الحوار المتمدن - موبايل


مصطلحات نشاز ما زالت قيد التداول

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 4 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


ثمة مصطلحات نشاز ما زال البعض يتداولها بهدف الإحتقار أو ألإزدراء أو التقليل من قيمة الآخرين لدوافع شتى , قد تكون دوافع إجتماعية ,وقد تكون بعضها سياسية أوطائفية وغيرها. وما نريد الحديث عنه هنا ,وفي هذا الوقت بالذات الذي تعاني فيه بلادنا من أزمات وكوارث لا تعد ولا تحصى بسب الحماقات وسوء الإدارة التي إرتكبها حكام العراق على مدى سنوات , وبخاصه بعد غزوه وإحتلاله عام 2003, وما آل إليه حال العراق من فقرمؤلم مدقع, وتخلف حضاري رهيب في جميع مجالات الحياة, وتفشي الأمراض والأوبئة التي باتت تحصد أرواح آلاف الناس في كل مكان, والتي تتطلب جميعها أن تتكاتف الجهود لإنقاذ العراق من محنته التي لا مثيل لها في بلد حباه الله بالثروات والخير الوفير , إلاّ أن البعض ومنهم ممن يحبوا أن يوصفوا أنفسهم بالمفكرين أو المثقفين أو لنقل ممن نالوا حظا من التعليم في الأقل , ما زال يردد أوصافا نابية بحق شريحة واسعة من مواطنيهم الذين يشاركونهم هموم وطنهم وأفراحه , تارة يوصوفوهم "بالشروكية" وتارة " بالمعدان " , وذلك بقصد إهانتهم وإحتقارهم لا لذنب إرتكبوه , إلاّ لكونهم من سكنة القرى والإرياف التي أهملتها الحكومات المتعاقبة , أو فقراء كادحين لم ينال معظمهم حظه من التعليم , , يمتهنون في الغالب مهنة الزراعة أوتربية المواشي أو مهنا أخرى بسيطة كسبا لقوت يومهم, وهم بذلك يوفرون سلة الغذاء لعموم العراقيين . وقد ذهب البعض منهم إلى أبعد من ذلك بوصف جميع سكان مدن وسط العراق وجنوبه بمصطلح الشروكية , لا بقصد الوصف الجغرافي كما قد يعتقد البعض بمعنى شرق العاصمة بغداد , بل بقصد الذم والإنتقاص من قيمة هؤلاء الناس والإستهانة بهم مهما كانوا .
أكدت جميع قوانين الأرض وشرائع السماء وفي مقدمتها الدين الإسلامي الحنيف على تكريم الإنسان وعدم المساس بكرامته أو تحقيره والإستهزاء به كما جاء ذلك في سورة الأحقاف :
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
صدق الله العظيم


