الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكساد العظيم: كيف يقود الانهيار الاقتصادي إلى الحروب

كلكامش نبيل

2020 / 5 / 10
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


بسبب مخاوفي المبكرة من تراجع الاقتصاد على مستوى العالم جراء أزمة جائحة فيروس كورونا – وهو ما يتحقق اليوم بسرعة كبيرة مع خسارة 30 مليون شخص وظائفهم في الولايات المتحدة وحدها – قمتُ بمشاهدة وثائقي (1929: الكساد العظيم) من اخراج ويليام كاريل عام 2009 الذي تستغرق مدته 100 دقيقة. يستضيف الفيلم خبراء اقتصاديين مهمين بينهم حائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد. يتطرق الفيلم لدمقرطة البورصات في عشرينيات القرن الماضي ومشاركة كل الناس – حتى الهواة في المضاربات – وانخراط أبسط الناس في سوق وول ستريت، بما في ذلك مضاربين في القرى والأرياف، واعتبار ذلك نوع من هستيريا اللعب والحلم بالربح السريع. يذكر الفيلم شراء الملايين من الأميركيين للسيارات في وقتٍ كانت فيه السيارة رمز للرفاهية. لم يحصل أمر مماثل في أوروبا بالطبع التي أبقت البورصات أرستقراطية نخبوية. مع صعود أسعار الأسواق، وعدم توقع عامة الناس لاحتمالية الخسارة، استمرت الهستيريا في النمو - على الرغم من تحذير الخبراء من خطورة ما يحصل. فجأة بدأ انهيار الأسعار وسارع الناس في بيع أسهمهم وبدأت الأسعار تهبط بشكل أكثر ويبيع الناس بسرعة أكبر ليقود ذلك إلى المزيد من الهبوط. من أهم ما يرد في الفيلم الحديث عن هستيريا الخوف وكيف أنها تؤدي لمزيد من الخسائر، مع سحب النقود من البنوك وافلاسها وتوقف الاقراض وهبوط أسعار العقارات واحجام الناس عن الانفاق بسبب البطالة التي أدت لاقفال أعمال أخرى وإضافة المزيد من العاطلين عن العمل. باع الناس سياراتهم الفارهة بمئة دولار وأقل، وكانوا يبحثون عن اي فرصة عمل بلا جدوى.

كان الأمر بمثابة شلال متتابع من الخسائر والقرارات الخاطئة أدت لرمي الناس في الشوارع لصعوبة دفع الايجار، ونشأت مدن الصفيح "الهوفرفيل" في نيويورك وكل مكان. ببساطة، كان هناك طعام ولا أحد يمكنه شراؤه وهناك عقارات فارغة والناس تقيم في الشوارع. يتحدث أحد الضيوف عن ذكرياته وكيف أن والده اضطر للعمل في بيع ربطات العنق في الشارع وشعوره بالخجل من ذلك ومن ثم عمل الأب في التنظيف وبعدها في تنظيف زجاج المباني وكيف قتل بسبب ذلك ويذكر انتشار مطابخ الحساء وخجل والدته من الوقوف في تلك الطوابير. يذكر التقرير أيضًا "سيرك الرقص" حيث يشارك الراقصين (رجل وامرأة) في رقص مستمر لأيام متواصلة حتى الإعياء طمعا بجائزة قدرها 500 دولار للزوج الراقص الذي يبقى حتى النهاية، فيما كان الخاسرون يحصلون على وجبة طعام. بالطبع أضرّ التأثير بالطبقة الوسطى بشكل أكبر لأن الغني يمتلك فائض من المال والفقير معتاد على وضعه المأساوي.

