الحوار المتمدن - موبايل


الأسس الفلسفية والثقافية لخطاب الصحة الاجتماعية المعاصر

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 3 / 16
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مع كورونا سوف تتغير الكثير من عادات الناس الثقافية، فلا مصافحة بالأيدي ولا بالأحضان ولا بالانوف. والسلام صامت ومن بعيد، والتحايا بالقلوب، والعطس ممنوع بالأماكن العامة، والأكل بالشوكة والملعقة، ولا ولائم جماعية. وكل يأكل من صحنه. والصلاة مفردة، كل يصلي لوحدة في بيته أو تحت الشجرة. وتبقى المشكلة في العلاقات الزوجية، فمن المؤكد أن كثيرين من الأزواج سوف يجدون في كورونا مخرجا للهروب من زوجاتهم إذ بعطسة واحدة يجعلها تطير من السرير ! وبالمثل يمكن للزوجات عمل ذلك ببساطة جدا. وربما سيكون لكورونا دورا في حماية البنات الصغيرات من الزواج بعواجيز الرجال، وسوف يتغير الشعار الذكور (بجنب رجال ولا بجنب جدار ) إلى عكسه تماما. كورونا سوف يكون لها أثارا لا هي بالمتوقعة ولم تكن بالحسبان في كل مجالات حياة الإنسان العامة والخاصة. يقول الفيلسوف أحمد نسيم برقاوي" هناك فيروس قاتل ظهر على هذه الأرض يخرب الجهاز التنفسي وقد يؤدي إلى موت المصاب به، هذه واقعة موضوعية لا سبيل للشك فيها، ما هو هذا الفيروس وأسباب انتشاره؟ هناك خطاب إيماني يقول بأن الكورونا عقاب إلهي بسبب فجور البشر، وفي هذه الحال فإن الدعاء إلى الله لحمايتنا من خطر هذا الوباء أمر ضروري، والله يستجيب لدعاء المؤمن، لأنه يستجيب لدعوة الداعي إذا دعاه، دون أن ينفي حق العلم بمواجهة غضب الله، هناك خطاب سياسي، بأن الكورنا فيروس طورته آلة الحرب الجرثومية الأمريكية ضد الصين، ولكن لم يعد بالإمكان محاصرته" ( أحمد برقاوي، الإيمان، اليوم الثامن الفلسطيني، 15 مارس2020) من الواضح أن الخطاب المصاحب لانتشار فيروس كورونا اليوم في جميع أنحاء العالم هو خطاب يدور حول الصحة والمرض، الحياة والموت، التحدي والاستجابة. فما الذي جعل الصين التي يقدر سكانها بمليار وثمانمائة مليون نسمة تسيطر على وباء كورونا القاتل في بضعة أسابيع منذ ظهوره؟ وكيف استجابت دول العالم المختلفة لذلك التحدي الوبائي السريع الانتشار؟ وما هي الطرق والوسائل التي تمتلكها كل دولة للحد من انتشاره؟ قال: رئيس برنامج الطوارئ الصحية في منظمة الصحة العالمية إن "العالم بأسره يجب أن يكون في حالة تأهب" لمحاربة فيروس كورونا الجديدـ، فيما تبحث المنظمة إحتمال إعلان حالة الطوارئ العالمية. وأشاد الدكتور مايك ريان، باستجابة الصين لتفشي المرض المميت، قائلا: "التحدي كبير، لكن الاستجابة كانت هائلة"( عربي نيوز، 30 يناير 2020) "وقد بلغت حصيلة عدد المصابين بفيروس كورونا حول العالم لغاية يوم الأربعاء 11 مارس 2020  نحو 115.800 ألف مصاب ،اما الوفيات فقد تجاوزت 4200 شخص حول العالم، في حين كشفت مفوضية الصحة الوطنية الصينية عن شفاء 61.400 ألف مصاب بكورونا. ووصل عدد الدول التي سجلت حالات إصابة بفيروس كورونا إلى 102 دولة منها 14 عربية" علي البهلول، الفلسفة وسؤال الأزمة حول فيروس الكورونا أو في كيفية التعامل مع الموت؟ نيوز برس ، 14 مارس 2020) فأزمة الكورونا اليوم هي أزمة معممة أوجدت لنفسها أرضية خصبة داخل الفضاء العمومي العربي والأوروبي ليتحول الشغل الشاغل اليوم الى إيجاد السبل الكفيلة من اجل التخلص من هذا الوباء ومن اجل مقاومة الموت الناجم عن الفيروس المستجد الذي بدأ يترصد بالعالم.وهكذا كما هو واضح يعد خطاب الصحة الاجتماعية من أهم الخطابات التي أخذت تزدهر في الدوائر الثقافية والإعلامية والأكاديمية المعاصرة ، إذ شهد المجال الصحي اهتماما منقطع النظير، لا سيما منذ منتصف القرن العشرين بما جعلنا نتوافر اليوم على خطاب غني بالدوال والدلالات وبالفاعلين والأفعال والقوى والعلاقات والمؤسسات والممارسات ( الصحة والمجتمع ، الصحة العامة ،الصحة والمرض، الوقاية والعلاج الصحي، الوعي الصحي، الثقافة الصحية، الحياة الصحية، صحة المرأة، الصحة الإنجابية ، صحة الطفل ، التغذية الصحية ، الصحة المدرسية، صحة العائلة، السياسة الصحية، التأمين الصحي، الاقتصاد  الصحي ، الإدارة الصحية، العلوم الطبية، الطب الشعبي، الطب البديل، الطب الحديث، حقوق الإنسان الصحية، علم اجتماع الصحة، الديمغرافيا الصحية ، السكان والصحة ، علم اجتماع الجسد ، علم الأوبئة ، فلسفة الصحة ، علم النفس الصحي، الانثروبولوجيا الصحية، علم التربية الصحية، الصحة المدرسية، الخدمة الاجتماعية الصحية، سوسيولوجيا المؤسسة الطبية، علم الاجتماع الطبي، علم اجتماع الجريمة ، علم اجتماع الإدمان، والانحراف.  فضلا عن مجالات التطبيب والعلاج والأدوية والأدوات والأجهزة والتشريعات الصحية والمؤسسات الرسمية و المدنية ( منظمة الصحة العالمية، والهلال الأحمر، وأطباء بلا حدود، ووزارات الصحة ، والنقابات الصحية، والإعلام الصحي المكتوب والمسموع والمرئي .. الخ )على هذا النحو أضحت الصحة وخطابها تتخلل مختلف مجالات حياة الإنسان المعاصرة (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والأخلاقية والجمالية والدينية..الخ)  فعلى الصعيد الإبستيمولوجي غدت الصحة ومشكلاتها لأول مرة في تاريخها موضوعاً للعدد واسع من العلوم الاجتماعية والإنسانية ولم تعد حكرا على العلوم الطبية كما كانت في الماضي. وهكذا بدأ الأمر وكأننا بإزاء اكتشاف جديد للكائن الإنساني وحياته وصحته بوصفه كائنا جديرا بالحياة الصحية الطيبة كحق من حقوقه الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية. والسؤال هو: كيف يمكن فهم وتفسير هذا التحول الثوري في خطاب الصحة الاجتماعية والطب المعاصر ؟ وما هي الأسس الثقافية التي مهدت السبيل لنموه وتبلوره وازدهاره في الحضارة الحديثة والمعاصرة ؟ وما معايير قياس صحة الفرد والمجتمع ؟ وكيف هو حال صحة مجتمعاتنا العربية الإسلامية اليوم ؟ هذه الأسئلة وما يتصل بها من مشكلات هي ما سوف نوليه عنايتنا في بحثنا الموسوم ب ( الأسس الثقافية لخطاب الصحة الاجتماعية) لقد تسأل احد الباحثين العرب "هل للمناخ الثقافي العام .. تأثير في الممارسات أو التصورات الطبية عن المرض والصحة أو الجسد والنفس؟ هل للطب علاقة بنوع الرؤية الكونية التي يتبناها المجتمع؟ هل بالإمكان معاينة الطب بوصفه ممارسة تأويلية, يكون الجسد هو نصها, والشفاء هو بمثابة البحث عن المعنى, وعمليات العلاج هي ذاتها عمليات قراءة النص؟ هل بالإمكان معاينة الطب من منظور علاقات القوة والمعرفة, بحيث يكون الطب معرفة وأداة من أدوات الهيمنة؟ هل بالإمكان المقارنة بين "التعددية الثقافية", وما يمكن تسميته بـ"التعددية الطبية"؟ وأخيرا هل بإمكاننا النظر الى الطبوالممارسة الطبية من منظور مغيار ومن أفق مختلف عما هو سائد اليوم؟"
أهمية البحث: 
 يكتسب هذا البحث أهمية مزدوجة: إذ هو محاولة لفتح نافذة رؤية جديدة في مقاربة المشكل الصحي من منظور سوسيولوجي ثقافي نقدي، ومن جهة أخرى يجعلنا نتعرف على حقيقة تلك الشروط والعوامل التي كمنت وراء ازدهار خطاب الصحة والمجتمع  في المجتمعات التي حققت نجاحات وانجازات صحية قابلة للقياس والمقارنة وما توفره هذه الطريقة من تغذية راجعة تتيح لنا المزيد من الضوء لمعرفة حقيقة الاوضاع الصحة في مجتمعاتنا العربية الراهنة، إذ إن نقطة انطلاق الإتقان النقدي المحكم هي وعي الذات  لما هي عليه حقاً ،  بالمقارنة مع الآخر الشبيه، فالآخر مرآة الذات .
