الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فلسفة الفن عند زكي نجيب محمود1/ 2

داود السلمان

2020 / 5 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


حاول الدكتور زكي نجيب محمود أن يوفق بين وحدتين عقليتين فلسفيتين، لا اقول متناقضتين، بل اقول: مختلفتين، هما فلسفة الشرق وفلسفة الغرب، ووضع بينهما قاسم مشترك، اطلق عليه اسم "فن" وجعل من هذا الفن معيار توفيقي يسوق به حديثه ليصل بنتيجة اعتبرها كمصداق مغيّب. فزكي نجيب محمود، كأنه في هذا المضمار أن يتبع- في طرحه هذا- ما طرحه الفارابي وهو يوفق بين افلاطون وتلميذه ارسطو في كتابه الموسوم "الجمع بين رأيي الحكيمين". حتى لقد قيل أنّ الفارابي اخفق في طرحه هذا وقال آخرون: بل أنه قد وفق بما طرحه.
فيقول المؤلف في كتاب -الشرق الفنان- :" ونحن إذا أخذنا «الفن» بمعناه الواسع، شمل فيما يَشْمله تصوُّفَ المُتصوِّف وخشوعَ المتدين؛ لأنَّ هذه كلها جوانبُ لوقفةٍ واحدة، هي وقفةُ مَن يدرك العالَمَ برُوحه لا بعقله". ويريد القول أن الفن كمعيار فلسفي وكنظرة ذات ابعاد جمالية تفضي، بالشرق والغرب أن يتفقا على أن جميع ابعاد الكون والوجود وما بينهما من متعلقات ووجهات نظر قد تكون مختلفة لما ينظر لها بعض الفلاسفة، لكنها في حقيقتها واحدة متكاملة، الا وهي البعد الجمالي المتصف بالفن.
واعتبر المؤلف أن التصوّف والتديّن والنحت والتصوير، والجميل والجمال، وكل ما هو يرمز الى روح الخير والعطاء والابداع، فكله يصب في خانة الفن، ويذوب في بوتقتها، وبالتالي فهو يوحّد النظرتين: الشرقية والغربية ليصبحا نظرة واحدة أو بمعنى آخر نظرة مشتركة.
لذلك قال: "سأستعمل كلمةَ «الفن».. بأوسع معانيها، وهو أن ينظر الإنسانُ إلى الوجود الخارجي نظرةً ذاتية مُباشِرة، كأنَّما هذا الوجودُ خَطْرة من خَطَرات نفسه، أو نَبْضة من نَبَضات قلبه، وتلك هي نظرةُ الرُّوحاني ونظرةُ الشاعر ونظرةُ الفنان، وهي نظرةٌ تتمُّ على خطوة واحدة، بخلاف العِلْم النظري الذي تتمُّ نظرته إلى العالَم على خطوتَيْن؛ ففي الأولى يتلقَّاه كما تَنطبِع به الحواس انطباعًا مباشِرًا، وفي الثانية يستخلص من مُعطَياته الحسية نظرياتٍ وقوانينَ يصوِّر بها مَجْرى الظواهر والأحداث".
فالمُعطَيات الحسية والنظرياتٍ والقوانينَ، إذن، هي الادوات التي يريد أن يشتغل بها في تفسير الظواهر والاحداث التي ينظر لها كلٌ من: الشرق والغرب، وكل واحد منهما يضع فلسفته من منظاره الخاص، في تفسير لما نراه اختلافا، لكنه في الحقيقة ليس كذلك. "وهذه التفرقةُ التي تجعل من الشرقيِّ فنانًا يُدرِك الحقيقةَ بذوقه، ومن الغربي عالِمًا يُدرِك الحقائقَ بالمُشاهَدة والتجرِبة والتحليل والتعليل، لا تنفي بطبيعة الحال أن يكون في الشرق علماء، ولا أن يكون في الغرب رجالُ فنٍّ ودِين، لكننا نُطلِق القولَ على وجهٍ من التعميم الواسع الذي يُفسِّر بعضَ التفسير ما هو شائعٌ على الألسنة من وصفِ الشرق بالرُّوحانية، ووصفِ الغرب بالمادية".
لا شك، أن البيئة لها تأثير مباشر على نفسية البشر، لطابع تلك البيئة من حرارة ومن يبوسة ومن قضايا لها علاقة بالتضاريس، هذه وغيرها مما تشكل عامل تغيير، بالإضافة الى العامل النفسي، وكذلك العامل الاخلاقي، فمثلا نجد الانسان الذي يسكن الصحراء الرملية هو مختلف جدا من الناحية الاجتماعية والنفسية، عن الذي يسكن المناطق الخضراء المتواجد فيها المياه والاشجار والنباتات الاخرى، وتخلف كذلك من الذي يسكن البادية عن الذي يسكن المدينة، والذي يسكن الجبال يختلف عن الذي يسكن المناطق المستوية، وهكذا دواليك. وبالتالي تخلق هذه العوامل بيئة متغيرة يمكن أن تحد من مزاجية الفرد، فلا نستبعد أن الغرب يوغل بالطابع والمادي، والشرقي يوغل بالطابع الروحاني. وكذلك قد تكون هنالك اسباب أخرى كالعامل الثقافي مثلا.
وحتى يسير في جادة بحثه في مضمار الفن، ليوصل ما يريد قوله بطابع استدلالي، بعد أن بيّن ملامح البحث ورسم خارطة طريق، عرّف محمود الفن: "فالفنُّ مزيجٌ متداخِل ممَّا هو جُزْئيٌّ ظاهرٌ للعين بادٍ للحواس، وما هو خَبِيء خفيٌّ مُستعصٍ على إدراك الحواس".
