الحوار المتمدن - موبايل


العودة الى التراث

كريم الوائلي
(Karim Alwaili )

2020 / 4 / 7
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


حين يمر الانسان بأزمة قاسية فإنه يحاول التغلب عليها بالاندماج الاجتماعي كي يخفف اثار هذه الازمة ، ويحتمي نفسيا باللجوء الى الجانب الروحي/الديني فيؤدي الطقوس الدينية ، ويدعو الله ان يزيل همومه واحزانه ، وفي الحالة الأخيرة ، ربما يكون هناك قدر من الانكماش والتقوقع على الذات .
وقد لا تختلف الأمم والحضارات كثيرا عن حالة الافراد وان كان بشكل اخر مختلف ، اذ تمر الأمم بصراعات حضارية او صدامات حضارية يهدد هويتها ووجودها ، فإنها تحاول الاحتماء بالتراث والعودة اليه ،وتعمل على التفاخر والتباهي بالماضي ، وتذهب تفتش عن الجوانب الإيجابية التي يشتمل عليه ماضيها الزاهر ، وتعقد المقارنات بين هذا الماضي الجميل والحاضر القاسي المرير ، ولذا فإنها تقوم بعملية تعويض نفسي تتجلى بكثرة الحديث عن الماضي وعن جوانبه المشرقة .
ويحتمي الفرد او الأمم بقوى روحية/ دينية ، او تلوذ بما تركة الأجداد للأحفاد من منجزات فكرية واقتصادية وعمرانية وغيرها ، وهذا ما نطلق عليه العودة للتراث ، ولكن التراث ليس محددا لدى الاغلبية الساحقة للامة ، وباستثناء قلة من المتخصصين فان التراث يعني كل ما سبق زماننا ، وما تركه النا الآباء والاجداد ، دون التمييز بين اتجاهاته وتياراته . وبتعبير اكثر تفصيلا كل ما خلفه السلف من آثار علمية وفنية سواء اكانت مادية كالكتب والمخطوطات والاثار وغيرها، ام معنوية كالآراء والعادات الحضارية المنتقلة جيلا بعد جيل
فالأمة العربية والإسلامية ـــ وفي العراق بخاصة ـــ تلوذ بأنماط متعددة من التراث :
تراث يعود الى أمم وحضارات قديمة كالبابلية والسومرية والاشورية ، اذ يكثر التباهي والتفاخر بان العراق اول من اخترع او اكتشف او ابتكر الحرف وأول من سن التاريخ ، وأول من ارسى القانون .
او تراث يعود الى الحقبة الإسلامية ، وعلى راس مكوناته القرآن الكريم والسنة النبوية ، وما حققه الحكام من فتوحات ومغازٍ ، وما ابدع من منجزات حضارية في الفكر والاقتصاد والصناعة والري والعمران وغيرها .
وتحاول الامة تعويض النقص والقصور الذي تعانيه في حاضرها ،ولذلك فإن هناك دعوات عميقة لاستحضار الماضي وبالجوانب المشرقة التي تراها او تتوهمها ، ومحاولة توظيفه في حاضر الامة وجعله هدفا تسعى للوصول اليه في المستقبل ، بمعنى ان الماضي ، وهو موجو (هناك) ، يتحول الى هدف تضعه الان ( هنا ) في الحاضر ، أو تضعه ( هنالك ) في المستقبل دون الوعي بان الجوانب المشرقة التي تحققت في الماضي ـــ مهما كان نوعها ـــ انما هو وليد حراك اجتماعي وثقافي واقتصادي محدد ، بمعنى ان الثمار لم تتحقق لمجرد رغبة الناس لذات الرغبة ، وانما وراء ذلك بنيات تحتية عميقة هي التي كانت الأساس لصنع تلك المنجزات .
ويمكن القول اكثر من ذلك ، ان تكرار التجارب ــ على فرض تماثل الحراك ــ لا يمكن ان يقود الى تحقيق المنجزات التي تحققت في التجربة الأولى ، لان التاريخ لا يعيد نفسه ، ابدا .
وتغفل الامة ويغفل كثير من أبنائها انها حتى حين تتحدث عن منجزات الماضي لا ترى الا الجوانب المشرقة في هذه المنجزات، ولعلها تتوهم وتتضخم صور الأخطاء على انها منجزات ، والانكى من هذا انها تنسى او تتناسى الجوانب البشعة القاسية في الماضي ، كالقمع والتقتيل والتشريد وفرض العقائد والتصورات ، ان هناك حالة نفسية لدى الانسان وكذا الأمم مفادها عشق الماضي والتحدث عنه ، وفي الحقيقة هو حديث عن الجانب اللذيذ والجميل فيه ، اما المعاناة والقهر والقمع فان الفرد والأمة يتناسون ذلك تماما ، وهناك ادلة كثيرة في حياة الانسان الفرد والجماعة ماثلة امامنا.
ومن الجدير بالذكر ان هناك منزلقا خطيرا يقع فيه اغلب أبناء الامة واغلب دارسي تاريخها وحضارتها ، وذلك من خلال منظور سطحي اخذين بعين الاعتبار القناعة الثابتة والمطلقة بجودة الماضي فيذهب الباحثون للتفتيش عن الجوانب الإيجابية لتعضيد وجهات نظرهم تلك ، اما ان يقوم بالكشف عن تاريخ التعذيب فهذا امر ممجوج والمرور عليه نادر ، ويجدر الإشارة الى الكتاب القيم الذي الفه عبود الشالجي عن تاريخ التعذيب في التاريخ الإسلامي ، وهو كتاب يقع في عدة مجلدات .
ان التراث لدى نطاق واسع من مجتمعاتنا المعاصرة انما يمثل كتلة واحدة مصمتة ، وهم يتاسون ان التراث فيه ما هو ديني مقدس كالقرآن الكريم ، وفيه ما هو ماجن كالخلاعة والمجون والفسوق في بلاط الخلفاء والامراء والحكام وغيرهم في علية القوم وعامة الشعب ، وفي هذا التراث تيارات متعارضة ومتناقضة تتفاوت في رؤاها وسلوكياتها ، فالمعتزلة يختلفون عن السلفية ، وبينهما صراع حاد كبير على مستوى التفكير والتكفير ولقد قتل خلق كثير تحت اتهامات الزندقة فقتل عبد الله بن المقفع وبشار بن برد وغيرهما كثير ، وتعرض مفكرون وكتاب كبار للاضطهاد ،ويكفي ان نشير الى محنة احمد بن حنبل حين فرضت المعتزلة عليه رأيها في قضية خلق القرآن ، وان نذكر كيف هجمت عامة اهل بغداد ـــ تحركهم فتاوى ومواقف تكفيريه ـــ على بيت الطبري ( المؤرخ والمفسر الكبير ) ومنعت ان يدفن في مقابر المسلمين ورمت بيته بالحجارة ، مما اضطر اهله الى دفنه في بيته .
وكانت هذه الشرائح الكثيرة من المتعصبين تؤثر في اصدار احكام قضائية كاعدام الحلاج الصوفي الكبير والسهروردي القتيل ، والأمثلة كثيرة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أردوغان يتحدى واشنطن والليرة إلى انخفاض قياسي والإسلام السيا


.. كلمة أخيرة - الفقرة الاولى - مستجدات قضية سد النهضة - مقاطعة


.. روسيا تستهدف ميليشيات الإخوان ذراع أردوغان في سوريا




.. العلمانية مرادف لحرية التعبير وكفيل للحريات في فرنسا


.. المرصد السوري: -فيلق الشام- هو الجناح العسكري لتنظيم الإخوان