الحوار المتمدن - موبايل


مسارات ما بعد كورونا، أو كيف نصنع المستقبل(2)

محمد عمارة تقي الدين

2020 / 4 / 13
الارهاب, الحرب والسلام


دكتور محمد عمارة تقي الدين
تناولنا في المقال السابق ملامح المسار أو السيناريو التشاؤمي كما تصوره دُعاته، والآن دعنا نبحر مع السيناريو الآخر، السيناريو التفاؤلي.
السيناريو الثاني: وهو سيناريو تفاؤلي.
الحقيقة أنه إن تُرِكت الأمور تسير بعشوائية فستندفع البشرية نحو السيناريو الأول(التشاؤمي) أو نحو سيناريو أقرب له، أما السيناريو الثاني هو ما يجب صناعته ثم الدفع نحو تحققه وإنفاذه في عالم الواقع.
وهو في عمقه سيناريو إنساني وأخلاقي في آن، إذ يتحدث عن إمكانية إقامة نظام عالمي قيمي بديلاً عن النظام القائم، نظام عالمي جديد من شأنه الحد من لا قيمية النظام العالمي الحالي وفقدانه لبوصلة أخلاقية.
يرى الفيلسوف السلوفيني سلافوى جيجك أن أزمة كورونا قد تكون اللحظة الحاسمة التي ستقضي على الرأسمالية في صيغتها المتوحشة بعد أن يكتشف الجميع أن العالم لم يعد بإمكانه العيش بطرائقه وآلياته القديمة، وأنّ تغييراً جوهرياً يتحتم الانخراط فيه في التو والحظة، كل ما علينا هو أن نستغل مشاعر التضامن المتزايدة بين الشعوب نتيجة لهذه الأزمة في إيجاد بديل إنساني، ولتكن كورونا فرصة لإعادة النظر في أساليب وطرائق عيشنا الموغلة في النفعية والاستهلاكية، أن ننصت للأرض وهي تتألم من حجم التلوث الذي ملأ رئتيها.
ونحن نشتري ما يزيد عن حاجتنا، علينا أن نتذكر من لا يملك شيئاً، ونحن تحت حصار الفيروسات علينا أن نتذكر حصار الفلسطينيين الأبدي، إنها لحظة داعية لإيقاظ إنسانيتنا، فقد أعادنا ذلك الفيروس إلى حظيرة الإنسانية بمفهومها الروحي والعام فاضحاً زيف المادية النفعية وتهافتها.
يرى هذا السيناريو أنه حينما ينهض العالم من أزمته ستراجع البشرية ما أنتجته من حضارة، تلك الحضارة التي حولت الكرة الأرضية برمتها إلى سلة للنفايات وبرميل بارود على وشك الانفجار.
فها هو الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي وقد اعتبر أن أزمة فيروس كورونا تأتي ضمن إشكالية انهيار الحضارة الغربية بعد أن بلغت درجة غير متوقعة أو مسبوقة من الانحطاط، ومن ثم فهي فرصة لتأسيس حضارة جديدة على أسس مغايرة.
كما يمكن توظيف هذه الأزمة في إذكاء الشعور الديني الحقيقي، ذلك الشعور الذي من شأنه استدعاء قيم التراحم والتسامح والتعاضد الإنساني والمساواة المطلقة بين بني البشر، باعتبارهم يقفون جميعاً على أرضية واحدة أمام إله متعال، يقول الرائع فيودور دوستويفسكي: "الإنسان عندما يمرض يقترب أكثر من العالم الآخر وتتهاوى المسافات بينه وبين السماء"، فقد أعادت تلك الأزمة الإنسانية وردتها رداً جميلاً لهمها المركزي إذ بدأت تتحدث مجدداً في قضاياها الكبرى التي كانت قد أهملتها، لعل أكثرها إلحاحاً قضايا الوجود والعدم، الخير والشر، الحياة والموت، والغاية من وجود الإنسان على ظهر هذا الكوكب فقد عادت أزمة المعنى لتطرح نفسها من جديد بصيغة أكثر قوة، لقد أضحينا حقاً أكثر حاجة إلى أنبياء جدد ليأخذوا بيد البشرية من أجل تصحيح المسار وانتشال الإنسان من مستنقع النفعية المادية الموغلة في لاقيميتها.
يتردد أن الصينيين، حين أرسلوا أقنعة طبية كمساعدات إلى ايطاليا، كتبوا على الصناديق جملة من قصيدة رومانية تقول:" نحن أمواج من البحر ذاته"، إنها وحدة المبتدأ ووحدة المصير.