وللحقيقة نقول أن هذه المسميات النشاز ليست وليدة اليوم , إنما تعود جذورها لحقب تاريخية خلت , ففي حقبة العهد الملكي التي إمتدت من العام 1921 وحتى العام 1958 , كان معظم سكان المدن صغيرها وكبيرها على حد سواء والقصبات الحضرية يطلقون تسمية " المعدان " على سكان القرى والأرياف بصرف النظر عن مكانتهم الإجتماعية. تحمل هذه التسمية في طياتها نوعا من عدم الإحترام والتقليل من شأنهم , من منطلق أن سكان المدن أكثر حضارة وتمدنا وعلما وثقافة , وقد يكون هذا صحيح إلى حد ما بالقياس النسبي, لكون البعض منهم قد نال حظا من التعليم , حتى لو كان تعليما بسيطا, ربما لا يتعدى القراءة والكتابة , وتمتعوا ببعض وسائل التحضر من كهرباء ومياه نظيفة ومستشفيات ومدارس وغير ذلك, والتي جميعها لم تكن متاحة يومذاك لسكان القرى والأرياف , مما نجم عنها إتساع الهوة الحضارية بينهما . وبذلك إقترنت كلمة المعدان بالتخلف والجهل بصورة أو بأخرى. عانت هذه الشريحة من العراقيين أكثر من سواها من ظلم وقهر وتعسف , حيث كان شيوخهم وكبار الإقطاعين يعاملونهم كالعبيد سنيين طويلة دون منحهم أجور مجزية لتأمين حياة كريمة لهم ولعوائلهم . والغريب حقا أن هذه التسميات المشينة إقتصرت على سكان قرى وأرياف مدن وسط العراق وجنوبه , بينما لا يختلف واقع حال بقية قرى العراق كثيرا , إن لم يكن حال بعضها أكثر سوءا وتخلفا في جميع النواحي , وكذا حال الكثير من الأحياء الشعبية في بغداد ومدن العراق الأخرى .
أدى هذا الواقع المؤلم إلى هجرة أعداد كبيرة من سكان القرى والأرياف , غالبيتهم من محافظات ميسان وذي قار وواسط إلى مراكز المدن وبخاصة المدن الكبيرة , بغداد والبصرة حيث سكن الكثير منهم في مجمعات صرائف في أطراف هذه المدن , صرائف الشاكرية في جانب الكرخ , وصرائف ما يعرف بخلف السدة في جانب الرصافة ,وصرائف الكزيزة في البصرة ,ولا يختلف الحال في بقية مدن العراق الأخرى , ومارسوا مهنا بسيطة لا تتطلب أية مؤهلات سوى قدرتهم البدنية. وبقيام ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 أنصف الزعيم عبد الكريم قاسم هذه الشريحة بإسكانهم في مدينة خاصة بهم في جانب الرصافة عرفت بمدينة الثورة, بمنحهم قطع أراضي سكنية ومساعدتهم ببنائها, بعد أن تم نقلهم من صرائفهم البائسة في الشاكرية وخلف السدة.ولا عجب أن نرى سكان مدينة الثورة قد هبوا جميعا لصد إنقلاب الثامن من شباط الدامي دفاعا عن الزعيم عبد الكريم قاسم حبا ووفاء لما قدمه لهم , والذي ما زالوا يحملون في قلوبهم حبا راسخا لذكراه العطرة التي يتناقلونها جيلا بعد آخر.
شهدت مدينة الثورة إهتماما خاصا وتطورا ملحوظا في بنيتها الأساسية وتوفير الكثير من الخدمات لها من قبل الرئيس صدام حسين في مطلع عقد الثمانينيات , بهدف كسب ود سكانها وإبعادهم عن الوقوع في شباك الحركات السياسية المعارضة لنظامه , وبخاصة أن النظام الإيراني كان يحرض هذه الشريحة من العراقين على الثورة ضد نظامه السياسي بعد أن قام النظام بتغيير تسميتها مدينة صدام .وسعت إحزاب الإسلام السياسي التي تقلدت زمام السلطة في العراق في إعقاب الغزو الأمريكي وإحتلال العراق عام 2003 إلى توظيف الكتلة السكانية الكبيرة لهذه المدينة لصالحها من منطلق طائفي , حيث أسمتها بمدينة الصدر. وبرغم كل ما قدمته هذه المدينة من تضحيات لم تجن سوى المزيد من الخراب والدمار والفقر والحرمان وتردي الخدمات بصورة غير مسبوقة.