فرضية البحث
تنطلق فرضيتنا من إن خطاب الصحة والمجتمع المزدهر اليوم في المجتمعات المعاصرة انما هو ثمرة لسياق تاريخي ثقافي طويل، حيث يمكن تعيين الأسس والشروط الثقافية والفكرية أو بكلمة (الباراديم) العام الذي مهد السبيل لميلاده ونموه وتقدمه وازدهاره، باراديم مشروع الحضارة الحديثة التي جعلت من الإنسان ( عقله وحواسه وحياته وصحته وكرامته  وحريته وسعادته) هدف وغاية كل فعل وقول وسلوك ، بل ومعيارا لقياس الحقيقة والخطأ الخير والشر والتقدم والتخلف، وبدون فهم ومعرفة تلك الأسس والشروط يصعب فهم وتفسير تلك النقلة الثورية في خطاب الصحة والطب الحديث.    
 منهجية البحث. إذ نحاول مقاربة موضوعنا من منظور منهجي سوسيولوجي ثقافي نقدي ذي بعدين:الأول يعنى ببحث واستنطاق الأسس الفلسفية والثقافية التي مهدت السبيل لميلاد وتبلور ونمو وازدهار مفهوم الإنسان الحديث عامة ومفهوم  الصحة والمجتمع خاصة ،والثاني يهتم بدراسة وتتبع تحولات المفهوم وسياقات دلالاته في عالم الممارسة الاجتماعية المتعينة ، إذ إن لكل مفهوم أو خطاب مكان وتاريخ ميلاد وسياق نمو وحقل دلالة وإرادة قوة وفضاء فكر وحساسية ثقافة ونظام إشارة  وشفرة معنى وأفق تلقي وصراع سلطة ومعرفة..الخ. وطالما ولدينا كلمات مختلفة فمن المهم أن نحددها ونعرف ماذا نقصد بها لأغراض هذه الدارسة.

الاطار المراجع

على مدى السنوات القريبة المنصرمة تزايد الانشغال بموضوع الصحة والمجتمع وبات خطاب الصحة يزخر بسيل منهمر من الدراسات والأبحاث من مختلف فروع المعرفة وتخصصاتها العلمية الطبيعية والإنسانية والاجتماعية والدراسات الثقافية والنقد الثقافي بما يجعل الباحث المعاصر في المشكل الصحي يتوفر على حقل غني بالمصادر والمراجع والمعلومات التي يمكن الرجوع اليها في بحث ودراسة مشكلات هذا المجال الحيوي. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى الإطار المرجعي لبحثنا في الآتي: ديفيد ارنولد، (الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية) ميشيل فوكو (المراقبة والعقاب) و(ميلاد العيادة) و(تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي) و(يجب الدفاع عن المجتمع) و(تاريخ الجنسانية إرادة العرفان) و(حفريات المعرفة) و(الكلمات والأشياء) ورتشارد غ. ولكنسون (المجتمعات غير الصحية: علل عدم المساواة) والفين توفر ( صدمة المستقبل) و(تحول السلطة) و(حضارة الموجة الثالث) ونجلاء عاطف خليل ( في علم الاجتماع الطبي: ثقافة الصحة والمرض) تالكوت بارسونز(دور المريض في المستشفى وتغير أنماط واجباته وحقوقه )و كلودين هيرزلتش ( التمثيل الاجتماعي للمرض) وأدوين ليميرت (المرض الاجتماعي )وديفيد ميكانيك ( الإجهاد والسلوك المرضي والمريض) و (علم الاجتماع الطبي)و أبيل سميث (تاريخ مهنة التمريض) وماكس بيروتي (ضرورة العلم: دراسات في العلم والعلماء) وعبدالمجيد الشاعر (علم الاجتماع الطبي) وإحسان محمد الحسن (علم الاجتماع الطبي) ومحمد الجوهري وآخرون (علم الاجتماع الطبي) وأنتوني غدنز (علم الاجتماع ) وشيلي تاليور (علم النفس الصحي) وأميتا صن(التنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر)وديفيد لوبروتون (انثروبولوجيا الجســــد والحداثة) ومريم وحيد (الجسد والسياسة) وكرس شلنج (الجسد والنظرية الاجتماعية) وصوفيّة السحيري بن حتيرة. (الجسد والمجتمع، دراسة أنتربولوجيّة لبعض الاعتقادات والتصوّرات حول الجسد)  وخالد فهمي (الجسد والحداثة: الطب والقانون في مصر الحديثة) وكولدين هيرزليتش (التمثل الاجتماعي للمرض) واحمد محمد بدح وآخرون ( الثقافة الصحية) ونادر كاظم (ايديولوجيا الطب الحديث) ومحمود شريف بسيوني، (الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان في مجلدين) والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وتقارير ومنشورات منظمة الصحة العلمية والمجلات والدوريات الصحية العربية والدولية وغير ذلك.  

أولا: تحديد المفاهيم وتعريفها

تحديد المفاهيم وتعريفها هو الخطوة المنهجية الأولى في الدراسات الإنسانية والاجتماعية ، ذلك كونها مفاهيم ملتبسة وغامضة على الدوام لان موضوعها  ذاته متحرك  ومتغير باستمرار إذ لا توجد نواة صلبة قابلة للتحديد والتعريف تصلح جوهراً لتعريف المفهوم التاريخي الثقافي كتلك المفاهيم التي نستخدمها هنا( الصحة, المرض،الإنسان، الجسد، الأسس الثقافية لخطاب الصحة، معايير جودة الصحة..الخ ) وكل تعريف ليس إلا تعريفاً اجرائياً نسبياً ومحتملاً للمعنى ، ولعل الحاجة إلى إعادة تحديد وتعريف الكلمات التي نستعملها في دراساتنا الإنسانية والاجتماعية  تزداد لاسيما إذا كانت   تلك المفاهيم أو المصطلحات قد تلقفانها من سياقات ثقافية مغايرة , إذ أن المفاهيم لا توجد في فلك الأفكار ومدونات اللغات حسب , بل هي كائنات تاريخية شديدة الارتباط بسياقاتها الاجتماعية الثقافية المشخصة , ولكل مفهوم مكان وزمان ولادة، وسياق نمو وتجربة وخبرة ممارسة , وعلاقات قوة , ونظام خطاب ومدونة لغة , وفضاء فكر وحساسية ثقافة , وحقل تأويل وشفرة معنى وأفق تلقي .. الخ. ومادمنا نستعمل كلمات مختلفة بمعاني مختلفة فمن المهم أن نعّرف المصطلحات التي نستعملها ونحدد الدلالات التي نعنيها بها إذ ان كل تعريف تحديد، وكل تحديد سلب.

مفهوم خطاب الصحة والمجتمع
نعني ب(خطاب الصحة والمجتمع) كل ما يتصل بالحياة الصحية للإنسان والمجتمع في الحضارة الحديثة من عناصر وأنساق وعلاقات ومؤسسات وممارسات، بوصفها بنية ثقافية كلية تنطوي على عدد من الدلالات؛ دلالة إبستيمولوجية : تتمثل بمجموعة الافكار والمعارف والنصوص من ابحاث وكتب وإصدارات وعلوم ونظريات ومؤسسات أكاديمية وعلمية أو إعلامية وثقافية وكل ما يتصل بنسق المعرفة الطبية والصحية. ودلالة سوسيولوجية: تتمثل بمجموع الفاعلين والأفعال والعلاقات والتفاعلات والوظائف والأدوار والممارسات والقيم والعادات التي ترسخت بالخبرة والتجربة في مجال المهنة والممارسات الصحية للمجتمعات الحديثة والمعاصرة.ودلالة حقوقية قانونية: تتمثل بمجموع الحقوق والتشريعات والدساتير والنظم والقوانين الرسمية والمدنية والمهنية التي تنظم وتضبط قواعد وعلاقات المجال الصحي بوصفه مجالاً نوعياً مستقلاً وتحدد وتحمي حقوق الافراد والمؤسسات داخله فضلا عن علاقاته بالمجالات الخارجية الأخرى.   
مفهوم الأسس الفلسفية
نقصد بالأسس الفلسفية تلك المعتقدات والأفكار والتصورات الميتافيزيقية الكلية التي يعتنقها الناس شعورياً ولا شعورياً عن أنفسهم وعن الآخرين عن العالم والحياة والموت والصحة والمرض بوصفها (بارادايمات) مفضلة يسلمون بها ويعدونها بديهيات ومرجعيات لا تقبل الجدل والتشكيك، وتكون بذلك نماذج ارشادية للنظر والسلوك والعمل والعلاقات تشبه المعتقدات والقناعات الأيديولوجية. وهكذا يمكن النظر إلى الطب الحديث بوصفه خطاباً ثقافياً وممارسة اجتماعية "يستبطن نسقا من الافكار والتصورات والعلاقات بين الانسان وبين ما يحيط به من كون وكائنات إنه باختصار يستبطن رؤية كلية معينة للعالم, وبناء على هذه الرؤية الكلية  للعالم تتحدد نوعية الممارسة الطبية المشروعة.". وهذا التحديد يتوافق مع تعريف الثقافة بوصفها ذلك الكل المركب من التفضيلات أو "التحيزات القيمية والعلاقات الاجتماعية وأساليب الحياة وأنماطها المتبعة".  