الفيلم غني بالتفاصيل ويوضح إشكالية الطمع وما قاد إليه، وكيف سحبت أميركا أموالها من ألمانيا – التي لم تتعافى بعد من الحرب العالمية الأولى – وبذلك انهار اقتصادها وانتشرت مطابخ الحساء وبحث الناس عن الطعام في القمامة ورافق ذلك تصاعد في دعم النازية ومعاداة السامية وتحميل الأجانب واليهود مسؤولية ذلك. يذكر الفيلم تأييد هنري فورد للنازية! وتأليفه كتاب اليهودي العالمي وكيف كانت النازية منتشرة في نيويورك أيضا وانتشرت جماعات الكلوكلوس كلان ضد السود والأجانب واليهود. الفقر يقود للعنصرية والكراهية. يذكر ضيف آخر فصل والده الطبيب الناجح والماسوني من إدارة مستشفى وتعرضه للضرب في طفولته في ألمانيا بسبب يهوديتهم. بعد ذلك يفوز روزفلت في سباق الرئاسة ويحاول تغيير الوضع من خلال ادخال الضمان الاجتماعي ويذكر الفيلم أن ما جرى قاد لعرقلة التعافي بسرعة من الاقتصاد لأنه ساهم في تأسيس النقابات – ولم تكن تضم السود – ولكنها قادت للكثير من الاضرابات التي تم قمعها من قبل الجيش. ساهم الكساد – في الولايات المتحدة وألمانيا أيضًا – في تنفيذ مشاريع كثيرة مثل شق الطرق ومد سكك الحديد وبناء السدود والمدارس من أجل توفير فرص عمل وتقليل شعور الرجال بانعدام قيمتهم.

يذكر الفيلم طريقة طريفة اتبعها روزفلت لإعادة ثقة الناس بالبنوك وكيف قام باغلاقها واعادة افتتاحها بعد تحديد أسعار كل شيء. لطالما شدّتني صورة أيقونية لأم أميركية مزارعة مع طفليها – كنت قد رأيتها في طفولتي في موسوعة لبنانية صادرة في سويسرا – تبين سوء أوضاع الريف الأميركي وطرد الفلاحين من مزارعهم وخسارتهم أملاكهم أبان الكساد العظيم. اكتشفت من خلال التقرير أن بعض الصور كانت بروباغاندا ضرورية في تلك الفترة لتبرير بعض القرارات. القصد أن الفقر حقيقي ولكن تمت مبالغة تأثير تلك الصور بحسب الفيلم. كما يذكر الوثائقي اغلاق كاليفورنيا أمام الفقراء الهاربين من مناطق أخرى واحاطة حدودها بالحرّاس. يذكر الفيلم أن التعافي التام لم يتحقق حتى قيام الحرب العالمية الثانية، وهي مفارقة مؤسفة، لأن الحرب ساهمت في إيجاد فرص عمل في مصانع الولايات المتحدة ولهذا كان بعض الأميركيين متخوفين من أن نهاية الحرب ستعيد الكساد من جديد. الفيلم يذكر تفاصيل مهمة عن جوزيف كينيدي الأب، وزير الخزانة في زمن روزفلت ووالد الرئيس جون كنيدي. إذ أن جو كينيدي الأب جنى الكثير من الأرباح في تلك الفترة ولم يوافق الأميركيون على تعيينه لكن روزفلت اعتبره الشخص المناسب الذي يعرف كل الحيل. الفيلم مهم للغاية ورسالته الأساس أن الذعر والخوف هو أكبر عدو للإنسان وهو ما يساهم في اتخاذ قرارات خاطئة، فضلاً عن إدانة الجشع، وكيف قاد ذلك لمزيد من الفقر والعنصرية والحروب. أنصح جدا بمشاهدة هذا الفيلم ولكنني أعتقد أن الكساد الحالي يختلف كثيرًا عمّا حصل في عام 1929 لأن سببه يرتبط بتوقفنا عن العمل اجباريًا بسبب الوباء وليس بسبب نزول القدرة الشرائية وأسعار البورصة وأن الوضع قد يتعافى بسرعة بعد العودة إلى العمل.

رابط الفيلم الوثائقي:
الجزء الأول: shorturl.at/hkOT4
الجزء الثاني: shorturl.at/dsvP6








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الكورونا
رائد محمد نوري ( 2020 / 5 / 11 - 07:21 )
عد إلى التحذيرات قبل جائحة كورونا كلها تتحدث عن أزمة اقتصادية خانقة، فطلال أبو غزالة الذي يستقي معلوماته من دراسات أوربية مثلا كان يحذر من كساد قادم وحرب عالمية ثالثة منذ عام 2017
لم تفعل الجائحة غير تسريع انهيار الدولار.
تحياتي

اخر الافلام

.. لبنان وإسرائيل.. اتفاق الترسيم وعقدة التعديلات | #غرفة_الأخب


.. تركيا.. أردوغان يصدر مرسوما بتعيين أوزكان تورونلار سفيرا جدي


.. إسرائيل ترفض الملاحظات والتحفظات اللبنانية على مسودة اتفاق ا




.. قتلى في قصف تركي على سنجار شمالي العراق


.. إسرائيل ترفض التعديلات اللبنانية على مسودة اتفاق ترسيم الحدو