الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحرب العالمية الأولى: حرب إعادة تشكيل العالم - الجزء الثاني

كلكامش نبيل

2020 / 5 / 12
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في أواخر نيسان، شاهدتُ فيلم وثائقي عن الحرب العالمية الأولى بعنوان "الحرب العالمية الأولى: مسح شامل لتاريخ الحرب" من إخراج ماركوس كيغل عام 2003. هذا المقال الثاني عن الفيلم، المُعتمد على كتاب المؤرخ هيو ستراتشان. الحلقة السادسة من الفيلم بمثابة تجميع لأحداث الحرب على الجبهة الغربية بين ألمانيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة. هناك سرد لأحداث معركة فردان وانتصار الفرنسيين بعد أن فتحت جبهة أخرى في الشرق لتشتيت جهود الألمان. في هذه المعركة، تم أسر شارل ديغول، الرئيس والقائد الفرنسي في مرحلة لاحقة. تتطرق الحلقة لمبدأ "عش ودع غيرك يعيش" وكيف أن الحرب في الخنادق البائسة المليئة بالطين والدم والرعب وأحيانا الأطراف المبتورة، لم تكن حربًا دائمة مع ذلك، بوجود البيانو على الجبهة ولعب الورق ومباريات جائزتها قطع شوكولاته. يذكر الفيلم أيضًا كيف حلّت النساء محل الرجال في المصانع وكيف أنهن أظهرن قوة غير عادية في التحمل وكنّ يصنعن الاسلحة بسرعة وينجزن في ثلاثة أسابيع ما ينجزه الرجال في 3 سنين، لكن الجودة لم تكن جيدة بحسب الفيلم بعد أن وجدوا أن 30 في المائة من القذائف لا تنفلق عند استخدامها في معركة فردان. مع ذلك، كانت تلك التحولات الخطوات الأولى في تحرير المرأة وتمكينها وتغيير نمط حياتها في أوروبا والعالم. تذكر الحلقة أيضًا رسائل النساء لأزواجهن على الجبهات أو في الأسر وكيف كانت احداهنّ تطمئن زوجها بأنها مخلصة له وفي انتظاره. التفاصيل كثيرة ورائعة ولاسيما بخصوص الاستخدام الأول للأسلحة الكيمياوية والدبابات البريطانية والطائرات الألمانية. لا تفوتوا مشاهدة الحلقة.

تكرّر الحلقة السابعة تفاصيل الحروب البحرية بين ألمانيا وبريطانيا بالدرجة الاساس والحصار الذي فرضته بريطانيا بهدف تجويع ألمانيا وجعل بحر الشمال بحر لا يمكن لأحد الإبحار فيه. يتطرق الفيلم للغواضة "دويتشلاند" التي أبحرت إلى الولايات المتحدة لتكون أول غواصة تقطع المحيط الأطلسي ويذكر أحد أفراد طاقمها تناولهم لطعام مغطى بالوقود وشرب مياه مقرفة لأن كل شيء ممزوج بالوقود على متن الغواصة. كان الألمان سعداء بعودة الغواصة محملة بالنيكل والرصاص ويذكر الألمان ترحيب الأميركيين بهم وأن الزيارة كانت عبارة عن حفلات متواصلة بلا انقطاع. لكن الحصار لم يتوقف واستمر الجوع يضرب ألمانيا التي حاولت محاصرة بريطانيا أيضًا وقامت بقصف شمال بريطانيا في أول هجوم على البر البريطاني منذ مئة عام. يتطرق الفيلم لوقوع سفينة ألمانية في أيدي البريطانيين الذين اكتشفوا الشفرات الألمانية بدون أن يعلم الألمان بذلك. في معركة بحرية ضخمة، استعدّ الإنجليز للرد بعد أن استلموا رسائل تحضيرات الألمان، ولكن القائد البحري الإنجليزي اعتقد عند انسحاب الألمان أنهم يستدرجونهم إلى مواقع ألغام بحرية وبذلك انسحبوا أيضًا. وصلت تلغرافات من الغرفة 40 في لندن بأن الألمان انسحبوا لأنهم ضعفاء ولكن الأوان قد فات للحاق بالأسطول الألماني، وبذلك أعلى الألمان انتصارهم بناءًا غلى الخسائر التي تكبدها الإنجليز. يكرر الفيلم قصة سفينة لوزيتانيا السياحية الأميركية واغراقها من قبل الألمان وكيف كان فك شفرة زيمرمان من قبل الإنجليز بخصوص تحريض ألمانيا للمكسيك على غزو الولايات المتحدة السبب في دخول الأخيرة للحرب إلى جانب الحلفاء. يتطرق الفيلم لمسألة مساعدة الولايات المتحدة لبريطانيا من خلال القروض والبورصة وأن الألمان لطالما تساءلوا عن حقيقة حيادها. يذكر الفيلم ما قاله أسير ألماني عن وفرة الطعام والشراب في بريطانيا وأنه كان سعيدًا لأن الحرب انتهت بالنسبة له وأنه لن يقلق بشأن الطعام بعد الآن. الحلقة رائعة ولكن الموسيقى التصويرية مرتفعة جدا في كثير من المقاطع بشكل يعيق الاستماع.