لقد طرح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس فكرة مفادها أن مشروع الحداثة لم ينته بعد، معتقداً أن هذا المشروع سيواصل سعيه لتحقيق أهدافه في المستقبل، ونحن نعتقد أنه بدأ مرتكزاً على ثوابت خاطئة يتحتم مراجعتها أولاً، فلن تفلح معه المسكنات أو المضادات الحيوية وإنما الاستئصال ثم زراعة الأعضاء، ومن دون شك فتلك اللحظة، لحظة الأزمة، مواتية تماماً لهذا الفعل الحضاري، ومن ثم على آلة الفلسفة أن تدور بأقصى قوة ممكنة لتعيد النظر في كل شئ لوضع تصور فلسفي لملامح النظام العالمي القيمي الإنساني المراد إقامته.
دعنا إذن نحلم مع جاك ديريدا بإمكانية تعرية وفضح القيم الغربية القائمة على العنصرية والتحيز والهيمنة والاستغلال، من ثم الانخراط في التأسيس لقيم بديلة.
حقيقة أن العالم ما بعد كورونا ليس هو العالم ما قبل كورونا، غير أن المشكلة أنه حتى الآن لا النظام الجديد يريد أن يولد ولا القديم يريد أن يرحل، فالقديم الذي شكلته الحرب العالمية الثانية ومنطق الصراع والقوة المسلحة لايزال مُهيمناً، والجديد الذي نأمل في ولادته لم تتشكل ملامحه بعد إذ يبقى جنينياً في طور النطفة.
يبقى القول أن جائحة كورونا، شئنا أم أبينا، ستعيد ترتيب المشهد العالمي إما لمزيد من التعاون والتراحم أو القتال والصراع، لقد تنبأت مجلة فورين أفيرز الأمريكية أن وباء كورونا قد يؤدى إلى إعادة تشكيل النظام العالمى القائم، وفي يقيني أنها قد أصابت كبد الحقيقة.
وفي التحليل الأخير، وفي ظل التحديات الراهنة بكل ثقلها على الواقع الإنساني نعتقد أن الانخراط في وضع سيناريوهات للمستقبل بشكل علمي منهجي قد أضحى ضرورة ملحة، وكما يقول الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر:"كل كائن حي يخلق مستقبله وعليه أن يتحمل المسؤولية كاملة عن هذا الخلق" ، ونحن نعتقد أن بناء مستقبل إنساني قيمي هو أمر ليس بمستحيل شريطة بث الأمل في مستقبل أفضل يمكن تحقيقه إذا ما تضافرت جهود البشرية وتم شحذها لأجل تلك الغاية، أي أن نعمد إلى صياغة سيناريو تفاؤلي إنساني أخلاقي، أن نستدعي الحتمية التفاؤلية النائمة في أعماقنا كما يذهب عماد الدين خليل، وهو أمر يتطلب منا صناعة ثقيلة للعقل الإنساني تستدعي لحظات الخيال القصوى، أي الدفع بالخيال إلى حده الأقصى، فالدراسات المستقبلية هي في حقيقة الأمر خيال مفرط في تمظهراته.
وفي المجمل فهناك السيناريو التشاؤمي، والسيناريو التفاؤلي وهو نوعان: تفاؤلي خيالي، وتفاؤلي قابل للتحقق، هذا الأخير هو ما يجب السعي لتحقيقه وإنفاذه على أرض الواقع.
وأخيراً دعنا نردد مع ناعوم تشاومسكي قوله: " إذا نحن تخلينا عن الأمل واستسلمنا إلى السلبية فإننا نساعد على حدوث الأسوأ، وأما إذا حافظنا على الأمل وعملنا بجد واجتهاد للدفع بوعوده نحو التحقق فإن من شأن ذلك أن ندفع بالأوضاع نحو الأفضل".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أزمة لبنان.. مراوحة في تشكيل الحكومة رغم الحراك الدولي | #غر


.. عملية سياسية بطيئة في سوريا وغياب استراتيجية أميركية | #غرفة


.. ثروت بدوي .. خبير مصري في زراعة الصبار يعرف 12 ألف صنف | #م




.. الحصاد - تصعيد بين روسيا وأوكرانيا ووفيات كورونا تتجاوز 3 مل


.. بريطانيا تودع الأمير فيليب.. وبصماته حاضرة في جنازته | #غرفة