الحوار المتمدن - موبايل


العم منصور خالد مصباح خطاب التغيير والتحرر

سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي

2020 / 4 / 24
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية


سيطر الحزن علي قلوبنا وكاد أن يفقد عقولنا الصواب وسط حالة من الإنكسار النفسي الذي لا يوصف وإن صببنا في ذلك أحبار الأقلام لمئات القرون، فقد كان الفقد جلل، وتعجز العبارات عن تصوير عمق المصاب والحزن المحفور في الحنايا، فلقد مرت ليلة الأربعاء بين بكائيات أنجم السماء المقهورة ونجيع الفراق المتدفق تحت خطوط الصمت الرهيب الذي أطبق كلياً علي أرجاء السودان، فلا نملك زورق لعبور بحار الفجيعة في فقد المفكر والدبلماسي والسياسي الكبير الدكتور الرفيق منصور خالد رائد التنويير وفارس ملاحم التغيير والتحرر في السودان، وشهد العم منصور فصوال عديدة من مواسم الديمقراطية والدكتاتورية التي مرت بها بلادنا، وإختار د. منصور أن يصطلي بشظايا لهيب الدكتاتورية ليضئ طريق الديمقراطية، فكان نصيراً للمهمييشن والكادحيين الحالميين بدولة السلام والمواطنة بلا تمييز التي تتصل بشعار ثورة ديسمبر المجيدة "حرية سلام وعدالة" وهي ذات الثمار التي كان يأمل الدكتور منصور إستطعامها مع جماهير شعبه في السودان وجنوب السودان لكن جاء وقت رحيله فغادرنا بعد أن أينعت وإقتربت ساعة قطافها.

أنشز المفكر الثوري دكتور منصور خالد ضوء جديد علي فضاء الإستنارة معبراً عن تطلعات المجتمع بما خطه قلمه الرصين من مقالات وكتب إضافة لعدة حوارات مسجلة ومنشورة كانت تمثل الأعمدة الأساسية التي قامت عليها حركة التغيير والتحرر وتمددت علي طول وعرض الدولة السودانية وهي حركة مستمرة ومتجددة متصلة بهموم الشعوب السودانية في صيرورة الكفاح المضني للعبور نحو السودان الجديد، وتلك رؤية معبرة تحدثنا عن ماضي وحاضر شعب السودان وجسارة أبطاله في المعارك النبيلة ضد التسلط والفساد والإستبداد، وقد كان الدكتور منصور خالد رفيق صامد وصنديد ومن أطيب الأباء الذين وهبوا أبناء شعبهم بوصلة العلوم والمعارف من أجل تطور المجتمع وريادة الوطن، ويعتبر الدكتور منصور خالد ممن نشروا ثقافة مفهوم الديمقراطية ونسجوا السلام وكتبوا عن وحدة دولة السودان شمالا وجنوبا، واليوم رحل دكتور منصور عن السودان لكنه في يوم رحيله أعاد طرح تساؤلات كبيرة عن مدى إمكانية بناء إتحاد جديد بين السودان وجنوب السودان لتحقيق مصالح كافة السودانيات والسودانيين طبقا للوشائج الثقافية والإجتماعية التاريخية المشتركة لتبادل المصلحة السياسية والإقتصادية بين البلدين، فقد كان للراحل أثر كبير في إستعادة أهم صورة للسودان الموحد، ونعاه الرفيق القائد سلفاكير رئيس جمهورية جنوب السودان وأعلن الرئيس عن "تنكيس الأعلام" في جنوب السودان تعبيراً عن الحزن الذي وحد مشاعر المحبة تجاه "السودانوية" وحداداً مريراً علي فقد السودان جنوباً وشمالا لشخص كان من المناضليين الكبار الذين ناضلوا لتحرير السودان وتأسيس سودان جديد يفتح مسار للتواصل الإنساني الخلاق بين الشعوب السودانية، وتمثل سيرة كفاح دكتور منصور مجهر لإكتشاف معدن كنوز ضخمة لمفكر وسياسي ساهم بكتبه ومقالاته في ترسيخ قيم ومبادئ السلام والديمقراطية ودافع بقوة عن حقوق وحريات الإنسان، فدكتور منصور خالد شخصية من خامات فريدة تصعب الكتابة عنه للإنسان، وما نكتبه لا يفيه حقه كسياسي ومفكر وثوري قاد حراك طويل للدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية لمجتمعات الريف والمدينة مع قادة جيله علي رأسهم رفيقه الراحل القائد الدكتور جون قرنق دي مبيور مؤسس تنظيم الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان والذي كان من أكبر الحركات التحررية في تاريخ دولة السودان بعد إستقلالها المجيد من حكم الإستعمار الإنجليزي المصري، وفيما يلي نورد سيرة مختصرة للدكتور منصور خالد الذي غادر إلي الرفيق الأعلى تاركاً ورائه أحزان في القلوب ممزوجة بآمال شعبنا المتطلع لبناء سودان جديد ديمقراطي موحد.

