الحوار المتمدن - موبايل


فلسفة التقدم ولادة الفكرة وسياقات المعنى

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 2 / 28
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أفضت التحولات التاريخية التي شهدتها أوروبا منذ بدء عصر النهضة، إلى تبلور مفهوم جديد لمعنى التاريخ وحركته وتطوره، هو مفهوم التقدم الإنساني الذي لا حدود له ويرى (تشارلز ريد) "انه ليس هناك فكرة اخطر من فكرة التقدم مارست تأثيراً كبيرا في الثقافة الحديثة أو من المرجح إن تمارس تأثيراً اكبر منها في المستقبل"1.ونحن هنا سوف نسلط الضوء للكشف عن البدايات الأولى لنشؤ فلسفة التقدم وتبلورها في القرن الثامن عشر؛ فكيف ظهرت فكرة التقدم ومن أول القائلين بها، وكيف جرت صياغتها وما هي دلآلاتها وما هي نتائجها؟في الواقع لم تنشأ فلسفة التقدم في الفراغ، بل نشأت في السياق التاريخي الحي لحركة المجتمع وتطوره، على الصعد الحضارية، والثقافية والمدنية كافة، وبهذا المعنى نفهم قول صاحب كتاب "فكرة التقدم" "انه ما كان لنظرية التقدم الإنساني أن تتوطد بالحجج المجردة، بل كان يحكم عليها من خلال الدليل الذي يقدمه التاريخ نفسه"2. أن الحاجة إلى رؤية فلسفية جديدة كانت تستمد مقوماتها وحوافزها مما كان يجري في العملية التاريخية في الحاضر الأوروبي من متغييرات وأحداث تقدمية وبما كان يبشر بها المستقبل هناك من آفاق ابعد غوراً أو أكثر تقدماً، وكانت قوى البرجوازية الصاعدة، ترى في التقدم مسيرتها وترسم عليه مستقبلها، إذ أخذت فكرة التقدم تنتشر وتشيع في نسيج الثقافة الأوروبية عقيدة عامة وفلسفة شاملة في ذلك العصر، وهذا ما يراه احمد محمود صبحي بقوله: "إن نظرية التقدم لم تكن مجرد أراء يرددها مفكرون وإنما كانت اقتناعاً عاما لدى أهل ذلك العصر"3 وإذا كانت فلسفة التقدم قد انطلقت من تأكيد قيمة الإنسان وقدرته على صناعة التاريخ، فأنها في بدء الأمر قد اكتسبت بعدين أساسين:- البعد الأول يتمثل في نقد كل ما يحول دون انطلاقة الإنسان ويكبل قواه وهذا ما شهده القرن السابع عشر، الذي يعد قرن تحطيم الأوثان، إذ كان ملتون في ملحمة "الفردوس المفقود" يهاجم بلا هوادة المؤسسات التقليدية، ويرى "أن أعظم عبء في العالم هو الخرافة، ليست المتعلقة بالطقوس الكنسية وحدها، بل بالآثام المتخلية وبفزاعات الإثم في البيت أيضا" 4 وفي كتابه "الاوياثان" 1651 سار هوبز بهذه النزعة النقدية ضد الخرافات والأوثان إلى نهايتها المنطقية فالوثنية كما يقول هوبز عبارة عن عبادة الوثنيين لأفكارهم ذاتها، ولم تكن تلك العبادة ممكنة لولا أن الوثنيين الغارقين في ضلال الجهل لم يدركوا أن أفكارهم ليست مكتفية بذاتها، بل سببتها الأشياء الخارجية وتوسطتها ملكة التمثيل"5. لقد كانت الثورة النقدية الحاسمة ضد الخرافات والأفكار المطلقة قد اكتملت عند جون لوك وهيوم، وانتقلت إلى فرنسا إذ تلقفها الفلاسفة الماديون أمثال كوندياك وهلفسيوس ودولباخ، الذين ارجعوا كل أفكار الناس إلى الخبرة الحسية المادية، وفي كتابه "رسالة في الإحساسات عام 1754" يذهب كوندياك إلى أن أفكارنا تنتجها دائما قوى مادية لا وجود لـ عقل أو روح مستقل عن الحواس والخبرة الحسية(6.