الثورات: حرب وسط الحرب

تطرقت الحلقة الثامنة من الفيلم لموضوع الثورات والاضطرابات التي تزامنت مع الحرب ونجمت عنها. في البداية، أدت المشاكل الداخلية في روسيا لتوقف القتال جزئيا بين الروس والألمان، والتقط الجنود الصور لبعضهم بسلام بكاميرا جندي ألماني. لكن الأوضاع إزدادت سوءًا في سان بيترسبيرغ وحصلت تظاهرات عمالية من أجل الخبز تم الرد عليها بإطلاق النار بأوامر القيصر. كانت بريطانيا ساحة للتظاهرات والاعتصامات أيضًا ولكن الحكومة تعاملت مع الموضوع بهدوء ودخلت في مفاوضات مع العمال. نساء فرنسا قمن بالاحتجاج أيضًا، مع أن باريس عاشت في ظل شبح الغزو الألماني طوال الحرب. قرّر الفرنسيون التصدي بحزم للتمرّد العسكري وقاموا بإعدام بعض الجنود واستعراض الآخرين بجوار جثث رفاقهم. الإيطاليين ردوا بعنف أيضًا وعاقبوا كل من تمرّد داخل الجيش، لكن بعضهم بدأ بالاستسلام لإمبراطورية النمسا والمجر، وهم ينشدون "تحيا ألمانيا". وصلت أعداد الإيطاليين الذين سلموا أنفسهم في المجمل حوالي 300 ألف رجل. تتطرق الحلقة أيضًا لمحاولات بريطانيا تقويض الدولة العثمانية – حليفة ألمانيا – من خلال دعم العرب وإرسال لورانس العرب. يذكر الفيلم رفض الحاكم البريطاني للهند فكرة التخلص من العثمانيين ودعم دولة إسلامية جديدة، ولكن لورانس كان يكره الأتراك بشكل كبير. يتطرق الفيلم لحرب القطارات وتدميرها ومعركة العقبة ودخول الجنرال اللنبي للقدس. بالمثل، قامت ألمانيا بتقويض بريطانيا داخليا من خلال دعم الإيرلنديين. من بين الصور التي عرضها الفيلم، صورة لنساء في قارب ينقلن أسلحة، وهي صورة عالقة في ذهني من سن المراهقة عندما كنت أتصفح كتب تاريخ الحرب العالمية. عمّت الفوضى في إيرلندا وكان هناك دعم ألماني بالأسلحة وغواصات توجهت إلى إيرلندا وقصف للندن أيضا. في النهاية، تسيطر بريطانيا على الوضع وتقوم بإعدام كل من انخرط في المشاكل. في روسيا، يكرّر الفيلم موضوع اختيار الألمان دعم لينين ونقله بالقطار عبر ألمانيا والسويد وفنلندا وصولا إلى روسيا، وكيف نجح بشخصيته وخطاباته حول إنهاء الحرب في السيطرة على الحكم في النهاية.