كان ميلاد الدكتور منصور خالد في الضلع التاريخي للعاصمة المثلثة "أمدرمان" في العام 1931م في حي "الهجرة"، وينحدر الدكتور منصور من أسرة أمدرمانية عريقة جداً، وجده الشيخ "حمد عبدالماجد" وهو شقيق جد دكتور منصور لأمه الشيخ "الصاوي عبدالماجد" الذي كان قاضياً شرعياً عمل في تدريس علوم الفقه، وقد إشتهرت أسرتهم بالتصوف، ودرس الدكتور منصور الأولية بأمدرمان، وإلتحق بمدرسة أمدرمان الأميرية الوسطى، ثم مدرسة وادي سيدنا الثانوية العليا، وبعدها دخل كلية الحقوق جامعة الخرطوم، وقد عمل بعد تخرجه بمهنة المحاماة، وأصبح سكرتيراً لرئيس وزراء السودان في عهد عبد الله خليل (1956-1958) وإنتقل بعدها للعمل في الأمم المتحدة ثم منظمة اليونسكو بباريس، وكان أيضا استاذ قانون دولي بجامعة كلورادو بالولايات المتحدة الأمريكية.

عرفته الأوساط السودانية كاتباً صحفياً وسياسياً ومفكراً يهتم بالتغيير والتحرر والسلام والديمقراطية، وتقلد أرفع المناصب منها وزير للشباب والرياضة والشئون الإجتماعية إبان حكم الجنرال جعفر نميري، وفي العام 1970م تقدم باستقالته من الوزارة رغم اعتراضات الرئيس وكثير من مجلس الثورة وذلك بسبب إشتداد الصراعات الإيدلوجية داخل النظام الحاكم، وبعد إستقالته عمل ممثلاً لمدير عام هيئة اليونسكو "رينيه ماهيو" ضمن برامج التعليم لهيئة غوث اللاجئيين الفلسطينيين، ثم أصبح سفيرا للسودان في الأمم المتحدة، وعمل دكتور منصور في عدة وزارات منها الخارجية ووزارة التربية وكمساعد لرئيس الجمهورية، وفي العام 1978م إستقال من المكتب السياسي لنظام مايو بعد خلافات مع الجنرال جعفر النميري، وعمل كزميل في معهد ودرو ويلسون بمؤسسة اسمثونيان بواشنطن عقب تركه السودان في عام 1978م، وتقلد منصب نائب رئيس اللجنة الدولية للبيئة والتنمية التي انشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982م، ومقرها جنيف، وقد ألف دكتور منصور عددا كبير من الكتب حول السياسة السودانية وقضايا الديمقراطية والسلام نشرت باللغتين "العربية والإنجليزية" إضافة للعديد من المقالات الفكرية والسياسية وضع من خلالها تشخيصاً شاملاً لقضايا وهموم شعوب السودان.

24 أبريل - 2020م








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قناة -ذاكرة الأنصار- الحلقة رقم 74 -أمسية المسرحيين الأنصار


.. العراق .. رسائل لرئيس الوزراء الكاظمي نحو الجوار ونحو المتظا


.. #FreeAhmedSamir مظاهرة في برلين للمطالبة بإطلاق سراح المعتق




.. حفل منظمة بريطانيا للحزب الشيوعي العراقي لذكرى تأسيس الحزب 8


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا