الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإرهاب والجهل المقدس

سامي عبد العال

2020 / 5 / 4
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


عندما يكرر الارهابُ عملياته الدموية دون طائل، فالأمر يدعو للتساؤل الساخر: هل يفهم الإرهابيون العالم حولَّهم؟! هل يدركون شيئاً ذا مغزى؟! هل يؤمن الارهاب عن وعيٍ بأيَّة مبادئ دينية؟! ... الطرح ليس تشكيكاً في عملياتٍ معرفيةٍ أوليّة قد يمارسها الحيوانُ فما بالنا بالحيوان الآدمي!!، لكنه تعريةٌ لذهنية عاجزةٍ– مع أوهامها- عن أنْ تكون حتى أوليّة الطابع، ذهنيةٌ أكلّها الهوسُ بما تحْمل من قيئ تأويلي. إنَّ حشو الذهنيةِ بالتكفير أصبحَ حشواً لا سبيل إلى إفراغهِ، فنصوص وفتاوى الجماعات الدينية هي نصوص مُدمرة، وتأويلاتهم المشوّهة هي تأويلات قاتلة ... لم يبقَ إلاَّ زناد التفجير... وها هو قد حدثَ في سيناء كما حدثَ مراراً ببقاع العالم.

الإرهاب عَادَ من جديدٍ في وضعٍ لم يعد مُجدياً( لو يَفْهَم!!)، وظَهر في سياقٍ لم يعدْ مقبولاً (لو يُدرِك!!) وضَرَبَ في وقتٍ لم يعد مسمُوحاً به دينياً( شهر الصيام!!). إذ قتل الإرهابيون بعض الجنود المصريين في نقطة مركزيةٍ من سيناء، جنوب مدينة بئر العبد. الضحايا ليسوا جنوداً بالمعنى المعتاد، لكنهم حراس وطن مرت عليه آثار الديانات التوحيدية والحضارات القديمة وبصمات الانبياء وآمال الثقافة نحو التنمية والتحديث، بجانب كون سيناء سردية رمزية قابلة للحكي اليومي.

إنَّ أرض سيناء أشبه بصفحات الكتب والوثائق والنقوش الفرعونية في متون الذاكرة المصرية. كلُّ حبة رمل هي قطرة حبرٍ من محْبرة التاريخ، كلُّ غصن زيتون قلمٌ لحياة مترعةٍ بالآمال والأحلام، كلُّ وادٍ هو ظلال مسطورة من وعثاء الماضي تجاه المستقبل، كلُّ آفاق وراء الجبال والهضاب مساحةٌ ممهورة بمعاني الزمن، كلُّ درب هو خط ممتد من عصور الغزاة والطامعين مروراً بعصور التحرر والبناء، كلُّ نقطة على منعطفات الطرق هي ردهات حرة للتفكير والتأمل. لكن مع الارهاب اختلطت الأحبار بالدماء( البيضاء) التي سُكبت لتحريرها من المتربصين على الحدود (الفعلية والوهمية) ولو كانوا في قارات أخرى. جميع خرائط ومدونات الحروب الحديثة والقديمة كتبت عبر تلك البقعة الفيروزية من خريطة مصر.

دماء الإرهابيين التي تتفجر مع الاشلاء هي دماء سوداء، تتخثر في العروق وتأبى الرمال أنْ تتشربها، لأنَّها دماء العار الديني والثقافي بعد تطورات الحياة والعصر. وليس يُعقل إلاَ أنْ تكون دماء هؤلاء هي اللون الواشي إلينا بدماء الشياطين المردة والوحوش الغابرة. هل هؤلاء القتلة يؤمنون أنهم سيدخلون جنة عدن؟! إنَّ دخول الجنة ليس على جثث الأبرياء ولا فوق أبناء المجتمعات الطامحة نحو حياة أفضل. القياس خطأ ومقزز: أنْ تأخذ الجنة رهينةً لما تعتقد وتقتل باسمها طمعاً في النعيم المقيم.

أما دماء الضحايا، فدماء بيضاء مكتوبة بلون الوفاء لأرض التاريخ، وأيةُ أرض لها معانيها ودلالتها حيث تسكن ذاكرة الثقافة التي لا يسمح أصحابها بالنيل منها. أرض الأوطان التي يستحيل أن يفكر فيها إرهابي واحد، ولعلَّ فكرة الوطن هي العجز المخزي للإرهابي عن أن يمارس حياته في إطار دولةٍ، حيث يريد تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة على أنقاض الأوطان كما حاول الدواعش بالعراق وسوريا. وإذا كانت المقولة العامة "أنّ الدم لا يتحول إلى ماء" حيث معاني التعاضد بين الأخْوة، فدماء الشهداء تصبح بيضاء كأنَّها خيوط النور. بيضاء لتسرد ماذا حدث وما هي الحكاية بين إرهاب تكفيري وبين القدرة على تسطير الحرية. لو أردنا أنْ نغزل ثوباً من وعي وفهم لمحاربة الإرهاب، فلن يكون أكثر من ثوب مغزول من دماء الضحايا. فالصور المنقولة لهؤلاء الجنود البسطاء تدحر الارهاب في أي مكان، وتمثل وصمة عار ورجس يلاحق الفكر المتشدد إلى نهايته المحتومة.