مفهوم الصحة
لا يوجد اتفاقاً بين الدارسين بشأن تعريف وتوصيف مفهوم ( الصحة) وربما يعود سبب ذلك ا إلى تعدد ابعاده وتنوع دلاته ؛ إذ لا تعني الصحة كما هو شائع انتفى المرض العضوي أو العقلي فحسب بل تعني الاشباع الكامل لكل حاجات الانسان الاساسية الجسدية والنفسية والعقلية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والجمالية وكل ما يتصل بحياة الانسان ونموه وتمكينه وتنميته تنمية  صحية مستدامة بما يحقق له السعادة والرفاه والقدرة على التمتع بالحياة الطيبة ، وعلى الرغم اختلاف وتعدد تعريفات مفهوم ( الصحة) إلا ان هناك شبه اتفاق بين الدارسين حول المعاني العامة للمفهوم إذ يرى البعض ان الصحة تعني "حالة من العافية الكاملة البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية" بينما يذهب آخرون إلى ان "الصحة هي ابعد بكثير من ان تكون الوقاية من الموت المبكر او انتفاء المرض او العجز بل هي حالة ديناميكية كاملة من الرفاه الجسدي والنفسي، الروحي والاجتماعي". ووفقًا لتعريف منظمة الصحة العالمية، تصف كلمة (صحة )"حالة اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية للإنسان، وليس مجرد الخلو من المرض أوالوهن" .
ولإغراض هذا البحث يمكننا استخلاص تعريفاً اجرائياً للمفهوم على النحو الآتي:
تعبر كلمة صحة عن حق تمتع كل فرد من افراد المجتمع الإنساني بحالة من العافية البدنية والنفسية والعقلية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والجمالية وغير ذلك من مناحي وشروط حياة الإنسان الاجتماعية الشاملة المستدامة بما يمكنّه من العيش والتمتع بالحياة الطيبة التي تتضمن بالضرورة الاشباع الكامل للحاجات الاساسية بحسب إبراهام ماسلو.
مفهوم المرض
المرض مفهوم شديد الالتباس والغموض، إذ مايزال معناه مثار للجدل المحتدم بين الدارسين وذلك بسبب اتساع موضوعه وتعدد صوره واختلاف مجالات دراسته  فضلا عن اشتباك هذا المفهوم  مع جملة من االمصطلحات المحايثة  ( الداء، العلة، السقم، العجز، الخلل، النقص ، والشكو، والضر، والضراء، والضمان، والضنى، والعلّة، والنصب، والوجع، والوصب، والسوء ..الخ) فمعنى المرض عند الطبيب يختلف عن معناه عند عالِم الاجتماع الطبي.  وهكذا سنلاحظ ان هناك من يعرف المرض بالنقصان، والمريض ناقص القوة. وقيل فتور في البدن ، وكثير من يتم استخدام" كلمة " (مرض) بمعنى (داء أو علة) لكن يؤكد البعض الآخر أن هناك فروقًا دقيقة بين المعنيين، إذ ان الداء أو النقص أو العلة هي حالات جزئية في سياق المعنى الشامل للكلمة (مرض). وهناك من يعرف المرض بأنه "حالة غير طبيعية تصيب الجسد البشري أوالعقل البشري محدثة انزعاجاً، أوضعفاً في الوظائف، أو إرهاقاً للشخص المصاب" ويعرفه اخر  " باالمجموع الكلي للتفاعلات الجسدية والعقلية عند شخص ما تجاه عامل مؤذي يدخل جسمه من الخارج، أو ينشأ من الداخل (كالكائنات الدقيقة ، أو السموم)، أو جرح، أو خلل خلقي، أو ولادي. او خلل استقلابي، او نقص في التغذية، أو عملية متنكسة" وتقسم الأمراض إلى معدية وغير معدية،وبائية وغير وبائية.
 مفهوم الجسد
جاء في لسان العرب الجسد" جسم الإِنسان ولا يقال لغيره من الأَجسام المغتذية .. والجَسَد البدن تقول منه تَجَسَّد كما تقول من الجسم تجسَّم" وفي تاج العروس الجَسَدُ مُحرَّكةً : جِسْمُ الإِنسانِ.. ولا يقال لغَير الإِنسان جَسدٌ من خَلْقِ الأَرض"  جَسْداً.. جَسِد الدمُ ـَ جَسَداً: يبِس" والكلمة اليونانية المستخدمة للإشارة إلى "الجسد" في العهد الجديد هي sarx وهو مصطلح يمكن أن يشير غالباً إلى الجسد المادي".ويعد مفهوم الجسد الإنساني من المفاهيم التي استقطبت اهتمام الفلاسفة والدارسين في العصر الحديث وربما كان المنور الفرنسي جان جاك روسو بقوله- (ان أكثر الاشياء قرباً منا وحميمة في حياتنا هي اكثرها بعداً واغتراباً عن فهمنا- يصف موقفنا من جسدنا الذي نجهل ما هو بالضبط  ولا نعرف علاما يقدر وأي قوى هي قواه يقول اسبينوزا "يصل بنا الأمر إلى أننا لا نعرف ما هو الجسد؟) وبالفعل إننا نتكلم عن الوعي عن الروح عن النفس عن الفكر، نثرثر في كل تلك الموضوعات , غير أننا نجهل الكثير عن الجسد , الذي به لا بغيره كنا وظهرنا وصرنا اشخاصا وعشنا وامتلكنا اسماءنا , الجسد الذي هو جسدك وجسدي وجسده وجسدها, وهو اقرب الاشياء وأكثرها حميمية بالنسبة لنا , نلتصق به ويلتصق بنا منذ لحظة الاخصاب الاولى لبذرة كينونتنا في الارحام وحتى الممات , هذا الجسد الذي يمنحنا كينونتنا الآدمية  وبفضله صرنا ذوات وأشخاص وضمائر عاقلة (انت، انا، هو، هي) ظل بعيدا عن الاهتمام والبحث والتعريف ولما كان من الصعب أن "نَتعرَّف الإنسان كجوهر مجرد من دون المرور عبر بوابة "الجسد"، "فالهوية الشخصية" مرتبطة "بالهوية الجسدية" التي تُشَكِّل الوجه "الإمبريقي" أو "الفيزيقي" للإنسان. طبعًا للجسد طرق خاصة للتعبير والتواصل، وهي لغة تمزج بين الإيحاء والمجاز، بل إن الجسد هو من يمنح الوجود الإنساني حضوره المادي، ليصبح بذلك هذا الوجود الإنساني وجودًا جسديًا. فقد بات من الملح التوفر عن فهم واضح للجسد ومعناه.
فما هو الجسد الذي اثار دهشة نيتشه إذ كتب يقول "ما يدهش أكثر هو الجسد وليس الروح , كم هو مبهجا  أن يستمر المرء بالدهشة من فكرة كون الجسد الإنساني قد أصبح ممكناً.. ربما تعلق الأمر بالجسد الذي يعد الحقل الخصب في كل تطور الوعي، الروح"وقد تعددت تعريفات الجسد فهذا رينيه ديكارت في تأملاته الأولى يذهب إلى أن في الوجود جوهرين منفصلين ومتمايزين هما الفكر والامتداد، والفكر هو جوهر النفس، والامتداد جوهر الجسد.. والجسد هو كل ما يمكن أن يَتَحَيَّز فيحتويه مكان" غير ان التصور الفنومينولوجي والوجودي للجسد على عكس ديكارت يرفض النظر إلى الجسد بفصله عن مبدأ الوعي و بعزله عن العالم الذي ينتمي إليه حسيّا و وجوديا وهذا هو معنى (الدازاين) عند هيدجر التي تفيد الوجود في العالم عن طريق شعورنا داخل ذواتنا بالانتماء إليه وشعورنا بالحضور فيه عن طريق أجسادنا فالإنيّة هنا هي إنيّة للذات المتجسّدة المنفتحة على العالم وعلى الآخر باعتباره ذاتا أخرى وجسد آخر"
وفي ذات السياق جاء تعريف سارتر للجسد الإنساني بوصفه وجوده الذي يسبق الماهية  ويصرخ ميرلوبونتي (أنا جسدي) قاصداً  أن أجسادنا ليست مستقلة عنا ، بل هي وسائلنا التي نعبر بها عن أنفسنا بشكل طبيعي ..  وبما أن أجسادنا تحيلنا بشكل دائم إلي العالم والآخرين ، فإن خبرة أجسادنا وخبرة جسد الآخر هي ذاتها جوانب لوجود واحد"في ضوء ما تقدم يمكن صياغة تعريف الجسد بأنه مفهوم يعبر عن  الشخص الإنساني  بحضوره  الحيوي الكلي المباشر في العالم  بوصفه ذات تعيش وتحس وتفكر وتحلم وترغب و وتتألم وتفرح وتحزن ..الخ أي وجود لذاته ومن اجل ذاته.

الإنسان والصحة في الفكر الحديث والمعاصر
 وإذا ما اردنا التعرف على صورة الإنسان والصحة في العصور الحديثة يلزمنا العودة إلى  المرحلة المبكرة من الحداثة الأوربية المرتبطة بالنهضة التي تمتد نحو ثلاثة قرون منذ القرن الرابع عشر حتى القرن السابع عشر، إذ تميزت النهضة باضطراب شامل وتداخل لأنماط متعددة من صور الحياة وقيمها وانماط السلوك والمواقف والافعال القديمة والجديدة، الشاذة والطبيعية، كان عصراً يعج بالحركة الدائبة والتغييرات الكثيرة، ومعنى النهضة هو بعث واحياء وحرفيا ميلاد جديد، او تكرار الميلاد ولقد اعادت النهضة بعث تراث الثقافة الكلاسيكية اليونانية والرومانية القديمة الى الحد الذي اطلق على ايطاليا القرن الرابع عشر، "هيلاس الجديدة". لكن النهضة لم تكن مجرد بعث التراث الكلاسيكي، بل توظيفه في سياقات جديدة(**).