أن إعادة المكانة للإنسان الكائن الحاس وتأكيد أهمية العالم الحسي ونقد أفكار العرق المورثة وتحطيم الخرافات، كان له بالغ الأثر في صعيد تبلور فكرة التقدم التي وجدت أول صياغة لها على يد المفكر الفرنسي الديكارتي (فونتيل) في كراسه "محاورات الاموت عام 1683" الذي أكد فيه قدرة الإنسان الخلاقة على الحلم والتقدم والكمال، "فلا حدود لتقدم المعرفة الإنسانية والإنسان لن يشيخ بل يتجاوز نفسه باستمرار وفي كتابيه "استطراد حول القدماء والمحدثين وحول تعدد العوالم 1686 ذهب فونتيل إلى إن الإعجاب المفرط بالقدماء هو احد العوائق الرئيسة للتقدم الإنساني الذي يصعب إيقافه أبدا"(7. وإذا كانت فلسفة التقدم قد انطلقت من نقد الماضي ونقد تقديس القدماء وتحطيم الأصنام، فأنما أرادت تمهيد السبيل لتصور جديد للتاريخ يقوم على أساس من تأكيد الحاضر واستشراف المستقبل، بل إن نقد الماضي وتقاليده الذي ساد في عصر التنوير كان شرطاً ضرورياً لتسويغ الحاضر وقيمة المعرفية والحضارية والمدنية. وكان المنور الفرنسي فولتير (1694-1778م) بين اشد المثابرين في هذا المشروع، وكان شعاره (اسحقوا الأباطيل) صيحة الحرب ضد المؤسسة التقليدية. ويعد فولتير أول من استخدم كلمة "فلسفة التاريخ" بالمعنى الحديث للكلمة، من حيث هي فرع جديد من فروع المعرفة الإنسانية، تدرس التاريخ دراسة عقلية ناقدة، ترفض الخرافات والأوهام والأساطير والمبالغات.وتعود أهمية فولتير هنا لما كان يمثله في عصر التنوير من قيمة نقدية مهمة، ففي شخصيته وأدبه الجاد والساخر وفي منهجه النقدي العنيف، وأسلوبه اللاذع وقوة أفكاره كان خير من عبر بعمق عن مزاج عصر التنوير وأتجاهاته التقدمية8 ، وكان شديد التفاؤل في قدرة الإنسان وعقله في التقدم، إذ يقول: "يمكننا إن نعتقد إن العقل والصناعة سوف يتقدمان دائما أكثر فأكثر وان الفنون المفيدة ستتحسن، وان المفاسد التي حلت بالإنسان سوف تختفي بالتدرج(9 ويرى فولتير أن الإنسان يتقدم من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية بفضل ما يمتلكه من عقل طبيعي وان الإنسان خير بطبعه هناك أمل في ارتقائه وبلوغه حد الكمال في حالة المدنية المنظمة تنظيماً عقلياً(10.وكان من أشد المنتقدين للتعصب والانغلاق العقائدي أما الفيلسوف الأخر الذي أجاد التعبير عن عقيدة التقدم الحديثة فهو كوندورسيه (1743-1794م) الذي عاش عهد الثورة الفرنسية عام 1789م هذه الثورة التي نادى لسان الكون في العالم من خلالها، لابـ "الخمول والانقباض" بل بالتحرر والتقدم والكمال، إذ ينزوي هذا الفيلسوف في فندق صغير خارج باريس هرباً من بطش الطاغية روبسبير، ليكتب "معالم صورة تاريخية لمظاهر التقدم في الفكر البشري" مشيراً إلى انه "ليس هناك حدود مرسومة لتقدم الملكات الإنسانية لأنه لا حد على الإطلاق لقبول الإنسان للكمال... وأن مسيرة الإنسان نحو الكمال لن تعرف حداً ولا نهاية... وسيأتي زمن لن تشرق فيه الشمس إلا على الأمم الحرة وحدها, الأمم التي لا تعترف بسيد أخر غير عقلها، ولن يجد الطغاة ولا العبيد ولا الكهنة وأتباعهم الأغبياء المنافقون أي مكان لهم، اللهم إلا على صفحات التاريخ وخشبة المسرح11.
بهذه النبرة الواثقة والشجاعة كتب كوندوسيه كتابه الذي يدعو إلى تحرير الإنسانية من قيود الظلم والطغيان وكان شديد التفاؤل بالمستقبل والتقدم نحو الكمال.أن هذا التصور للتقدم غير المحدود اخذ يشق طريقه في الدوائر الثقافية الأوروبية الفرنسية والألمانية والإنجليزية إذ نجد أن معظم مفكري ذلك العصر، قد أنطلقوا منه في إنشاء نظرياتهم المختلفة في الشأن الإنساني أمثال شارل مونتسيكو (1689-1755م) في كتابه "روح القوانين" عام 1748 وروبير جاك تيرجوه (1727-1771) في مقالات في (التاريخ العام), حيث أكد هذا الأخير إن التاريخ العالمي بكونه تقدماً للجنس البشري لم يوجهه العقل الإنساني، بل كان مدفوعاً بحاجات الناس وغرائزهم وطموحاتهم، ولو ساد العقل، لتوقف التقدم، والحرب والتنافس والعواطف الخطرة والمغامرة الجسورة هي أقوى الدوافع للتقدم، والإنسان يتقدم بارتكاب الأخطاء والمجازفة نحو المجهول، وقد كان تيرجوه أول من قال بقانون المراحل الثلاث اللاهوتية والفلسفية والعلمية قبل اوجست كونت(12.وفي ألمانيا عبر عن هذه الفلسفة كثير من الفلاسفة، أمثال لسنج (1729-1781) في كتابه (تربية الجنس البشري عام 1780) وهيردر (1744-1803) في كتابه (نحو فلسفة لتاريخ الإنسان) عام 1791م) وفي بريطانيا كان المؤرخ ادوارد جيبون (1737-1794) في كتابه (انحطاط الإمبراطورية الرومانية وسقوطها عام 1776)، يذهب إلى القول "بينما سقطت الإمبراطوريات القديمة مثل اليونان وروما وأشور في الظلام، فان الحضارات الحديثة مثل بريطانيا كانت تحظى بمستوى من التقدم المادي "نظام فنون وقوانين وأخلاق، يجعل الانحدار إلى البربرية امراً مستحيلاً13. هكذا حلت الثقة بالإنسان وعقله وقدراته الحسية محل المشيئة الإلهية، واخذ الفلاسفة ينظرون إلى التاريخ وكأنما هو حصيلة نشاط الإنسان وخبراته يسير في حركة تقدمية خطية صوب الكمال والسعادة الدنيوية، هذه النظرة التقدمية للتاريخ والحضارة سرعان ما ألقت بمراسيها على شاطئ الأطلنطي في القرن الثامن عشر لتجد أرضا خصبة في القارة الجديدة، الولايات المتحدة الأمريكية، أذ كان الايمان الأمريكي بالتقدم يستند الى تراث غني التفكير بألفية سعيدة انطلاقاً من الماضي الكالفيني للأمة، هذا من جهة ومن جهة أخرى يستند الى المسلمة النيونتنية التي تقول أن القوانين الطبيعة ثابتة ويمكن اكتشافها بالعلم التجريبي وبالعقل السليم، ولما كان الإنسان كائناً طبيعياً في الأساس فان الطبيعة الإنسانية ثابتة ويمكن اكتشاف قوانينها مرة واحدة والى الأبد14. وقد كان لـ تحقيق الاستقلال الامريكي عام 1783 والنجاح في إقامة حكومة جديدة الأثر الكبير في