وشهدت صرائف البصرة تحسنا ملحوظا في عهد محافظها ناصر الحياني في عقد الستينيات من القرن المنصرم بتخصيص قطع اراضي سكنية ومساعدة أصحابها ببناء دور سكنية بسيطة لهم في منطقة سميت شعبيا بإسم الحيانية تيمنا بمحافظها . ومنذ ذلك الحين لم يطرأ أي تحسن ببنيتها التحتية , وما زال سكانها يعانون الأمرين. والحق يقال أن مدينة البصرة بمجملها لم تنل حظا من التطوير والإعمار منذ سقوط حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم وحتى يومنا هذا , حيث عانت المدينة وما زالت تعاني من الدمار والخراب الذي أصابها جراء الحروب والصراعات التي جرت على أرضها وبجوارها .
وبرغم التحسن النسبي بالمستوى الحضاري لهذه الفئة من العراقيين, إلاّ أن النظرة الدونية إليهم من قبل البعض والتعامل المشين معها من قبل ذوي النفوس الضعيفة لم يتوقف حتى يومنا هذا , لدرجة أن البعض بات ينكر عليهم إنتمائهم الوطني الأصيل لهذا الوطن على الرغم من أنهم الأكثر تضحية بالدفاع عن الوطن على مر العصور , ذلك أن الفقراء والكادحين كانوا دوما وقود الحروب والصراعات في كل زمان ومكان. يدعى البعض أن ما يسموهم بالمعدان هم من أصول هندية نزحت مع البريطانيين أثناء إحتلالهم العراق عام 1918 , ويدعي آخرون أنهم من أصول فارسية , أو تزاوج نساء عراقيات بهنود أو فرس كما يزعمزن . ومع جلّ تقديرنا وإحترامنا لكل الأقوام والجنسيات في العالم , لكننا نقول أن هذه الأقاويل هي مجرد إفتراءات وتفاهات لا قيمة إنسانية لها ولا يملك مروجوها أي دليل تاريخي يسندها , ذلك أن هؤلاء القوم عراقيون أصلاء وربما أكثر عراقية من سواهم , وهم ملح تربته وأساس حضاراته عبر التاريخ , وبدونهم لا يكون العراق عراقا . وينكر البعض عليهم عروبتهم وهنا نقول لهؤلاء الأدعياء , إذا لم يكونوا هؤلاءعربا أقحاحا , فهل يا ترى من يكون عرب العراق ؟ وكيف يكون العراق بلدا عربيا بدونهم وهؤلاء القوم يمثلون غالبية سكان العراق. والغريب في أمر هؤلاء الأدعياء أنهم كانوا حتى وقت قريب يتشدقون بالعروبة ,على الرغم من أن الكثير منهم من أصول أجنبية وافدة إلى العراق أو من تركة الدولة العثمانية. لا نقول هذا إنتقاصا من عراقيتهم كما هم يفترون على الآخرين , ذلك إننا نؤمن بعراقية كل من ولد في العراق أو من عاش فيه وإكتسب جنسيته شرعا بصرف النظر عن قوميته ودينه ومعتقده ومذهبه , وإتخذ من العراق وطنا له.
ومما يؤسف له أن الصراعات السياسية قد ألقت بظلالها على التركيبة السكانية في العراق المتعددة القوميات والأديان والطوائف وإرتباطاتها المتشابكة مع دول الجوار وتضارب مصالحها , الأمر الذي دفع البعض لإثارة بعض الحساسيات والحزازات بين أبناء الشعب الواحد الذين عاشوا في كنف العراق سنين طويلة , بهدف شق الصف الوطني ودق أسفين بين أبنائه لتحقيق مصالح فئوية ضيقة , موظفين الورقة العنصرية تارة والورقة الطائفية تارة أخرى , والأخطر من كل ذلك التشكيك بالإنتماء الوطني وإزدراء فئات واسعة من الناس بذرائع ودعاوى باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. وختاما نقول أن هذه الأراجيف السخيفة لا تخدم أحدا ولا تصب في مصلحة الوطن الجريح المستباح من كل هب ودب , إنما تزيد آلامه وتفرق وحدة صفوفه وتعطل نهضته من كبوته وتعيق تقدمه , لذا نهيب بكل العراقيين الوطنيين الشرفاء الإبتعاد عن هذه السفاسف والتوجه نحو نصرة العراق وإنقاذه من محنته .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. النجف: واقع خدمي متردي يعيشه الاهالي في حي ميسان بقضاء الكوف


.. أحزاب المعارضة في تشاد تندد -بانقلاب مؤسساتي- وتدعو لفترة ان


.. واشنطن متخوفة من تدهور الوضع الأمني في تشاد بعد مقتل الرئيس




.. المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن: الهجوم الحوثي على مأرب يعد


.. الهند تسجل أعلى زيادة يومية في العالم بإصابات كورونا