كانت ولادة شي ما لم يحدث ان تصوره او صممه انسان في الزمن الماضي، في كل مكان آخذت تشع نظرة جديدة للإنسان والحياة والتاريخ والعالم؛ الفاعلية هي الشعار الجديد، الانسان الجديد يعمل وينافس ويتقدم ويغامر ويجازف ويخسر ويربح، ومع النهضة اخذت تنحسر "فلسفة البعث والنشور"() التي كانت تصور الانسان مكبل بالإثم والخطيئة المقدرة عليه منذ ادم ولا فكاك له منها، الا بعون الله وإرادته. وعلى صعيد تطور المجال الصحي ورثت النهضة الاوربية  كل التراث الطبي الذي شهدتها العصور السابقة لاسيما في الحضارة اليونانية والحضارة العربية الإسلامية إذ من المعروف ان هذا الاخيرة قد عرفت لحظة نمو وازدهار للحياة الصحية منذ القرن الثامن وحتى القرن الثالث عشر الميلادي، حيث ازدهرت حركة الترجمة والتأليف للكتب والموسوعات الطبية، وتم انشاء المستشفيات( البيمارستانات)  والصيدليات وازدهرت مهنة الطب وتعليمها فضلا عن تشريعات تنظيم تعلمها وممارستها  في كثير من المدن الإسلامية، ويحفظ تاريخ الطب الإنساني اسماء خالدة في الطب منها منها كتاب ابن الطبري ( فردوس الحكمة) وكتاب علي بن العباس المجوسي( كامل الصناعة الطبية) أو الكتاب الملكي وموسوعة أبوبكر الرازي الطبية ( الحاوي) وكتابه (المنصوري) ويعد ابن سينا وكتابه (القانون في الطب) اعظم أثراً في تاريخ المعرفة الطبية، وبرع أبو القاسم الزهراوي 936-1013م في طب الجراحة في قرطبة وكتابه (التصريف) وكان أبو مروان الأندلسي 1091- 1162م وكتابه (التيسير في المداواة والتدبير) وأشتهر موسى بن ميمون الأندلسي في ترجمته كتاب الأمثال الطبية لجالينوس ويعد ابن النفيس1210-1296م المكتشف الأول للدورة الدموية الصغرى، والف محمد بن البيطار (الجامع في الأدوية المفردة) كل تلك الكتب والخبرات والممارسات سرعان من انتقلت إلى اوروبا الناهضة. ويمكن القول انه "خلال المدة الممتدة نحو 1400-1550م تبدلت الصورة العقلية لموطئ الانسان على الارض ومكانته في الكون، وذلك منذ اكتشاف الفكلي البولندي كوبرنيكوس (1473-1543م) إن الأرض تدور حول الشمس مرة في السنة وانها تدور حول نفسها مرة كل اربع وعشرين ساعة".
ثمة جانبان لهما الاهمية القصوى في نهضة اوروبا هما حسب- برتراند رسل:- تضاؤل سلطة الكنيسة وتزايد سلطة العلم، ويتصل بهذين الجانبين جوانب مختلفة ومتفاوتة.
لقد كان عصر النهضة في بدايته عصر نقد وتمرد وتصميم وتشكيل، اكثر منه عصر بناء وتشييد وتعمير، ذلك لان الكثير من ملامح العصر الوسيط ظلت قائمة متداخلة في نسيج المجتمع الناهض، فمن الناحية الواقعية لم تنته العصور الوسطى بقيمها وتقاليدها الثقافية الراسخة، فجأة عند نقطة ما وظهر المجتمع الحديث الى الحياة عند نقطة اخرى، بل قد احتاجت أوروبا نحو ثلاثمائة سنة للانتقال من الجو الذهني للعصور الوسطى الى الجو الذهني للعالم الحديث وهذا هو معنى عبارة دافيد لوبروتون في كتاب أنثروبولوجيا الجسد والحداثة إذ أكد"إن الحضارة في القرون الوسطى, وحتى في عصر النهضة, هي خليط مبهم من التقاليد الشعبية المحلية ومن المصادر المسيحية". كما كان الطب والكيمياء خليطا غريبا من الممارسات السحرية والعلمية والتنجيم والشعوذة, وربما كانت الميزة الاساس التي تمتاز بها النهضة في كونها أفلحت في زعزعة الاسس التقليدية التي كانت تقوم عليها فكرة الانسان والحياة والموت والعالم والتاريخ في العصر الوسيط اكثر مما نجحت في تكوين تصور متكامل لما يجب ان يكون عليه الانسان الحاضر والمستقبل. وربما كان الباراديم الارشادي المهيمن قبل النهضة يتمثل في التركيز على الطبيعية الكيفية للعناصر المكونة للعالم وعلاقاتها بالروح والجسد ألإنساني إذ ساد الاعتقاد بنظرية الانماط الاربعة للشخصية، بينما افضت النهضة إلى تحول ثوري في الرؤية الكلية للعالم والإنسان والأشياء بتركيز الاهتمام على الطبائع الكمية للأشياء ووسائل اختبارها وتقييمها وقياسها. لقد قدمت النهضة "الثقافة" التي شكلت الارض الخصبة لتحضير (ولادة الفيلسوف والفنان والعالم والأديب والطبيب والسياسي والمؤرخ والقانوني والإداري ...الخ) "لقد كان عصر يتطلب عمالقة فأنجبهم، عمالقة في قوة الفكر "والاندفاع والطبع"().امثال: كوبرنيكوس 1473-1543، وكلبر 1571-1630، وجاليلو 1564-1642، وجبلر 1540-1603م، في المغناطيس وربرت بويل 1627-1691م في الكيمياء, وليفنهوك 2632-1723م، مكتشف الحيوانات المنوية واسحاق نيوتن 1642-1727م، مكتشف قانون الجاذبية وقوانين الحركة الديناميكية, لقد عززت الاكتشافات العلمية من ثقة الانسان بقدراته يقول الشاعر:"لقد كانت الطبيعية وقوانينها محجوبة في الليل"فقال الله لنيوتن كن وتحول كل شي الى نور".وشهد عصر النهضة اهم الاكتشافات الجغرافية للمناطق المجهولة فقد القى الاسباني كولمبس مراسيه في العالم الجديد عام 1492م، والقى البرتغالي فاسكودى جاما مراسيه على ساحل الهند الغربي 1498م واستطاع ماجلان في السفينة فكتوريا ان يدور لاول مـرة حول الارض (1519-1522), وغير ذلك من الاكتشافات الجغرافية, وعلى صعيد الفلسفة والادب والتاريخ والسياسة، هناك كوكبة لامعة من الاسماء التي ازدهرت في عصر النهضة امثال جوردانو برونو (1548-1600م)() وبيك دولامير اندول 1494 وتوماس مور (1487-1535م)، ونقولاي ماكيافيلي (1467-1527م)، وكأمبلانيلا ومارسين فيسين 1499 كل هذا الزخم الثقافي العلمي الفني الادبي، ترافق مع حركة الاصلاح الديني على يدي لوثـر (1483-1546م) وكلفن 1506-1564م)، وزونغلي (1484-1531م)، الذين نادوا باصلاح الكنيسة وبالخلاص الفردي، ولم تكن هذه النهضة الثقافية الشاملة في حقيقة امرها الا حصيلة تفاعل جملة من العوامل والقوى الاجتماعية والاقتصادية والمدنية، تطور المدن وازدهار التجارة والصناعة ولدول والثورات الاجتماعية والعلوم والمناهج.ويمكننا اجماع الموقف كله بالقول، انه عصر الاكتشافات الفلكية والاكتشافات الجغرافية والاصلاح البروتستانني وضروب الابداعات الثقافية واختراع وانتشار الطباعة والسفينة البخارية والبارود، والبوصلة، وبروز الامم الدول، على اسس قومية وبدايات الاقتصاد الرأسمالي وظهور المدن وبداية التمايز الاجتماعي والصراع الطبقي.لقد اطلقت النهضة طاقات الإنسان الخلاقة وأفسحت المجال للاهتمام المتزايد بالحياة الإنسانية وبالجسد الانساني والطبيعة الحية، الى رؤية جديدة لكل شي وبدلا عن المحنة حل الفرح، وباستعمال الانسان للقوى التي وهبها اياه الله حلت الحرية في توجيه العقل بدلا من الخضوع لارادة الكنيسة، واخذ البحث الفكري يحل مكان التبلد والعقم والكسل- وبكلمة تفجرت من ذات الانسان طاقاته الانسانية الكامنة المتعطشة للحرية والابداع والتنافس والصراع والمغامرة والطموح والبطولة والشجاعة والايمان باللحظ واقتصاب الفرص. وبهذا المعنى يمكن ان نفهم تعريف (آلان تورين) للحداثة في كتابه ( نقد الحداثة) بقولة:" إن فكرة الحداثة في شكلها الأعظم طموحاً كانت التأكيد على أن الإنسان هو ما يصنعه" من النهضة انبثقت الصورة الجديدة للإنسان عن ذاته وحياته وصحته وروحه وجسده،  وبهذا المعنى كانت الحداثة مشروعاً انسانياً لبناء المجتمع والتاريخ في كل جوانبه على اسس عقلانية؛  مجتمع يعيش وينظم نفسه ويتصرف بعيداً عن كل غائية غيبية "وسحر اووهم" يقول: "جون هرمان راندل" في كتابه "تكوين العقل الحديث", "ان ثقافة عصر التنوير... وبذور جميع ما بلغناه فيما بعد من نمو وتنور لم تنمُ براعمه بين صفوف الأشجار المشذبة المرتبة في رياض عصر الانوار... بل تعود الى التقاليد الثقافية الباكرة للعصور الحديثة " أن الفكرة التي سيطرت على الافق الفكري الفلسفي التاريخي في عصر النهضة، هي فكرة القانون الطبيعي والاعتقاد الراسخ بالطبيعة الانسانية الثابتة(، تلك الفكرة التي انتقلت من الانجازات التي تحققت على صعيد اكتشاف قوانين الطبيعة، ولا يكون التطور والتقدم والارتقاء الذي لا نهاية له الا بالسيطرة على الطبيعة وبالتفوق على الذات ولا تكون السيطرة على الطبيعة الا بمعرفة قوانين سلوكها المعرفة التي لا تكون الا بازدهار الثقافة علماً وادباً وفناً، ولا يكون التفوق على الذات الا بمعرفة قوانين السلوك الانسان، المعرفة التي لا تكون الا بازدهار الحضارة سياسة واخلاقاً وتشريعاً.لقد ادرك فلاسفة عصر النهضة انه لا سبيل الى تحرير الانسان الا بهدم تلك الجسور الفلسفية المنطقية بين الحاس من جهة العلم والفن وبين المحسوس من جهة الطبيعة والاساطير، وهدم جسر اللاهوت بين الله والانسان، أي تحرير الانسان من مشاعر الخوف والرعب والضعف والعجز والتفاهة والسقوط ووهم اثم وخطيئة تستدعيان تدخل الكنيسة وسيطاً يقدم له كل فروض الولاء والطاعة سعياً هاذيا وراء الخلاص. بيد أن ما تمخضت عنه النهضة – التي أفسحت المجال وسيعاً أما انبعات وتدفق قوى الانسان وطاقته الخلاقة – من نتائج هامة على مختلف اصعدة الحياة الاقتصادية والاجتماعية السياسية والعلمية والثقافية, قد افضى بعد تصرم خمس قرون من الزمن من صيرورة التطور التاريخي للمجتمع الاوروبي, إلى قيام الثورة البرجوازية الفرنسية عام 1789م التي تعد انضج ثمار النهضة وخاتمتها القصوى – حيث جعلت من الانسان حقوقه وحريته, شعارها الاول والرئيسي مستبشرة بذلك باشراقه عهد جديد للانسان, حيث يرى كامو "أن 1789م تقع في مفرق الازمنة الحديثة" حيث أكملت انتصارات الثورتين الانجليزية والامريكية التي قامت على نظرية العقد الاجتماعي لـ جون لوك والمشيئة العامة لـ روسو, وحينما أُعدم الملك لويس السادس عشر عام1793م, الذي كان يمثل ظل الله في الارض, اخذت الصورة عن التاريخ الذي يسير بمشيئة الملوك أو وفق نظرية طول انف كيليوباتره تتغيير لصالح العقل عند هيجل ثم ما لبث ان تتحول لصالح الانسان الواقعي الذي يصنع التاريخ ويصنع نفسه حسب ماركس " ان المدنية الغربية مر بها بين (1563-1736م) ثورة عقلية وروحية أكبر من أي ثورة مر بها المجتمع الأوروبي منذ ان ظهر بين انقاض الامبراطورية الرومانية، ان المفكرين الغربيين الان أحجموا على قبول ارث الاجداد على أنه أمر موثوق به لقد قرروا أنهم من الان وصاعداً، يضعون عقائدهم الموروثة على المحك، وذلك عن طريق فحص الظاهر فحصاً مستقلاً، وانهم سيتبعون تفكيرهم الخاص، وايضاً تواضعوا على العيش بسلام مع الاقليات اصحاب البدع. ولم يعودوا يشعرون بانهم ملزمون ان يفرضوا عقيدة الاكثرية او طقوسها بالقوة"وكما أن المبدا القائل: أن الهدف الحقيقي للمعرفة هو تحسين الحياة الانسانية وزيادة سعادة الانسان وتخفيف معاناته هو النجم الذي اهتدى به بيكون في عمله, كذلك فعل ديكارت حينما اعلن، تفوق العقل، وثبات القوانين الطبيعية، منتهجاً، طريق الشك الايجابي الصارم في التحليل والتركيب، والنقض والابرام ومن اعطاف هذين الفيلسوفين انطلقت مسيرة الفكر الاوربي الحديث، ومن فكرهما تشكلت فكرة التقدم التاريخي واخذ الفلاسفة يبحثون في الانسان والتاريخ والحق امثال: توماس هوبس (1588-1679م) الذي يعد احد اهم فلاسفة التاريخ الحديث, ولما كان يعيش في ظلال الحروب الدينية وتاثره بالمنهج التجريبي توصل الى ان غرائز البشر الطبيعية تؤدي الى "حرب الكل ضد الكل" وقد كانت فلسفة ديفيد هيوم 1711-1776 في المحصلة النهائية ثورة منهجية في فلسفة التاريخ كما تدل عنوانات مؤلفاته:مقالة في الطبيعية البشرية, بحث حول الفهم الانساني, ومحاورات حول الدين الطبيعي, وكتاب تاريخ إنكلترا. وإذا كان النمط الحديث لتصميم وتشكيل المجتمع الناهض قد وجد من يعبر عنه وعن قواه الراسمالية الصاعدة والنظر الى قيمها وكانها هدف التاريخ والنظر الى قوانينها وكانها قوانين الطبيعة الابدية، ومن ثم فأن الخضوع له ليس أسمى الاوامر الاخلاقية فحسب بل هو ضمان السعادة على وجه الارض، وهذا ما فعله معظم فلاسفة المدرستين التجريبية والعقلية, منهم (جون لوك 1632-1704م) هو رسول الثورة الانجليزية 1688م وفيلسوف الليبرالية الجديدة، في كتاباته "مبحث في الفهم الانساني 1687 ورسالة في التسامح، وكتابه عن التربية، وكتاباته عن الحكومة والعقل الاجتماعي. نقول اذا كان هذا الاتجاه قد وجـد أن هذا العـالم هو أحسـن العـوالم، حســب ليبنتز (1646-1716م) فان هذه العملية من التطور التاريخي في سياق الممارسة الحية لحركة المجتمع، لم تكن تسير بهذه الصورة الخلابة التي يرويها لنا التاريخ، فمن المعروف انه ما ان تكون الاحداث تاريخية حتى تختفي الصلة الحتمية بينها وبين الافكار التي افرزتها، ويصعب معرفة حقيقة فكرة من الافكار من غير العودة الى السياق التاريخي التي ولدت فيه وعبرت عن حاجة من حاجاته، وفي هذا السياق لا بد من الاشارة الى ان التاريخ هو في الحقيقة تاريخ صراع وحرب وتدافع على الخيرات، فيه فقراء ضعفاء مغلوبون مقهورون يخدمون أغنياء أقوياء غالبين قاهرين في السلم ويدافعون عنهم في الحرب، هذا التاريخ الذي يدور حول (محور التجارة "الحرب الاحتكار") هو التاريخ الذي سارت فيه النهضة الاوروبية، التي تحملت فيه الطبقات البائسة "المصاريف الاضافية" كما يقول ماكس هوركهايمر وبهذا المعنى، قال المفكر الفرنسي (مونتين) "ليس باستطاعة احد ان يربح الا ما يخسر الاخر" ومع ان فكر عصر النهضة لم يكن فكراً انسانياً خالصاً إلا ان اهميته تكمن في كونه ارسى الأسس الفلسفية والثقافية التي مهدت لنمو وتبلور وازدهار خطاب الصحة والمرض في بمفهومهما الحديث، وقد تمثلت تلك الأسس بالآتي:  
اولاً. استعادة ثقة الإنسان بذاته وقواه الحسية والعقلية، الجسدية والروحية، وهدم الجسور الميتافيزيقية التي اقامتها الفلسفة اليونانية بين الروح والجسد وبين الاسطورة والعلم بين المنطق والواقع بين الطبيعة والفن . لقد نظرت النهضة الى الانسان وقواه بعيون انسانية إذ جعلت "انسانوية" النهضة من الانسان غاية المعرفة وأداتها في ان واحد، يقول فيلسوف النهضة (بيك ميراندولا 1463-1494م) في رسالة "كرامة الانسان", "أيه يا آدام... العالم لم يخلق من أجل الإنسان حسب، ولكنه مصنوع من لحمه ودمه، ذلك الكائن الذي وهبته الالهه ارادة حرة والذي يحمل في ذاته بذور الحياة التي لا تحصى، اذا ما استعاد كرامته، لا يبقى ثمة ضياع، ولا يبق ثمة قلق، الشياطين التي كان يخافها انسان العصور الوسطى القت بنفسها في الجحيم ومعها الصليب الذي كان يبدو مكرساً لحمايتها، العالم اضحى من جديد فرح الانسان وحلمه وطموحه" على هذه النحو اخذت تعود ثقة الانسان بذاته وبعالمه وأخذ الانسان يثق بقدرته على التقدم والتطور، استعاد الانسان ذاته وعظمته حسب ياكوب بوهم (1575-1624م) "الانسان ذلك الكائن العظيم الذي ترقد السماء والارض وكل الكائنات والله نفسه في اعماقه"
 ثانيا. الاعتراف بان الحياة على هذا الكوكب جديرة ان تعاش من حيث هي قيمة مستقلة تستحق الاهتمام والعناية بمعزل عن أيه مخاوف أو أمال مرتبطة بعالم الموت والخلود فيما وراء القبر. لقد تأجلت صرخة سقراط "اعرف نفسك" الى العصر الراهن, ذلك لان الهوام الفلسفي والعلمي الذي يشكل روح النهضة الزاخر, كان يحوم حول الطبيعة – معرفة قوانينها نظام حركتها من اجل الانتصار عليها, كل ذلك من اجل سعادة الانسان وارتقاءه.
هكذا حدد علماء وفلاسفة عصر النهضة الذين اطلق عليهم (الانسانيون) امثال نقولا دوكوزا ليوناردو دافنشي وكيبلر وبودان وغاليله وكامبانيلا وبوهم وليميراندول وبيكون, حددوا الانسان غاية للمعرفة (على الضد من الموقف السابق للفكر الوسيط الذي كان يذوب الانسان في المتعالي الخالق المطلق) لقد كانت عبقرية فكر النهضة تكمن في نفاذ بصيرته للمشكلة التي كانت تحول دون سعادة الانسان وكرامته, والمتمثله في عدم معرفة قوانين الطبيعة وحركة قواها الغاشمة فمن اجل الانسان الذي وضع في وسط العالم, ذلك العالم الذي لم يخلق من اجل الانسان فحسب, بل المصدوع من دمه ولحمه – ذلك الكائن الذي وهبته الالهه ارادة حرة والذي يحمل في ذاته بذور الحياة التي لا تحصى) حسب الفيلسوف النهضوي بيك ميراندول (1493 – 1494م) من اجل ذلك الكائن العظيم "الانسان" – الذي ترقد السماء والارض وكل الكائنات, والله نفسه في قاعه) حسب باكوب بوهم 1575م – 1624م.من أجل إقامة مملكة البشر على الأرض كان (يجب التمكن من إرغام الطبيعة وتسخيرها في خدمة مملكة الانسان... وذلك من خلال معرفة قوانينها يقول: فرانسيس بيكون "ان تنتصر على الطبيعة بان نطيعها".هكذا انطلقت سفينة النهضة حاملة الإنسان على ظهرها, تماماً مثلما كانت تبحر سفينة المجانين في ذلك العصر صوب الآفاق البعيدة في اقاصي البحار للبحث عن عقولهم كما كتب ميشيل فوكو في بحثه (تاريخ الجنون في اوروبا).وعلى هذا الدرب سارت الفلسفة العقلانية الحديثة من ديكارت حتى هيجل متخده من الانسان هدفاً وغاية للمعرفة وموضوعاً جوهرياً لها.
ثالثا. الانفتاح على الجسد الإنساني والطبيعة وكسر قيود التحريم اللاهوتية التي كانت تحرم التصوير والرسم . إذ شهدت الحياة الطبية منذ بداية النهضة حركة صاعدة في نموها ويعد كتاب أندريه فيزاليوس 1514-1564م المؤسس الحقيقي لعلم التشريح الحديث، يعتبره البعض مكتشف الجسد الإنساني في كتابه المهم ( بنية جسم الإنسان) 1543م في جامعة بادوا الايطالية بل ومؤسس الطب الحديث، وفي ذات السياق تابع تلاميذ فيزاليوس البحث في بنية الجسد الإنساني وتوالت الاكتشافات الطبية الجديدة إذ اكتشف فالوبيوس قنوات الرحم التي تصله بالمبيضين وسجل هذا الاكتشاف باسمه قنوات ( فالوب) وبالمثل اكتشف يوستاكيوس القناة التي تصل البلعوم بالأذن الوسطى وكتب الطبيب الإيطالي قصيدة اسماها ( سيفيلوس) تروى قصة راعي اسطوري اغضب الإله فعاقبته بان اصيب بداء الزهري التي وصفته القصيدة التي ذاع صيتها بما جعلها توحد المصطلح الطبي للمرض (سفلس) بعد ان كان يحمل أكثر من الاسماء والصفات تعد بالمئات.      
رابعاً. شهد العصر الحديث تأسيس المنهج العلمي في المجال الصحي.
 
الأسس الفلسفية والثقافية لخطاب الصحة الاجتماعية
انطلاقا من قانون الحياة الجوهري( الحفاظ على البقاء ومقامة الفناء) حلم الإنسان منذ اقدم العصور بالعثور على وصفة سحرية للخلود وديمومة الشباب والصحة والعافية  والقوة فيما عرف ب (أكسير الحياة) أو حجر الفلاسفة, وهذا ما حملته لنا اقدم اساطير حضارات بلاد الرافدين وحضارة مصر القديمة. ورغم التاريخ الطويل لحياة الإنسان على كوكب الارض وصراعه مع الأوبة والإمراض والموت المبكر إلا انه ظل يجهل الاسباب المحتملة للصحة والمرض وتكشف الأنثروبولوجيا التقليدية إن التوقف من أجل تعيين الكائن الإنساني في ماهيته قد أنساها مسألة كينونته إذ اعتبرت هذه الكينونة بمثابة تحصيل حاصل؛ فالإنسان وفقاً للتصور التقليدي ينقسم في كينونته الى شطرين لا يلتقيان (روح وجسد) جسد ينتمي إلى (عالم ما تحت فلك القمر)، عالم  دنيوي حسي زائل يعتريه الكون والفساد، وروح ، أو نفس أو عقل، ينتمي إلى (عالم ما فوق فلك القمر) عالم متعالى الهي أزلي خالد ثابت لا يعتريه التغيير والكون والفساد، هذا (الباراديم ) أو التصور اللاهوتي الميتافيزيقي الكلي للإنسان المشطور، هو الذي ساد الفكر ما قبل الحديث إذ "اعتبر الجسد في مختلف التصورات الميتافيزيقية موطنًا للشرور وبؤرة للدنس والرذيلة، لهذا تمت معاملته باحتقار كبير وتم السعي فيما بعد إلى ستر عيوبه، ولازال الحديث عن مفهوم العورة لصيق به في كثير من الثقافات المجتمعية" ولما كانت الروح ذات طبيعة غير حسية وغير متاح مشاهدتها واختبارها في الواقع ظلت مثار دهشة الانسان وحيرته وحظيت  باهتمام العلوم والأديان والفلسفات، في حين أن الجسد لم يحظ إلا بالقليل القليل من الاهتمام والقيمة والأهمية "إذا لم يكن في الإمكان التعرف على شيء بصورة واضحة فلن يحدث آنذاك إلا أحد أمرين: إما ألا نصل أبدا إلى المعرفة، وإما إلا نصل إليها إلا بعد الموت" وهنا تتجلى خطورة الاعتقادات والتصورات والآراء والأوهام والعادات الثقافية التي تترسخ في حياة الناس ويتوارثوها جيل بعد جيل كأنماط ونماذج للسلوك أو " هابيتوسات" حسب عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو, يقول عالم النفس التربوي الأمريكي " أرثر كوفر" في كتابه " خرافات في التربية" "يسلك الناس وفقاً لما يعتقدون..وحينما تكون معتقداتنا صحيحة وصادقة, نستطيع أن نحدث قدراً كبيراً من التقدم. أما إذا  كانت معتقداتنا خاطئة فإنها تعوق هذا التقدم وتعرقل صيرورته , وتعرض الحياة الإنسانية ذاتها إلى الخطر"3, ولقد ذهب كل جيل ضحية لمعتقداته ولخرافاته وأوهامه وأساطيره,  فحينما اعتقدت الحضارات القديمة ان الروح أو العقل هي الجوهر الخالد في الإنسان الذي يبقى بعد موت الجسد الفاني الفاسد الملوث بالآثم والخطيئة والرغبة والشهوة والطمع كان من شأن هذا الاعتقاد؛ أن عمق الهوة بين الإنسان وجسده، بين روح الإنسان وجسمه، فحينما اعتقد الصينيون القداماء أن الكون ينقسم إلى الين واليانج, أي الأنوثة والذكورة، اليانج يرمز إلى مبدأ الذكورة والعنصر الايجابي الفعال المنتج السماوي وعنصر الضوء والحرارة والروح والحياة, والـيين يرمز إلى الأنوثة العنصر الحسي,الأرضي السلبي المنفعل، عنصر الظلمة والبرودة والعجز والموت،  وحينما اعتقد قدماء الهنود أن الجسد وشهواته الحسية هو مصدر كل الالام والخطايا ازدهرت لديهم ثقافة (النيرفانا) البوذية الجاينية، بمعنى بلوغ الروح اقصى حالات الصحة والسعادة بعد انطفاء الرغبات الجسدية. وحينما اعتقد اهل اليونان أن العقل يحكم الكون وانه من عالم المُثل, وان الرجل هو الكائن العاقل الوحيد وان المرأة كائنا حسيا غير عاقل لم يكتفوا بترير النظرة الدونية للمرأة والعبيد وكل ما يتصل بالجسدية العضوية بل ذهبوا إلى تأسيس منظومة فلسفية ثقافية متكاملة لشرعنة هذا الاعتقاد والنظر اليه بوصفه حقيقة بديهية ومسلمة طبيعية لا تحتمل الشك والتساؤل، ومن هذه الاسطورة الافلاطونية التي تحتقر الجسد تناسلت فيما بعد مختلف المدارس والاتجاهات الفلسفية واللاهوتية الابقورية والرواقية والمسيحية والافلوطونية والقنوصية والإسلامية التي نظرت إلى الإنسان وحياته وصحته من زاوية احتقار الجسد وتعظيم الروح، بما يعني أيلى كل الاهتمام لعالم الموت وما بعد الموت والخلود السرمدي وإهمال عالم الحياة الدنيوي السريع الزوال. تلك النظرة العامة هي التي هيمنت في فضاء الثقافة والفكر الإنساني حتى مطلع العصور الحديثة.
وهكذا يتضح أن سلوك الناس وتفاعلاتهم وعاداتهم وتفضيلاتهم وأفعالهم وردود أفعالهم ومؤسساتهم ونظمهم وتقاليدهم لا يمكن تفسيرها وفهمها من خلال تمظهراتها المباشرة, بل لابد من الذهاب إلى ما ورائها, من المنطلقات الإعتقادية الايديولوجية والفكرية أو بكلمة واحدة  (الثقافة السائدة) إذ أن اعتقادات الناس في أي زمان ومكان ليس مجرد أفكار أو تصورات معنوية وكلمات ومفاهيم معرفية مجردة, بل هي نتاج قوى  وسياقات اجتماعية وسياسية وثقافية نشاءت وترسخت عبر مسار طويل من الممارسات والخبرات والتجارب في أنماط سلوك وعادات وتقاليد أو على حسب بورديو (هابتوسات)  بمعنى عادة أو طبع أو نسق الاستعدادات والتصورات اللاشعورية الثقافية الانثربولوجية التي تبقى بعد نسيان كل شيء .  فكيف كانت النظرة الحديثة للإنسان وحياته وصحته. ولم يكن الطب في أغلب الثقافات عبارة عن ممارسة علمية منضبطة, ولم يكن, كما يكتب فوكو في »الانهمام بالذات«, مفهوما فقط كتقنية تدخلية تستعين, في الحالات المرضية بالعلاجات والعمليات الجراحية« بل كان شبكة من المعارف المختلفة التي تشمل علوم الجسد والنفس والفلك والأخلاق والنباتات والفلسفة والمعارف الدينية والسحر والكيمياء وحالات البيئة (برودة, حرارة..) وحتى الهندسة والخطابة.  لقد لخص ميشل فوكو وضع الانسان في العصور الحديثة بعبارة ذات دلالة عميقة حينما كتب ان الانسان اكتشاف حديث العهد إذ انه  لأول مرة في التاريخ يجد نفسه بازاء قوى التناهي والاشتباك معها كقوى خارجيه عن ذاته الانسانية المتناهيه, اذ ذاك كان على قوى الانسان ان تتصدى للتناهي خارج ذاتها, ومن تم لتجعل منه في مرحلة ثانية, تناهيها هي, فتعيه حتماً كمتاه خاص بها. وحينئذ كما يقول فوكو, يركب معها الشكل – الانسان (وليس الشكل الله) وتلك بداية الإنسان.أن مسألة نمو وازدهار خطاب الطب والصحة ليست مسألة علمية فنية خاصة بالمجال الصحي بل تتعين في تلك المجالات التاريخية الحضارية والمدنية والثقافية الواقعة خارج النسق الطبي  حيث يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، وحيث يخلق الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات التي تتشكل في سياقها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين تشكيلاً عميقاً، وهذا هو معنى الثقافة بعدها منظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله كأعضاء في المجتمع، فالثقافة السائدة  في حضارة ما بوصفها نموذجاً إرشادياً (باراديم) إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهارها.و" كلمة ثقافة تطلق مجازاً على الجهد المبذول في سبيل تحسين العلوم والفنون وتنمية القدرات الفكرية ومواهب العقل والذكاء"
وتتميز بعدد من السمات والخصائص منها:
1 -التهيؤ: كما هو الحال بالتربية البدنية التي تهتم ليس بتمرين عضو معين من أعضاء الجسم الإنساني بل بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة للنشاط والطاقة والحيوية والحركة والاستدارة بمرونة ورشاقة.والثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي (الذكاء العاطفي) إذ (هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء) والثقافة بهذا المعنى هي تجسيد لمفهوم الهابيتوس عند بيبر بورديو
بوصفها نسقا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الأخرين والحياة و الكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقاً لهذا التصور، يعد «الهابيتوس» جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل لوجود، بالنسبة للفرد والمجتمع.
2- الاستيعاب؛ بمعنى استخدام المعرفة وتجريبها ذاتيا؛ لأن المرء لا يستطيع أن يتصرف بمعرفة ما إلا عندما يستوعبها ويجسدها في لغته وذهنه وخبراته وتجاربه الاجتماعية. فكل معرفة غير مستوعبة من الفاعلين الاجتماعيين تظل بالنسبة لهم خارجية وغريبة ومستبعدة من حياتهم. فالمعرفة لا تتحول إلى ثقافة إلا إذ توطنت في البنية الثقافية للمجتمع المتعين وصارت نسقًا أصيلًا في تفكيرهم وسلوكهم.
3- الشمول؛ بمعنى القدرة على الربط العميق بين المعارف المستوعبة والموضوعات والقضايا التي تبدو متباعدة، والنظر إليها برؤية كلية قادرة على الجمع بين أجزاءها في نسق فكري ثقافي منطقي واضح ومقنع.
4- الحكم؛ بمعنى القدرة على التجرد والتجريد الذي يعني في العلم (الحلم) وفي الفن (الذوق) وفي الأخلاق (الضمير) وفي الحياة (الفهم) ذلك هو هدف وغاية كل تعليم وتعلم، فإذا كان التعليم يعلم المعرفة فإن التعلم يعلم الفهم وبدون أن يفهم الناس المعرفة التي يدعون امتلاكها تظل معرفتهم بلا قيمة ولا جدوى. والعلم هو أن تعرف كل شيء عن شيء محدد ومتخصص في علم من العلوم بينما الثقافة هي أن تفهم شيء عن كل شيء تعرفه وهذا هو كل ما يمكن انتظاره من الثقافة، وبدون هذا الـ(كل) لا وجود لشيء جدير بالقيمة والاعتبار. لاشك بأن هناك علاقة عضوية بين العلم والثقافة، فالهدف الأساسي من التعليم والتربية هو خلق الإنسان السوي الحر القادر على مواجهة مشكلات مجتمعه وعصره بروح ايجابية وسعة أفق عقلانية مرنة وخلاقة تمنحه القدرة اللازمة على التعاطي الفعال مع واقعه وهويته وتاريخ مجتمعه وقيمه و تراثه في سياق حاضره و تحدياته المتغيرة باستمرار بما يجعله قادر على بناء مركب ثقافي علمي انساني عقلاني جديد يمزج بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر واستشراف المستقبل. وبذلك تكون الثقافة في جوهرها الإنساني التاريخي الابداعي بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وهي فضلا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء.أن الصراع على الثروات والذهب والربح ونمو التجارة والمدن دفع بعشرات الالاف من الناس الى قاع المجتمع حيث البؤس والتشرد والجوع والجهل والخوف وكل الالام، كانت تلك الحشود البائسة الملقاة على رصيف الرأسمالية الجديدة تمثل الشكل الاول لظهور البروليتاريا الحديثة. وكان وضعهم واحلامهم هو اساس اكبر اليوتوبيات في الازمنة الحديثة، بل قل ان التغييرات المتسارعة والواسعة في جميع قوى التاريخ المدنية والثقافة والحضارة التي شهدها المجتمع الحديث قد خلق مناخاً روحياً شديد التفاؤل بالمستقبل وبيئة خصبة لتفتق الخيال والحلم والامل باستشراف المجتمع المثالي السعيد القادم، هذا ما عبر عنه بيكون في كتابه "اطلانطة الجديدة" وتوماس مور (1478-1535م), في (اليوتوبيا) وكامبانبلا في "مدينة الشمس" واذا كان حلم بيكون البارد بمجتمع منظم تنظيماً علمياً تجريبياً افلاطونياً صارماً، فان حلم توماس مور وكامبانيلا، كان حلم من لا يريد هذا التاريخ ويتمنى زواله ولا يحلم الا بحركته من جميع الحركات الى جميع الجهات حول محور العمل للانتاج واللعب للابتهاج والاكتفاء بالذات والاستغناء عن الغير والجمال للجميع، انه حلم ناجم عن رؤية البؤس والفقر والالام، وتحول الناجين من الرق وجماهير المدن الكبرى الجائعين والحطام البشري المتبقى من النظام الافل الى عمال مأجورين تحت رحمة الاله المينفكتورية الجديدة التي تسحقهم بلا رحمة، هذا الوضع البائس قد خلق لديهم الرغبة والحلم، الرغبة في الهرب من تاريخ محكوم بالصراع والظلم والقبح والشر، وحلم البحث عن تاريخ العمل واللعب والابتهاج، ان رد فعل الانا الخلاقة كانت حلماً خافق الجناح نحو البحار القصية صوب المدن الدافئة والمرابع الندية، حيث الخير والحب والمأوى والعمل والفراغ والسعادة، لقد كان هذا الحلم والتمني والرجاء والمثال، الذي حرك خيال هؤلاء الفلاسفة، هو النجاح الذي حققه العلم في تغيير المجتمع، وكان عصر المعرفة الجديد يوشك ان يبدأ وقد وقف بيكون ومور وكامبانيلا على ضفاف الشاطئ الجديد.على مشارف المرحلة الحديثة اذن، كانت هناك اساليب عدة يتحدث بها الاوروبيون عن التغير والزمن والتاريخ غير ان الحكم العام الذي يمكن اصداره على هذه المرحلة هو أن كل ميدان من ميادين المعرفة والبحث كان يمر في نمو وتوسع سريعين، وكان هناك اتفاق عام بين جميع المفكرين والعلماء من كل الاطياف والتخصصات، هو ان العالم، مهما يكن من باقي صفاته، ليس شيئاً ثابتاً ولا ناجزاً، بل هو في كليته وفي كل جزء من اجزائه، في تبدل ونمو وتغير وتطور وصيرورة ويرى "هرمان راندال" في هذا الحس العميق بأهمية الزمن، وبأهمية التبدل التاريخي، الذي يشمل كل شي، (من النجوم والذرات الى المجتمع والعقائد والمثل العليا)، لهو المزاج المشترك في الازمنة الحديثة.أما الى اين يتجه نمو عالمنا الفلكي البشري؟ وهل يصح تسمية هذا النمو تقدماً "او دوراناً او تدهوراً" فمسألتان يختلف فيهما الناس جميعاً. وقد كان ميشيل فوكو فيلسوفاً وسوسيولوجياً للصحة تخترق أسئلته المجال المرئيّ والبسيط للممارسة الطبية والظاهرة الصحية، من خلال ربطه للبيولوجيا والمرض والمستشفى والجنس والجسد والمتعة…الخ، بالسلطة التي اعتبرها فوكو المسؤول الأوّل والوحيد عن صحة البشر وحياتهم وموتهم وولادتهم. وهنا تكمن فرادة أطروحة هذا الأخير، حيث أنّ اتجاهه نحو دراسة البعد الدولتي للبيولوجي، وإبداع مفاهيم جديدة من قبيل "دولنة البيولوجي" و"عنصرية الدولة" "السلطة الحيوية"، "السياسية الحيوية"، "إدارة الحياة" "النزولوجيا السياسية"، "الآليات الانضباطية، الآليات التنظيمية" "الحقّ في الإماتة" و"الحقّ في الإبقاء على قيد الحياة" "إدارة الأجساد" "التدبير الحسابي للحياة" "الاقتصاد السياسي للحياة"…الخ. ، هو ما جعل من الرجوع إلى ميشيل فوكو لدراسة الظاهرة الصحية ضرورة قصوى، لأنّ نزوع بعض الباحثين إلى دراسة تطوّر الممارسة الطبية والقضايا الصحّية المرتبطة بها بعيداً عن السلطة السياسية التي تحتضنها، والشروط السياسية والتاريخية والاجتماعية التي تولد داخلها هو ما أفقد هذا النوع من الدراسات جزءاً من كمالها[1]، ومنح لأعمال فوكو قيمة مضافة علمية تفتقدها العديد من الدراسات التي تدّعي لنفسها دراسة الصحّة والمرض داخل المجتمعات الإنسانية.
