الحوار المتمدن - موبايل


في التواصل الكلامي في الزمن الكوروني

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 4 / 24
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


كلمة ولو جبر خاطر وإلا سلام من بعيد

هنا والآن وقد تحول كوكب الأرض إلى محجر صحي كبير والبيوت زنازين لم يبق للإنسان إدم وحواء إلى الاسماء التي علمه الله في أول التكوين أي اللغة والكلام ومن كل ما صنعه الإنترنت وسيلته الوحيدة للتواصل الفعال في هذا الفضاء السيبرنيتي. والنتيجة النهائية للثقافة، ثقافتك وثقافتها وثقافة كل إنسان بما هو كذلك هي مجموع الكلمات والصور والأفكار وردود الأفعال والاستجابات التي توجد في داخل كل منا في ذواتنا الواعية، فلو لم يكن في ذاتك وفي هذه اللحظة صورة وشكل من ردود الفعل التي يسمونها "القدرة على قراءة اللغة" فإنك لن ترى على هذه الصفحة إلا خربشات سوداء وإشارات ورموز مرسومة على بياض لا معنى لها، غير أنه بسبب تلك الخبرات المكتسبة من التجارب المتكررة ومن خلال التربية والتعليم والتعلم والحياة الاجتماعية، تمتلئ روحك بمشاعر الحماس الوطني لدى سماعك موسيقى نشيد الحرية والكرامة , او النشيد الوطني اذا كان لديك وطنا يعزك وتحبه ، وتحس بالهيبة والإجلال والخشوع عند سماعك تلاوات مرتلة من القرآن الكريم، وتثار في دخيلتك فيض من المشاعر السارة والمفرحة إذا ما قرأت جواباً من حبيب غائب، وكثيراً ما ينتابنا الحزن والحسرة لقراءة مأساة إنسان وعادة ما نحس أنفسنا مفعمة بمشاعر لذيذة ممتعة عندما نقرأ نصاً جميلاً أو ننصت إلى كلمات مثيرة ومدهشة ومرهفة.. الخ وهكذا هي الكلمات، دائماً ما تصيبنا بسهامها وتنفذ إلى أعماق أعماقنا وتهز جوارحنا بعنف وتثير فينا أمواجاً عاتية من العواطف والانفعالات المتناقضة وذلك بقدر ما تحمله من معاني ودلالات ورموز وإشارات، وبقدر ما نمتلكه نحن من قدرة على استقبال وادراك وفهم وتأويل واستجابة لرموزها وأسرارها ودوالها ودلالاتها ، فاللغة و الكلام هو الذي يشكلنا ويشكل ثقافتنا وأفكارنا وقيمنا ومعتقداتنا وأحلامنا وأوهامنا ففي حياة الإنسان لا شيء خارج اللغة بل أن اللغة أو الكلام ليس أداة اتصال وتواصل بين الأنا والآخر، بين الأنت والأنا، فحسب بل وبها ومن خلالها نفكر ونحلم ونحب ونكره، نتذكر الماضي، ونشكو من الحاضر ونتخيل المستقبل، نتعلم ونبدع ونختلف ونتفق، نتقاتل ونتحاور عبر الكلام وفيه وبسببه، فالكلمة نحلة أو ذبابة، حرب أو سلم , قال الشاعر فان لم يبتدر عقلاء قوم ... فان الحرب اولها كلام !) اذ كثير ما نشبت الفتن والحروب بين الناس بسبب كلمة من الكلمات ! وبهذا جاءت الامثال , المرء مخبوء تحت لسانه , او لسانك حصانك لو زلت زل , ومن قال كلمة ما رجع من دونها , ولعلكم تتذكرون حكاية البيت الذي قتل صاحبه ؟ وهكذا فالكلمة نحلة أو ذبابة، فرح أو حزن، خير أو شر. وبفضل ملكة العقل واللغة والكلام. فكيف تكون الحياة، بلا أقنعة بلا لغة أو كلام؟ بلا وهم أو أجنحة؟ رتيب هو العيش لصق المكان ،بلا زحزحة أو تسام، لا شي يذهب، ولا شئ يأتي، كنا وكنتم وكانوا وكان، وما أضيق العيش، لولا اللغة والكلام، فلولا الكتابة لمتنا اختناقا، وقلنا عليها السلام. فعلينا في محنة كورونا أن تفعل الروح الإنسانية الإيجابية بالمؤسسة الكلامية التي يعود لها الفضل في جعلنا كائنات في غاية الحساسية. فتعالوا بنا نحسن التواصل الجميل فيما ما بيننا بالكلمات التي تفيد وتفرح وتبهج وتسعد وتبعث على الأمل والحب والحنان. كونوا" كما السحب تملأ الأشجار وتضفي على خريف أغصانها رونقا، تضفي بعض الكلمات الطيبة على القلوب في محنتنا اليوم كساء الامل.أجلوا ما استطتم لوائح اللوم والمشادات، فالحاضر لا يحتمل ضجيج الكلمات" بحسب تعبير فيلسوفة تونس الخضراء الدكتورة راضية بن عيّاد. لاسيما ونحن في محاجرنا الإجبارية لا حول لنا ولا قوة بإزاء الفيروس الذي باتت يهددنا في وجودنا ‎لقد صار «المنزل» فجأة مساحة «العالم» الوحيدة التي يلوذ بها «الأحياء» من «أجساد» بعضهم بعضاً بعد أن حوّلهم الفيروس إلى آلات عدوى تعمل ببراءة فظيعة، إذْ لا معنى للحديث عن أيّ نيّة وبائيّة قد يبطنها جسم ضد جسم آخر. إنّ المنزل/‏‏‏ العالم الخاص قد صار المعبد الوحيد والأخير، حيث يفرّ الناس بأنفسهم، من العدوى/‏‏‏ الخطر الوبائي العالمي غير المرئي الذي يجعل من كل «آخر» مهما كان نبله أو قرابته، مجرد حيوان أو كائن، ناقلاً لوباء أخرس ‎في هذا «البيت» الذي يقدّم نفسه بوصفه مساحة العالم الأخيرة يشعر المرء بأنّه لم يعد يمكن تحمّل أيّ نوع من الضيافة «غير اللائقة» أي غير المنسجمة مع الحمية ضد العدوى. إنّ متوالية من القيم الأخلاقية قد انهارت فجأة، قال جبران ذات مرة: «لولا الضيوف لكانت البيوت قبوراً" بحسب تعبير الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني. فكل ما يحتاج اليه الناس اليوم وهم في منازلهم هو الكلمة الطيبة. . وحينما يجتمع كورونا مع صوم رمضان تتضاعف حاجة الإنسان إلى الاهتمام والرفق والرحمة والمودة والحنان في هذا الفضاء الاتصال نافذتنا الوحيدة على العالم هنا والآن والكلمة الطيبة صدقة! وإن فقدت مكان البذور التي بذرتها يوما ما، سيخبرك المطر أين زرعتها .. لذا أبذر الخير فوق أي أرض وتحت أي سماء ومع أي شخص .. فأنت لَا تعلم أين تجده ومتى تجده ! ازرع جميلاً ولو في غير موضعه .... فلن يضيع جميل أينما زرع .. فما أجمل العطاء . فقد تجد جزاءه في الدنيا أو يكون لك ذخراً في الآخرة .. لَا تسرق فرحة أحد وَلا تقهر قلب أحد .. أعمارنا قصيرة .. فالبصمة الجميلة تبقى وإن غاب صاحبها ودمتم بخير وسلام...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تلعب تركيا دورا في التوتر بين روسيا وأوكرانيا؟ كيف؟


.. في الأراضي غير الصالحة للزراعة.. هذا هو أصل لعبة الغولف


.. إيران تتوعد إسرائيل بالرد في المكان والزمان المناسبين




.. عمليات عسكرية استباقية لردع -داعش- عن العودة لبعض المدن العر


.. حادث نطنز.. صيبة عين!! وأردوغان.. بطاطا وبصل! | #الليلة_مع_ن