فهل يريد المؤلف أننا عن طريق الفن- والفن بكل معاييره ومسمياته - أن نصل الى مرام اهدافنا عن هذا الطريق؟ أو لكي نفهم الحياة. فيطلب:" انظرْ إلى العالَم من داخل تَكُن فنانًا، أو انظرْ إليه من خارج تَكُن عالِمًا؛ انظرْ إلى العالَم من باطن تَكُن شاعرًا، أو انظرْ إليه من ظاهر تَكُن من رجال التجرِبة والعِلْم؛ انظرْ إليه وجودًا واحدًا حيًّا تَكُن من أصحاب الخيال البديع المنشئ الخلَّاق، أو انظرْ إليه كثرةً من ظواهر يَصْحب بعضُها بعضًا، أو يَعْقُب بعضُها بعضًا، تَكُن من أصحاب العقل النظري الذي يستدلُّ النتائج ويُقِيم الحجَّةَ والبرهان".
إن النظر بعمق الاشياء، تصل بالإنسان معرفة خفايا تلك الاشياء، وتكشف جوهرها، والنظرة هاته، بطبيعة الحال، هي نظرة فكر ذو بعُد وتجربة ذهنية، تجربة تأملية، روحية، للغوص في جمالية تلك الاشياء، التي قد تجدها من الخارج خالية من روح الجمال، لكن الغوص في اعماقها ستجد ذلك الجمال المياس، الجمال الحقيقي، الذي تطمأن اليه الروح وتهفُ اليه الافئدة.
فحقائق الاشياء تجدها في الفلسفة الهندية- التي تتجلى عن طريق الحدس، وهذه النظرة تجدها نفسها عند متصوفة الاسلام وفلاسفتها: ابن سينا، ابن عربي، السهروردي." الفكرةُ تتكرَّر عند الهندي في أسفار «يوبانشاد»، تكرارًا يتَّخِذ صورًا شتى، لكنها صورٌ تجتمع كلها على رأي واحد، وهو أنَّ حقائقَ الأشياء تُدرَك بلَمْح الحَدْس ولا تُرَى بالأعين الظاهرة، فاستمِعْ مثلًا إلى هذا الحوار بين مُعلِّم وتلميذه:
المعلم: هاتِ لي تِينةً من ذلك التين.
التلميذ: هذه هي يا مولاي.
المعلم: اقْسِمْها نصفين.
التلميذ: ها أنا ذا قد قسمْتُها يا مولاي.
المعلم: ماذا ترى هناك؟
التلميذ: أرى هذه الحُبَيْبات الدِّقاق يا مولاي.
المعلم: اقسِمْ حُبَيْبة منها نصفَيْن.
التلميذ: ها أنا ذا قد قسمْتُها يا مولاي.
المعلم: ماذا ترى هناك؟
التلميذ: لا أرى شيئًا قطُّ يا مولاي.
المعلم: نعم يا ولدي، فهذا الجوهرُ الذي هو أدقُّ الجواهر، والذي لا تستطيع العين رؤيتَه، هو نفْسُه الجوهرُ الخفِيُّ الدقيق الذي نبتَتْ منه هذه الشجرةُ العظيمة، فصدِّقْني يا ولدي، إنَّ رُوحَ العالم هو هذا الجوهر الذي ليس في دِقَّته وخَفَائه جوهرٌ سواه؛ هذا هو الحق في ذاته، هذا هو الخالق، هذا هو أنت يا ولدي".
وعند فلاسفة المسلمين: إن الجوهر، هو واجب الوجود، هو غاية الفلسفة التي نبحث عنها، وندور في فضائها، بل هو خلاصة الخلاصة، وهي النهاية التي نرغب بالوصول اليها وامساكها من تلابيبها. هي جوهر الاشياء، بل هي جوهر الجوهر، هي موجودة في اذواقنا الحسية والروحية، والعقلية، وخيالنا اللامتناهي، هو نظرتنا نحو اعماق الوجود والتمتع بوجوده العبق.
واذا عرجنا الى شلال الفلسفة الهندية نجدها ترى: أن هذه العقل الصغير الضعيف، لا يمكن أن يدرك كنه الوجود، ولا عظمة الوجود، لأن العقل محدود، بينما الوجود هائل وغير محدود، فكيف بالمحدود أن يدرك اللامحدود؟. وهذه هي عين النظرة التي قال بها عمانويل كانت الفيلسوف الالماني. فـ "إنَّ أوَّل درس يعلِّمه حكماءُ.. هو قصورُ العقل؛ إذ كيف يُتاح لهذا الدماغ الضعيف الذي تُتعِبه عمليةٌ حسابية صغيرة، أن يُدرِك هذا العالَمَ الفسيحَ المعقَّد الذي ليس دماغُ الإنسان إلا ذرةً عابرة في أرجائه؟ وليس معنى ذلك عند حكماء الهند أنَّ العقل لا خيرَ فيه، بل إن له لَمكانةً مُتواضِعة، وهو يُؤدِّي لنا أكبرَ النفع إذا ما عالَجَ الأشياء المحسوسة وما بينها من عَلاقات، أمَّا إذا حاوَلَ فَهْم الحقيقة الخالدة، اللامتناهية، فما أعجَزَه من أداة! فإزاءَ هذه الحقيقة الصامتة التي تَكمُن وراء الظواهر كلها دعامةً لها، والتي تتجلَّى في وعي الإنسان".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حزب الله وإسرائيل.. جهود أميركية لخفض التصعيد | #غرفة_الأخبا


.. مساع مكثفة سعيا للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غز




.. هل قتلت لونا الشبل؟


.. بعد المناظرة.. أداء بايدن يقلق ممولي حملته الانتخابية | #غرف




.. إسرائيل تتعلم الدرس من غزة وتخزن السلاح استعدادا للحرب مع حز