ذلك هو ما لم يدركه إرهابيٌ قُحٌ آتٍ من جوف الصحراء حاملا أسلحته الغادرة. فهو- أيا كانت جماعته- لم يقرأ شيئاً ذا بالٍ حتى ولو انكفأ طوال عمره على الكتيبات الصفراء والحواشي المشجّرة عليها. لقد أراق الدماء على أرض " التجلي الإلهي"، سيناء كما جاءت بالقرآن. الارهابيون ما كانوا كذلك غير مدركين وغير واعين لولا "كوكتيل الجهل المقدس" الذي يلف أدمغتهم (الجهل بفكرة الوطن- الجهل بالتسامح – الجهل بفهم الدين- الجهل بمعالم الإنسانية والحضارة- الجهل بالله)، وهم فوق ذلك يدورُون في فلكه كأنَّه غذاؤهم اليومي. فهؤلاء الزاحفون كجراد الخراب لم يعرفوا سيناء ولا رمزيتها... لم يتعرفوا على الحياة بمجمل الكلمة. فماذا ستكون النتائج طالما نالوا من جنودِ وطنٍ ينهضُ من عثراته؟!

لنرى فحوى العبارات الأولى في صدر المقال:

أولاً: (الإرهاب في وضع غير مُجدٍ)، إذْ لو نظرنا بمقاييس الإنسانية تجاه ما حدث بسيناء، سنرى الآن دول العالم كلها تحذر من الأوبئة والأمراض وتتخذ الإجراءات الوقائية حفاظاً على الإنسان، ثم يأتي الارهابيون الغادرون من الظلام لقنص الأرواح البريئة. ولو يُفهم هؤلاء – مجرد الفهم- فإنَّ قضيتهم فاشلة إنْ كانت ثمة قضية من الأساس. ولئن كانت هناك أنظمة سياسية تأخذها الكراهية المجنونة تجاه دولةٍ ومجتمع كمصر، فتشْمت في قتل مواطنيها، فهذا أمر مزري.

لقد غدت أنظمة بعض الدول العربية والاسلامية قاطعي طرق على الدول الأخرى، ولم تكتف بهذا بل قدمت رعايةً كاملة الاقامة والأموال والدعم لقيادات الارهاب، وما زالت تمثل الوكيل الإقليمي لأمريكا والغرب في استعمال الارهاب لأغراض إقليمية. وهذه الدول تجهل بالمثل أنَّ الارهاب لعبة ماكرة ستنقلب يوماً على أصحابها ومؤيديها. وأن صلاحية الوكيل المهرج لن تستمر، فبمجرد استنفاد أدوار العمالة على خريطة القوى العسكرية الكبرى، ستُلقى أنظمة هذه الدول في خرائب التاريخ.

إنَّه عمل دالٌ على الوقاحة في حق البشرية وليس في حق دولةٍ أيا كان نظامُها. للأسف لم نعتد في حياتنا أن نتجرد من الهوى في لحظات فاصلة ولو بمنع الموت عن سوانا أو عن صدورنا. كيف نتسق مع أنفسنا حين نزعم الخوف على البشر من كورونا بينما ندفع إرهابيي الدم لقتل الآخرين!! أليست الدماءُ واحدة في كل الأحوال؟ أليس إنسانُ دولة داعمة للإرهاب هو نفسه دماء إنسان دولة أخرى أم أن الانسانية تتجزأ؟!

ولو بمقاييس الحياة والتخطيط ما كان ليفهم الارهابي أعماله الخبيثة ضمن الأحوال التي يمر بها العالم حالياً. بالأدق سيعتبر الناس أنَّ الإرهاب فيروس قاتل هو الآخر، بل أشد فتكاً من كورونا. هذا هو منطق الحال طالما أنَّ هناك قتلاً بقتل، والشبه لا تخطئه العيون والعقول، فالفيروسات تقتل في خُبث وخفاء دون أنْ يعلم الضحايا ماذا يحدث لهم، وكذلك الإرهابيون يمارسون حيل التسلل والالتفاف والانقضاض على الأبرياء كالثعابين الرقطاء.

