المحافظين على المكتسبات والامتيازات سواء داخل الصندوق من هم في القاع الاكثر اختناقا او من تقع عليهم المسؤولية في حراسة فتحات التهوية من السلطة ورموزها وانصارها واتباعها ، والخوف من المستقبل بشكل خوفا من التغيير ، تغيير الصندوق وهدمه .

ولا توجد سلطة لا تخاف من المستقبل وتتحسب له وتعد البرامج والخطط الدفاعية والهجومية لمنع ذلك الهدم ، وهذا الأمر في حد ذاته أمر طبيعي جزء من تكوين البشر أنفسهم في انتاج الصناديق وهدمها نحو الأفضل والافضل بشكل دائم ومستمر .

هل نستطيع الخروج من الصندوق وكيف

هذا السؤال مرتبط بطبيعة العمل والتطبيق والتحدي والمغامرة والجرأة في تكوين الثورات والضربات لجميع معاقل الأبواب الحديدية لسلطة اي صندوق مغلق وخانق إلى حد بعيد ، وبما أننا نعاني من اتحاد ثلاثة صناديق خانقة جدا ( الدين والاستبداد والقبلية ) فهل يا ترى نستطيع الخروج من الصندوق وكيف ؟

وهنا يأتي الجواب بنعم نستطيع الخروج من خلال وضع الاسس لبناء صندوق جديد او بناء نموذج جديد مختلف عن النموذج القديم ، وذلك لا يتم إلا بتنظيم الناس انفسهم في حركات وجمعيات وأحزاب سياسية وثقافية ومعرفية مدنية رافضة لقيم ومعايير وسلوك الصندوق القديم ، ومن هنا تبدأ المعركة ، نعم أقول معركة قد تكون طويلة او قصيرة ، قد تكون فيها الخسائر مادية أو معنوية ولكن في النهاية هناك المهم في بناء صندوق مختلف أكثر تهوية من الصناديق الخانقة المذكورة سلفا ( دين + استبداد + قبلية )




إن تنظيم الناس انفسهم من شأنه ان يجعلهم قوة يهاب منها ويحسب لها الف حساب ، ومن المؤكد هناك الرفض والمتابعة والإقصاء والعقاب ، وذلك يحدث بالطبع وما نشهده اليوم داخل الصندوق العراقي لا يشير إلا إلى صراع بين أنصار الصندوق القديم وانصار الصندوق الجديد ممن يرغبون بحياة أكثر راحة وامانا وحرية ، ممن يرغبون بالتحرر من السلط الثلاث المزعجة والخانقة تاريخيا .



والصندوق العراقي في صورته اليوم أكثر مأساوية بسبب تعدد هذه السلط وامتزاجها مع بعض ( دين + استبداد + قبلية ) الأمر الذي يضيق الخناق أكثر فأكثر على جميع الراغبين بالتحرر ، وقد يخسر الثوار المعركة اليوم بسبب انعدام التنظيم وقوة الدعم الدولي الخارجي للصندوق القديم ومن عدة منافذ واتجاهات ، ولكن العبرة ستكون حاضرة للاستفادة من الأخطاء في قادم الايام خصوصا مع الشرخ الاجتماعي الكبير الذي احدثته ثورة تشرين الشبابية في قيم ومعايير الصندوق القديم ( دين + استبداد + قبلية )



صندوق العلمانية




ان البديل الحقيقي عن الصندوق القديم هو صندوق العلمانية ، فمن خلال العلمانية يزدهر الدين ويتحول الى مؤسسة طقسية محترمة من الجميع وقادرة على التطور ومحاورة الماضي والوقوف على علله ومشاكله وتوقفه الزمني عن التطور وارتباطه العضوي بالاستبداد ، حيث من الممكن أن يتشكل لدينا عناصر الالتقاء والمعايشة داخل المجتمع المختلف مع بعضه تحت حماية الصندوق الإنساني العلماني وبالتالي غياب الانطواء والقطيعة مع الجيران والاهل والابناء لانهم في صورة مختلفة مع صندوقي المغلق على سبيل المثال


وهكذا يشكل صندوق العلمانية



١_ حاجة بشرية للتحرر من عقد الاستبداد التي تمنع الحريات حرية السلوك والعقيدة والتعبير الحر عن الرأي والفكر
٢_ حاجة بشرية للتخلص من المطلق القيمي في صورة قادة ورموز وافكار شمولية مطلقة
٣_ تمشية حال البشر ضمن سياقات غير ثابتة ومخدرة اجتماعيا وثقافيا اي توفر امكانية التحول الفكري والثقافي والسياسي بشكل سلمي ضمن حدود النسبي وليس المطلق
٤ _ واخيرا انعدام الصراع على امتلاك الحقيقة ، فالاخيرة ليست مقدسة بل هي بشرية متغيرة قابلة للخطا والصواب



١ _ في العراق نعاني هذه المزدوجة من القسوة بل أكثر من ذلك حيث تعدد اللاعب السياسي المستغل من سياسيو الداخل من الأحزاب الفاسدة الى دول مثل امريكا وإيران وتركيا والسعودية وغيرها أكثر من لاعب يوزع القسوة على البلاد والعباد .

٢_ ان مشاهداتنا اليومية في بغداد ونحن نرى كيف ينظر القبلي المتدين المستبد الى النساء المتحررات السافرات تشي بالخجل والفشل في تراجع المدينة العراقية حيث كثرة عدم الاحترام والتحرش والقذف اللغوي بالشتائم والعبارات الخارجة عن اي محتوى اخلاقي وانساني بل ديني حتى ، وذلك أن دل على شيء فانه يدل على عمق الهوه والخراب الروحي الذي تعيشه المدينة العراقية .

٣_ ان الحرية لا يمكن أن يشعر فيها الإنسان الفقير المسلوب منه ابسط مكونات الحياة الوجودية ، وحتى إن وجدت اي الحرية في مجتمع رأسمالي يصنع الفوارق الكثيرة بين الطبقات حينها تغدو الحرية مقيدة لأنها لا تستطيع تغيير الصندوق الذي يحبسها رأس المال في مكان وجودي ضيق وفاقد للكرامة والحياة الانسانية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تركيا تطلب من الإخوان إيقاف نشاطاتهم ضد مصر قبل زيارة رسمية


.. تركيا تطلب من الإخوان إيقاف نشاطاتهم ضد مصر قبل زيارة رسمية


.. يسوع .. ابن الله !! / قناة الانسان / حلقة 91




.. الشريعة والحياة - محمد ولد الددو: مقومات علماء الدين في الإس


.. قناة الانسان