تحويل المفهوم العقلي من التقدم إلى عقيدة واقعية في الوسط الثقافي الأمريكي اذ كتب "توم بين" "نحن الأمريكيين، نملك القوة والقدرة على أن نبدأ العالم من جديد، وأن العالم لم يشهد موقفاً مماثلاً منذ أيام نوح حتى الان، ونحن نقف على عتبة ميلاد عالم جديد"15 وكان "توماس جيفرسون" يطلق على أمريكا اسم "إمبراطورية الحرية" إذ كتب يقول "إن قدرنا أن نكون حائلاً دون عودة الجهل والبربرية وإن أوروبا القديمة سوف تعتمد علينا ونحملها على كاهلنا وتعرج بجانبنا تحت وطأة شباك القساوسة والملوك، ترى ماذا سنكون عندما تصبح القارة الجنوبية تحت سيطرتنا وما هو الموقف الذي سنكلفه كقوة حليفة للعقل والتقدم وسند للحرية في العالم"16 وفي عام 1858 كتبت مجلة "هاربرز منثلى" "إن كل ما له علاقة بوضعنا وتاريخنا وتقدمنا، يعين الولايات المتحدة أرضا للمستقبل" ويكتب ( هنري بلوسل) أن أمريكا تمثل اعلى مرحلة في الحضارة والتقدم والتجديد, ويرى آرثر هيرمان إن فكرة التقدم الأمريكية كانت تنطوي بداهه على نظرية علمانية للتاريخ، مناقضة للنظرة المسيحية"17. وإذا كانت فكرة التقدم قد ظللت بأفقها العام الفضاء الثقافي الاور أمريكي في القرن الثامن عشر، فربما يعود ذلك إلى كونها تمثل حينذاك الشكل المدرك الذي اتخذته مشاعر ودوافع وحاجات الطبقة البرجوازية الفتية التي كانت تعيش أوج فتوتها وشبابها، وقد كانت فكرة التقدم بما احتوت في ذاتها من قوة ديناميكية لتحريك الأفراد والأمم ودفعهم في اتجاه أنجاز الغايات والأهداف التاريخية التقدمية، كانت خير من يعبر ويسوغ ذلك الزخم من المتغيرات والإحداث التي كانت تضطرب في الحياة الواقعية للناس غير انه من الخطأ الظن بان هذه النظرة التقدمية للتاريخ كانت هي النظرة الوحيدة التي تشمل المشهد الكلي للقرن الثامن عشر، بل على الضد من ذلك، يمكن القول إن ذلك القرن قد شهد تبلور نظرة مختلفة للتاريخ هي النظرة الرومانسية إذ وعلى الضد من النظرة التي كانت ترى الطبيعية البشرية محكومة بقوانين ميكانيكية ثابتة، ومادية تجريبية صارمة، أخذت تبرز نظرة جديدة للطبيعية والإنسان والتقدم والزمان والتاريخ، تستند الى فكرة النمو العضوي والطبيعة الحية النامية، إذ حلت التوليدية والتاريخية محل الطريقة التحليلية الميكانيكية الالية في الشؤون الإنسانية، وبعد أن كانت الرياضيات النموذج الحق للعلم، أصبح "التاريخ هو أخر محكمة التمييز" حسب شيللر18 إذاّك تغدو الحياة والطبيعية الحية بكل قوتها وحيويتها لا العقل المجرد هو المقياس، هكذا كان المفهوم الرومانسي الذي يرى النمو والتوسع والتبدل والتطور والارتقاء هي الأمور الأساس في الخبرة البشرية ومن ثم في الكون بأسره، هو الذي منح مفهوم التقدم زخمه الجديد، وأتاح المجال واسعاً لازدهار فلسفات التاريخ الكلية الهيجلية والماركسية والحيوية العضوية19.أذاك يبدأ الصدع الفكري في المعرفة التاريخية الحديثة ففي حين ترسخت فكرة التقدم والتطور المنطلقة من العقل الهندسي الديكارتي (المجرد) والميكانيكي النيوتوني الآلي، يظهر هناك من يرفض التقدم العقلي، ويرفض العقل برمته ويشكك بفكرة التقدم الآلي، ويعبر عن فكرة الاضمحلال والتدهور الحضاري. وهذا هو ما فعله الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو) (1712-1778م) المنحدر من أسرة فقيرة، الذي ذاق مرارة الفقر والجوع والحرمان، وهو أول ناقد كبير للحداثة الأوروبية .20 ففي كتبه "اصل التفاوت بين الناس عام "1755 و"العقد الاجتماعي عام 1762" و "المتوحش النبيل" هاجم روسو جميع الجوانب التقدمية للقرن الذي كان يعيش فيه واخضع كل شي امتدحه أسلافه إلى النقد والتحليل, وخلاصة ما قال: "إن التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي التجاري ونظم الحكم الحديثة لم تحسن أخلاق البشر، بل جعلتهم أسوأ مما كانوا عليه، وأن الترف والجشع والغرور وحب الذات والحرص على المصلحة الشخصية" 22كلها . إفرازات رديئة للحضارة الحديثة، ويرى توينبي إن "أول جملة من "العقد الاجتماعي لـ روسو تقول "يولد الإنسان حراً" ولكنه "مكبل بالقيود في كل مكان"23 ) القيود الذي فرضها المجتمع الحديثة بمؤسساته العقلية العلمية التقدمية". وإذا كان المفكرون ابتداء من هوبز فصاعداً حكموا على المؤسسات والممارسات الاجتماعية القائمة بمعيار العقل... ففي حركة التفاف جذري اخضع روسو العقل نفسه للنوع ذاته من النقد الذي قام به الفلاسفة باسم العقل، وكان ما اكتشفه روسو إن العقل في الحقيقة وبالكامل ليس شيئاً طبيعياً، فالعقل عنده هو الملكة التي أغوت الإنسان بالتخلي عن حالة الطبيعة ليصير متمدناً وهي صفة مريبة بكل تأكيد يقول روسو: "أكاد أجرؤ على تأكيد أن حالة التفكير هي حالة مضادة للطبيعة وان الإنسان الذي يتأمل هو حيوان فاسد... العقل هو الذي يولد الأنانية ويقوي التفكير تلك الأنانية فالعقل هو الذي يجعل الإنسان مستغرقاً في ذاته بعيداً عن الآخرين والعقل هو الذي يقطع الصلة بكل ما يضايقه ويحزنه"(23 هكذا يرفض روسو النهج الديكارتي الهندسي الذي يعامل الذهن والعقل وكأنه شي وجوهر حقيقي، ويرى انه بواسطة دراسة الإنسان جعلنا أنفسنا غير قادرين على معرفته، وبديلاً عن معيار العقل المصطنع يقترح روسو معياراً جديداً لتقييم التقدم هو "الحالة الطبيعية الفطرية"24.
وكان الحنين إلى الحالة الطبيعية الفطرية في كتاب "المتوحش النبيل" تأنيباً موجهاً ضد فكرة التقدم العقلي, كل التقدم كان خطوات كثيرة في مظهرها نحو تحسين الفرد ولكنه خطوات عدة نحو ضعف الجنس البشري... والملكية الخاصة هي أساس كل إشكال انعدام المساواة، وهي أكثر المؤسسات جيمعاً مجافاة للطبيعية، وتقدم المجتمع المدني لم يحقق المساواة والعدل ولا الحرية لقد دمر الحرية الطبيعية بغير رجعة وأرسى قانون الملكية واللامساواة على طوال الزمان... واخضع الجنس البشري للعمل والعبودية والتعاسة، وينتهي روسو في احدى مقالاته بهذا التضرع الساخر "يا الهي: خلصنا من التنوير وردنا إلى الجهل والبراءة والفقر"25. وربما تعود تشاؤمية روسو إلى وضعه الشخصي وما كان يحس به من فقر وحرمان، إن في نقده نزوعاً يوتوبياً ينطلق من نقد لما هو كائن وتصور ما ينبغي إن يكون، وما يميز روسو وأقرانه من الفلاسفة الرومانسيين الذين مدحوا ما هو قائم أو في طريقة إلى الولادة، هو كونهم قد فضحوا بلا هوادة الوجه البشع الذي يختفي خلف القشرة الذهبية للحضارة الرأسمالية الغربية الحديثة.حلم روسو باسم الطبيعية الإنسانية الفطرية بالتاريخ الخالي من أشكال التنافس والتدافع والقتال، تاريخ البراءة والفطرة البشرية الصافية التي سبق إن حلم به أفلاطون في (أسطورة الكهف) والغزالي في المنقذ من الضلال، وابن طفيل في "حي بن يقظان"، وهذا ما عبر عنه بوضوح في كتابه "أميل" أو "المتوحش النبيل" وهو كتاب في التربية وتربيته سلبية قوامها "أن لا نعلم الطفل مبادئ الفضيلة والحقيقة بالتقليد والتلقين، بل إن نحفظ قلبه من الرذيلة وعقله من الزلل، لان تعليم الفضيلة يكبت النبع الصافي للفطرة الطبيعية، والتربية السليمة تنبع من النمو الحر لطبيعة الطفل الخاصة وقواه الذاتية, العادة الوحيدة التي يجب أن يتاح للطفل اكتسابها هي إلا يقتبس أية عادة على الإطلاق262. هكذا حلم روسو بالعودة إلى الفردوس المفقود، وقد وجد هذا النزوع الحميم في العودة إلى الطبيعة والحياة الريفية هوى في نفوس الرومانسيين الذين ثاروا على العواقب الاجتماعية والجمالية للرأسمالية الصناعية الناشئة، ودعوا إلى العودة إلى ما تخيلوا أنها الطرق التي كانت "أكثر طبيعية" للعيش والتفكير وفي مقدمة (ويليام وردزورث) لديوانه "أغنيات شعبية" عام 1800 يفسر الشاعر اختياره موضوعات ريفية أساسا بنبرات تحاكي صوت روسو."لقد اختيرت الحياة الريفية المتواضعة إذ تجد الأنفعالات الجوهرية للقلب تربة أفضل تستطيع فيها أن تبلغ النضج وأن تخفف من القيد وان تتكلم بلغة أوضح وأكثره روعهً... ففي هذا الوضع تندمج انفعالات الناس بأشكال الطبيعة الجميلة الدائمة"27. وبمثل ذلك يعبر الشاعر (الكسندر بوب 1688-1744) الذي يعد النموذج الكامل لأثر الحركة الرومانسية في الأدب ويعد الأديب الألماني (غوته) خير من عبر عن الرومانسية في الأدب الألماني، إذ يقدم لنا كما يقول ساتيانا: "ما هو أساس تدفق الحس وهتاف القلب وسحر الطبيعة والإحساس بقوة الحياة بقوله:- كل العلوم يا صديقي مقفرة جدباء وشجرة الحياة وحدها هي الخضراء"28 ويرى براتراند رسل، انه في أيام روسو سئم كثيراً من الناس حياة المدن المزدحمة وصخبها والأمن الرتيب وأصبحوا يرغبون في الإثارة والانفعالات والحيوية والنشاط وكانت الحركة الرومانسية تحل المعايير الجمالية محل المعايير النفعية(29وقد بلغ هذا الميل أوجه في بعض المجادلات اللاعقلانية مثل مطلب (جون كيتس) في عام 1817م بحياة أحساسات بدلاً من حياة أفكار"30 وإذا كانت تشاؤمية الحركة الرومانسية نابعة من الإحساس بطغيان المؤسسات العقلانية والتنظيم العسكري الرتيب فان نتائج الثورة الفرنسية قد ضاعفتها، عندما قامت الثورة عام 1789م كان الشاعر الإنجليزي ويليام وورث في غاية البهجة إذ قال "كانت نعمة كبرى إن تكون على قيد الحياة في ذلك الفجر، أما إن تكون شاباً فان تلك هي السعادة القصوى بعينها... ولكن بعد ذلك... يقول...."يالخيبة الآمال الضائعة" 31 لقد خيب عهد الإرهاب ودكتاتورية نابليون كل أمال الرومانسيين وكانت صدمت الرومانسيين الألمان شديدة، الشاعر الألماني شللر كتب بعد قصيدة "أنشودة الفرح" سنة 1799 "إن هذا القرن ينتهي بالعواصف، ويبدأ الآن القرن الجديد بصرخة القتل"32. وإذا كانت الحركة الرومانسية في جوهرها تهدف إلى تحرير الإنسان من أغلال العرف الاجتماعية والتقاليد الرأسمالية والأخلاق النفعية، فقد كان فقدان ثقة الرومانسية في المستقبل يواكبه حنين متزايد للماضي ما قبل الحديث، وكان لدى الرومانسيين إحساس جمالي قوى بالتاريخ وليس مصادفة إن يكون اشهر روائي النصف الأول من القرن التاسع عشر (السير ولترسكوت) قد ذاعت شهرته بسرعة بسبب روايته التاريخية (WAVERLEY) عام 1814)33. لقد كان اثر الرومانسية في تطور الفكر التاريخي الحديث والمعاصر كبيراً من مختلف مناحي الحياة الفكرية، ومن مفهوم الأرض نشأ مفهوم الأمة مجتمعاً متجذراً تاريخياً وأقدم وأقوى من المجتمع التجاري، وكانت النتيجة هي الليبرالية الرومانسية وبكونها عقيدةً سياسية كانت الرومانسية مصدر إلهام لأشخاص مثل "روبسبير" و"نابليون" وبكونها فلسفةً كانت ملهمة لنيتشه وشبنجلر وهيدجر وسارتر ويهمنا إن نشير هنا إلى أن الحركة التاريخية الرومانسية قد اكتسبت معاني ودلالات وتأويلات مختلفة في كل بلد أوروبي، ففي حين كانت ألمانيا آنذاك واقفة وراء القافلة كان فلاسفتها أكثر وعياً وحساسية لحقيقة التغير والتقدم الذي كان يزدهر لدى جيرانهم في فرنسا وانكلترا، فرأوا فيه "تقدماً" مرغوباً وعاشوا على صعيد الحلم ما كان هذان البلدان يعيشانه على صعيد الواقع لهذا وجدت فلسفة التاريخ ازدهارها الجديد على أيدي الألمان عند هيردر ولسنج وكانط وهيجل وماركس وشبنجلر... الخ. ويرى كولنجوود "أن هيردر هو أول فيلسوف تاريخ يحرز تقدماً في الحركة الرومانسية"34.وتقوم فلسفة التاريخ عنده، على النظرة الكلية للكون والحياة والمجتمع، إذ تقوم نظريته العامة في الطبيعة على فكرة غائية على نحو صريح، فهو يرى إن كل مرحلة من مراحل الطبيعة هي تمهيد للمرحلة التي تليها والإنسان هو غاية الكون، وعد أن لكل شعب (روحاً) توحده وتميزه من غيره، وبهذا أكد الجوهر الذاتي لكل أمة، ويعد أول من جعل من النزعة الرومانسية فكرة قومية جرمانية35 هذه الفكرة التي تلقفها فيما بعد فيخته وهيجل وشبنجلر36.
المراجع والهوامش
1. ج. ب. بيري، فكرة التقدم، جيمكس، ديوي، بيرد وفكرة التقدم الأمريكية، ترجمة د. خالد المنصوري، ص ص7.
2. المصدر السابق نفسه, ص147.
3. احمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، ص177.
4. ينظر: ديفد هوكس, الايدولوجيا ص23.
5. ديفيد هوكس, الايدولوجيا, ص34.
6. المصدر نفسه، ص35.
7. ج. ب. بيري، فكرة التقدم، ص117.
8. كولنجوود، فكرة التاريخ, ص148.
9. أندريه كريسون، تيارات الفكر الفلسفي من العصور الوسطى حتى العصر الحديث، ترجمة نهاد رضا، منشورات عويدات بيروت ط1 1962، ص152.
10. عبد العزيز عزت، فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، ص118.
11. محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، ص118.
12. ج. ي. بيري ، فكرة التقدم، ص158.
13. آرثر هيرمان، فكرة الاضمحلال، ص333.
14. نسبة إلى مذهب "كالفين" اللاهوتي الفرنسي البروتستاتي الذي يؤمن بان قدر الإنسان مرسوم قبل ولادته.
15. دافيد مارسيل، فلسفة التقدم، جيمكس، ديوي، بيرد وفكرة التقدم الأمريكية، ترجمة د. خالد المنصوري، ص40.
16. ديفيد مارسيل، فلسفة التقدم، ص50.
17. ديفيد مارسل, المصدر نفسه, ص28.
18. آرثر هيرمان، فكرة الاضمحلال، ص193.
19. الرومانسية حركة ثفافية فلسفية ادبية, ظهرت في اوربا في القرن الثامن عشر, اهتمت في ابراز الجانب العاطفي لا الجانب العقلي من الطبيعة البشرية وهي تعد رد فعل ضد تؤيل الخبرة البشرية تؤيلاً ضيقاً بمصطلح العقل وحده كانت تعبر عن الاعتقاد ان الحياة اوسع من الذكاء وان العالم اكبر مما في وسع الفيزياء ان تجد فيه, الباخث.
20. جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث, ص54.
21. جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث، ص50.
22. جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة جلال العشري دار الوطن العربي، بيروت، دون تاريخ، ص55.
23. جان جاك روسو، اصل التفاوت بين الناس، ترجمة عادل زعيتر، اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية القاهرة عام 1954، ص37.
24. توينبي، مختصر دراسة التاريخ، ج2، ص442.
25. ديفيد هوكس، الايديولوجيا، ص40.
26. جان جاك روسو، اصل التفاوت بين الناس، ص50.
27. آرثر هيرمان، فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي، ص81.
28. جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث، ص23.
29. ديفيد هوكس، الايديولوجيا، ص41.
30. (*) سعيد ذلك الرجل الذي ترتبط رغبته وعنايته بأرض أهله وعشيرته يقنع بان يستسشق هواء وطنه على أرضه التي له ينظر رسل, تاريخ الفلسفة الغربية, ج2، ص210.
31. جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث، ص35, ايضاً أميل بريهة, تاريخ الفلسفة, القرن التاسع عشر, ترجمة جورج طرابيشي, ج6, دار الطليعة, بيروت,ط1 1985, ص269.
32. راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ص106.
33. ديفيد هوكس، الايديولوجيا, ص42.
34. آرثر هيرمان، فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي، ص78.
35. المصدر نفسه، ص78.
36. جورج لوكاش، الرواية التاريخية، ترجمة صالح جواد الكاظم، الجمهورية العراقية، وزارة الثقافة والفنون عام 1978، ص28, قال بوشكين (لقد امتد تاثير والترسكوت في عصره إلى حقول الاداب كلها, فمدرسة المؤرخين الفرنسيين الجديدة نشأة بتأثير الروائي الايكومي, وقد دلهم على مناهل جديدة الجده كلها), ينظر هنري ارفون, جورج لوكاتش, ترجمة عادل العوا, منشورات دار الثقافة, دمشق, 1970, ص154.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الولايات المتحدة: الشرطي المتهم بقتل جورج فلويد يرفض الإدلاء


.. ليبيا: رئيس حكومة الوحدة الوطنية يطلب الدعم الروسي لإنهاء ال


.. بلينكن يعد ب-شراكة أمنية دائمة- مع أفغانستان بعد انسحاب القو




.. أفغانستان: مخاوف من انهيار الوضع الأمني بعد انسحاب القوات ال


.. إلى أين وصلت محادثات فيينا حول الاتفاق النووي الإيراني؟