أية كائنات هذه التي تتحدث عن التكفير والموت كأنهما أفيون الذهنيات التكفيرية؟! إنه لمن المفارقات أنْ يقتنص الارهاب الفرصة ليلدغ جزءاً من مصر ولحمها الحي( سيناء) بينما هذا الإرهاب يعالج نزعات الهزيع الأخير من الحياة. لم يعد أـحدٌ كائناً من كان يمكن أن يصدق دعاة الإرهاب قولا وفعلاً. واتصور أنهم أنفسهم لم تعُد لتجدي عودتهم من عمليات الانتحار الجماعي التي يمارسونها بمواصلة عملياتهم. حقاً فلقد حكموا على انفسهم ومعتقداتهم بالموت، لكنهم ينتظرون ساعة الصفر في أية عملية يقومون بها.

وحتى الناس العاديين فهم متأهبون بحكم الحذر من الكورونا لرفض الإرهاب جملة وتفصيلاً. وصحيح شوارع العالم فارغة من مواطنيها، غير أنَّ البيوت والمنازل عامرة وجيّاشة بالرأفة والشفقة على كل مصابٍ. فما قولنا في عمليات قتل إرهابي بدم بارد في مساحة تاريخية مشهورة؟ كل الأخبار الواردة من انحاء العالم تدل على رفض أي إرهاب على أية بقعةٍ. فالإرهابي واحدٌ( هنا أو هناك)، لا فهم عقلاني يمتلكه ولا بعد نظر
وإلاَّ لما سلك طريقه المغلق والمنتهي إلى الموت.

ثانياً: ( الإرهاب في سياق عبثي)، فالدولة المصرية تمتلك من الدُّربة والخبرة القويتين ما يؤهلها لمحاربة الإرهاب. ومن ثمَّ فالعمليات الاخيرة في سيناء انتحار ذاتي للإرهابيين مع سبق الإصرار والترصد. ولأول وهلة ليس أكثر غباء من ممارسة التأثير في القوة التي يحاربونها بمنطق الانتحار كمن يشعل النيران في نفسه لإحداث ضرر بعدوه. فهذا العمل لن ينال من رمزية الدولة المصرية، فقط العملية مجرد ارباك هش للأخبار السائلة. وربما لم تزد عن شارة حداد على بعض الفضائيات وعن عناوين ترددها الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي!!

الإرهاب- من صُدف الجهل السعيدة- ليس نتيجة سياسات للموت مدروسة تجاه الدول، لأن القائمون به منتهون قبل أنْ ينفذوا الجريمة. ألم يسأل ارهابي نفسه من يقف وراء الدولة؟! من هؤلاء الضحايا بالنسبة للمجتمع المصري؟ فهؤلاء الشهداء من أفراد الشعب، هم من عموم الناس البسطاء. إذن الإرهاب يعادي المجتمعات بشكل مباشر رغم نأي مسرح الموت بشمال سيناء.

وعندما يجد الإنسان العادي أنَّ أبنه من بين الضحايا، فلن يبكي إلاَّ توطئة لإهالة التراب على منْ فعل، ولن ينال ذلك من عزيمته بالمقابل. سيكون مُصرّاً على ملاحقة الإرهاب، بل سيقلع جذوره من الأدمغة إنْ أمكن. وحتى إذا أراد إرهاب الدماء القول أمام النظام المصري أو غيره بأنَّه مازال على قيد الحياة وأنكم لا يجب أن تكونوا في مأمن، فالعمليات هي النزع الفاشل للجماعات التكفيرية. واللافت أن كل عناصر المجتمع المصري يدركون ذلك تماماً، لأن الحيوانات المفترسة قد تفتك بإنسان ما، غير أن الآخرين بترابطهم سيفتكون بها وستنتهي عاجلاً أم آجلاً.

ثالثاً: ( الإرهاب في وقت غير مسموح به بتاتاً)، فقد ضرب الجنود في شهر الرحمة والتبتل والعطف على الآخرين( شهر الصيام) كما هو مشهور لدى جموع المسلمين. ولا يعني ذلك أنَّ الإرهاب مسموح به في وقت تال أو سابق، فالإرهاب مرفوض بتاتاً بأي وقت وبأي شكل.

لكن الأغرب أنَّ هؤلاء الارهابيين لو عاد بهم الزمنُ لعرفوا أن شهر رمضان هو كف حتى الجوارح والخواطر عما يفسد الصيام. مجرد الانشغال بالرغبات بخلاف الإخلاص– في عرف أهل العرفان- يفسد الشعيرة ويفسد الغاية منها( التقوى). إذن الصيام يعري الإرهاب في أصل معتقداته، لكونه يتخذ الشعائر مطيّة لتحقيق مآربه السياسية. وأنه حتى أفرغ الشعائر الدينية من مقاصدها الكلية وضيق المساحة بين الوسيلة والغاية باستعمال الاثنين بشكل عنيف.