ومن الممكن تتبع الجذور الأولى لنمو وازدهار الإنسانية وخطابها الحقوقي التحرري منذ أواخر العصور الوسطى في أوروبا, التي كانت بمثابة التمهيد الثقافي والتاريخي لبزوغ النهضة الأوروبية وانتصار الحداثة الغربية إذ كشفت الدراسات الحديثة أن الأسس الاجتماعية والثقافية المؤسسية والفكرية والفلسفية لمشروع الحداثة الإنسانية قد" وجدت في جامعات القرنين الثاني عشر والثالث عشر المناخ الخصب لحرية الفكر والبحث وتحليق الخيال الحر ودفعت فكرة مفادها أن العالم الطبيعي عالم عقلاني منظم وان الإنسان مخلوق عاقل قادر على فهم هذا العالم ووصفة وصفاً دقيقاً, وأن البشر قادرين على تعميق الفهم البشري إلى حد بعيد باللجوء إلى العقل والوسائل العقلانية واستخدامها لتفسير وفهم هذا العالم الذي نسكنه"
فكرة العقل والعقلانية:هكذا أخذت النظرة الفلسفية الكلية للعالم منذ ذلك الحين تميل إلى العقل والعقلانية وتفسح المجال لحرية البحث العلمي إذ كان أوروبيو القرون الوسطى يؤمنون اشد الإيمان بالعقل, مما سمح بظهور عدد من الأشكال الجديدة من الخطاب العقلاني, القانوني والعلمي والمؤسسي, إذ سرعان ما تجسدت المفاهيم العقلانية في بنى مؤسسية ومنظومة ثقافية ومسلمات ميتافيزيقية, يقول توبي أ هف "يجب علينا أن نقر بالتأثير المستقل الذي خلفته النظم الفكرية الفلسفية في تطور العلم الحديث بسبب التراث اليوناني في الغرب"هكذا فتحت الفلسفة العقلانية الوسيطة آفاق واسعة للحرية حرية التفكير والعمل, حرية الرجال والنساء.
فكرة الحق والقانون
كان المناخ العقلاني الذي ساد أوروبا أواخر العصر الوسيط قد أفضى إلى تخصيب عدد واسع من الأفكار والمفاهيم التي رسخت اتجاهات جديدة في الفكر والسلوك والمؤسسات والقيم, منها فكرة القانون والحق والمؤسسة والحرية والضمير والشك والنقد والشخصية الاعتبارية أي بكلمة فكرة الإنسان بما هو كيان جدير بالاحترام ويمتلك حقوق أساسية وشخصية اعتبارية تحرسها القوانين والتشريعات من الانتهاك.
إذ لم تكن تلك الأفكار والمفاهيم مجرد كلمات ورموز, بل كانت تتوطد بالأفعال والمواقف والممارسة ولاستعدادات الحية ومغازلة فكرة من الأفكار شيء والزواج منها ووضعها في مكانها الدائم بين الأفكار التي يتقبلها الناس على أنها حكمة لا تقبل الجدل شيء آخر, وقيمة فكرة من الأفكار أو مفهوم من المفاهيم لا تكمن في ذاتها بل فيما تتجسد فيه من مؤسسات واستعدادات وعادات وتقاليد إذ أن المؤسسات هي من وجهة النظر السوسيولوجية, أفكار تجسدت في نماذج مفضلة للقيم والسلوك والدوافع والأفعال.
على هذا النحو يمكن التأكيد أن مفاهيم؛ العقل والطبيعة والعقلانية والحق والقانون والمؤسسة والولاية القانونية والحرية الفكرية والشك المنظم, وغيرها قد أرست الأسس الاجتماعية والفلسفية للإنسان الحديث ونهضته الحاسمة والشاملة.
وخلاصة القول أن الأوربيين القروسطيين وضعوا تصوراً للإنسان كان فيه من العقل والعقلانية والإنسانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لاهي بالمتوقعة ولا بالتقليدية مما أثار جزع الجميع وهذا هو ما حدث  ويمكن تلخيص الأسس الثقافية لنمو وازدهار الصحة الاجتماعية في الاتي
1- النظر الى العالم والذات الإنسانية بصورة عقلانية وإنسانية جديدة, إذ أصبحت النظرة إلى الإنسان المستقل بذاته الثورة المنهجية والنظرية التي أفضت إلى تغير الصورة التقليدية عن الكون العالم ولذاته عن النظام الانطولوجيا وعن الكوسمولوجيا الأرسطية التي جعلت منه مجرد حلقة هامشيه ضمن سلسلة لا متناهية من المراتب والغايات والدرجات, أصبحت هذه النظرة الجديدة فلسفة شاملة للإنسان الأوروبي الحديث.
2- الفكرة الفلسفية التي رسخت بان الإنسان مدني بالصناعة والاكتساب والتربية والثقافة والمعرفة والممارسة لا بالفطرة والطبع والغريزة والوراثة "يولد الإنسان وعقله صفحة بيضاء لكن الخبرة والتجربة تنقش فيه أثارها" حسب جون لوك.
3- الفكرة الفلسفية عن الإنسان والحق: الحق الطبيعي الذي هو جملة الحقوق التي يفترض أنها بالطبيعة للإنسان من حيث هو إنسان فرد ذكر كان أم أنثى والتي يستطيع أن يدركها بالبداهة والفطرة في أعماق نفسه كمطلب أخلاقي أساسي, كالحق في الحياة والحرية والكرامة والسعادة والحق, الوضعي الذي هو جملة الحقوق المدنية التي تنص عليها القوانين المكتوبة والأعراف والعادات والتقاليد المتواضع عليها, التي منها حق العمل والتعليم والتفكير والمواطنة واتخاذ القرار وتقرير المصير والزواج والإنجاب.
4- فكرة أن الإنسان هو مصدر المعرفة بقدراته العقلية والحسية, ومعيار الحقيقة ومصدر وغاية السلطة والتشريع وسيد الطبيعة وصانع التاريخ وان مصالحه وسعادته هي الهدف النهائي للتقدم التاريخي. إن هذه الصورة الجديدة التي تبلورت عن الكون و الإنسان ومعناه وحقوقه وقدراته منذ عصر النهضة الأوربية كانت بمثابة الأسس الضرورية التي مهدت لتبلور ونمو خطاب الصحة الاجتماعية المعاصرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بيرق النخوات بني معروف


.. عدم قدرة شركات الرقائق الالكترونية على مواكبة الطلب الكبير


.. وكالة الأنباء التونسية تقاطع كل الأنشطة الحكومية | #النافذة_




.. تخطى أسطورة -ووريرز-.. كوري يصنع تاريخا جديدا


.. موسكو والناتو.. توتّر -القنبلة الموقوتة- | #غرفة_الأخبار