ليس شأن الدين – أي دين- أن يتحول إلى سكين لجز الرقاب، ولا يجب أنْ تكون الرقاب مهيأة من الأساس إلى هذا الأمر. لأن "الفعل ورد الفعل" ينزعهما الدين من أيدي الارهاب. وهذا معناه أن الارهاب هو اختراع عنيف لدين يخص المعتقدات الدموية لرعاته ومنفذيه، لأن التأويل الشرير في مثل هذا الحال اخذ مكان الأصل وجعله تابعاً.

ومن المرات النادرة في تاريخ الموت أن يبلغه حمقى يبررونه بفتاوى تستحل دماء أي إنسان. فتلك العمليات هي تكفير عملي وليست أقل من ذلك، هي الامتلاء بالكراهية حد التخمة، لدرجة أنها تخرج أصحابها من دائرة الإنسانية.

إن الارهاب خلل بنائي ووظيفي( بلغة البنائية الوظيفية) في أصل الفهم، تماماً مثلما استمرأ القتل والذبح بالجهل. والجهل هنا جهل مركب(عنقودي)، بمعنى أنه يسطح بذات التركيب النصوص والتأويلات المحفوظة ويسيء استعمالها. ليس هو جهل بلغ حد الصفر أو أنه جهل أتٍ من اللاشيء(غير المتعلم)، بل هو "معرفة جاهلة" إنْ صح التعبير بكل أخيلتها وترسانتها الفكرية... معرفة جاهلة بالحياة والقضايا الإنسانية التي تنطوي عليها وجاهلة بتطوير منظومة المعرفة الدينية وتحديثها. إنه "جهل ماكر" في استثمار الموت، لكنه قمة التفاهة بالوقت نفسه. السخافات والتناقضات لن تنتهي لو دققنا في الاشياء والأفكار الصغيرة، فالإرهاب كامن في التفاصيل.

هذا الجهل المتعدد تعاني منه المجتمعات العربية منذ أزمنة بعيدة وأوصلها إلى هذا الحال، والجهل المقدس أحد وجوهه البارزة والمدمرة، إنه الجهل المتعالم الذي ينتشر في السياسة والاعلام والتعليم،... عندما تقودك المعارف المحفوظة والمحشوة في أدمغتنا بلا هوادة إلى تدمير التنوع وعدم القدرة على الاختلاف وتضييع ثروات المجتمع الثقافية والإنسانية. الإرهابيون يحفظون والتلاميذ يحفظون والاساتذة يحفظون والقراء يحفظون والسياسيون يحفظون... كل هؤلاء يقدسون جهلهم بما يجب تطويره من قدرات. وإنْ كان الارهاب هو النتيجة المأساوية لحفظ مدونات تراثية قد قتلت أصاحبها بلا رحمةٍ، وأبى أصاحبُها بالمقابل إلاَّ أنْ يقتلوا الآخرين منقادين لأغراض جماعتهم الجاهلة هي الأخرى.

إنَّ نزع جذور الإرهاب لن يكون إلاَّ بنزع هذا الجهل، الارهاب فكر ورؤى للحياة والعالم والتاريخ بالمقام الأول، وليس يتم التخلص منه بالسلاح ولا بالقتل المعكوس. لأننا ببساطة قد ندخل في دائرة حيوانية من القتل والقتل الموازي، وهذ سيوسِّع مساحة الدماء. إنَّ الفكر الثري الذي يعتمل بإنسانية الإنسان هو الحل المبدئي، الانفتاح وتحرير الدين من أيدي أية قوة جاهلة هما الرافدان لهذا الفكر. فلا أتصور أنَّ ارهابيا قد قرأ شيئاً مغايراً لما يحفْظ، ولا قد فهم نصوصاً (وهي المحجوبة عن النظر بالنسبة إليه) بشكل مختلف. إنَّ عدم وجود هذا الاختلاف الجذري يعني انعداماً لأي إنسان داخل الارهابي قبل أنْ يقتله بالخارِج.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حتى الشبابيك تأتي من خارج سوريا.. هل تُساهم العتبات الشيعية


.. فرنسا: الرموز الدينية استفزاز في المؤسسات التعليمية؟ • فرانس


.. خبير إيراني يتوقع ما سيحدث في البلاد بعد وفاة المرشد الأعلى




.. احنا نسمع عن اللي تتخطب من المسجد أو من الشغل أو النادي.. بس


.. قلوب عامرة - د. نادية عمارة تجيب على سؤال بخصوص (الصلاة في ا