الجبهة الغربية من جديد

تناولت هذه الحلقة تفاصيل الحرب على الجبهة الغربية من جديد بين ألمانيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة. تتطرق الحلقة للتطور في الأسلحة الألمانية ولاسيما الطائرات الحربية وإطلاق عملية مايكل – على إسم القديس شفيع ألمانيا – وكيف تم أسر آلاف الإنجليز في تلك العملية واحتلال أراضي شاسعة من فرنسا. يذكر الفيلم وجود خطأ استراتيجي في ذلك الانتصار وهو إطالة خطوط الإمداد وعدم وجود هدف للعملية. يظهر الفيلم هروب الفلاحين الفرنسيين ووقوع باريس في مرمى أكبر سلاح في حينها رغم الإصرار على إستمرار الحياة كما هي. مع ذلك، كانت ألمانيا تعاني داخليا مع تفاقم الجوع واستخدام أجراس الكنائس وأنابيب المياه – التي حفرت من الشوارع – لصنع الأسلحة. كانت هناك افكار معادية للحرب تتغلغل من روسيا وكانت تلك الأفكار خطرة بالنسبة لبلد يحارب، ولهذا السبب استخدمت السينما سرًا لتعزيز الروح القتالية ورفع المعنويات، وكذلك تجنيد المئات من النساء للتجسس على المواطنين وقمع الأفكار الاستسلامية. تذكر يوميات مواطنة ألمانية كراهية الناس للذين أثروا بسبب الحرب وأن الأشخاص بدأوا يتجنبون ارتداء معاطف الفرو أو البوتات جيدة الصنع لأنها ستكون إشارة محتملة لكونك من تلك الفئة محدثة الثراء. انتشر الفقر في النمسا أيضًا، ولم يكن في الإمكان إطعام فيينا ولا جيشها، وبذلك هاجمت الحكومة باخرة شحن غذائية متوجهة من رومانيا إلى ألمانيا في الدانوب. اعتبرت ألمانيا ذلك هجوم من حليفتها وبمثابة شن للحرب عليها. في ذات الوقت، كانت النمسا تحاول إيقاف الحرب وعقد اتفاقية سلام مع فرنسا سرّا. في الشرق الأوسط، خسرت الدولة العثمانية بغداد والقدس، ويكرّر الفيلم مشاهد كثيرة من حلقات سابقة بخصوص الوضع في الأناضول، وكيف أن أنور باشا قرر ملاحقة حلمه في إمبراطورية جديدة نحو الشرق مع الشعوب التركية وتوجه لاحتلال باكو الغنية بالنفط ولكن الإنجليز سبقوه إلى ذلك. يختتم الفيلم بوصول الأميركان واعجاب الناس بهم والأخطاء التي وقعوا فيها في البداية وكيف هاجموا الألمان وكأنهم يحاربون قبائل الهنود الأميركيين، ولكن الألمان اكتشفوا عدم جهوزية الأميركان من خلال الأسرى الذين وقعوا في أيديهم. يقترح الفيلم وجود تأثير لوفاة ابن القائد لودندورف على معنويات القائد وبالتالي الجيش الألماني. الحلقة مليئة بالتفاصيل المهمة وأنصح بمشاهدتها جدا.

نهاية حرب أم هدنة لعقدين؟

تبدأ الحلقة العاشرة والأخيرة باشتداد المعارك على الجبهة الغربية بين ألمانيا من جهة والحلفاء من جهة أخرى وكيف ساهم التواجد الإنكليزي والكندي والأسترالي والنيوزليندي والأميركي في تعزيز كفة الحلفاء، فضلاً عن التقدم التكنولوجي إذ امتلكت بريطانيا آلاف الدبابات والطائرات مقابل عشرات فقط لألمانيا. بدأ الألمان بالإنسحاب وخسارة الأراضي وفي احدى المعارك خسروا 9000 رجل و18 ألف أسير. في ذات الوقت، حان وقت انتقام الصرب من بلغاريا التي انحدرت وكانت ضربة أخرى لحليفتها ألمانيا، فضلاً عن قتال العثمانيين من أجل أنفسهم وكذلك الحال مع النمسا والمجر. بدأت ألمانيا تفكر بالسلام والتراسل مع الحلفاء وكان ذلك مقبولا من قبل الشعب وصعبًا على القيصر وقادة الجيش. اقترح الرئيس الأميركي في وقتها مبادرة من 14 نقطة، علق عليها وزير خارجية فرنسا قائلا "14 نقطة! الرب اكتفى بعشرة فقط". كانت فكرة الرئيس الأميركي الليبرالي إيجاد عصبة الأمم ونشر السلام وحق الشعوب في تقرير المصير وغيرها. لكن الحلفاء أصرّوا على أن تدفع ألمانيا ثمن الخسائر. يبدو أن التظاهرات بسبب الفقر والجوع – التي اجتاحت برلين – هي السبب الرئيسي في إنهاء الحرب، مع مطالبات بعزل القيصر. اضطرّ الجيش لرفض أوامر القيصر بالتدخل وتم نفيه إلى خارج البلاد لكنه عاش ليرى دخول بلاده إلى باريس عام 1940. تم توقيع المعاهدة بعد ذلك، وأذكر لوحة شاهدتها في موسوعة قديمة تجسّد لحظة التوقيع في القطار. ابتهج الجنود بوقف الحرب ويذكر الفيلم مقاطع من مذكرات العديد من الجنود والاطباء والممرضات بخصوص مشاعرهم في تلك اللحظات ويظهر فيديو لجنود يدفنون قنبلة. اشترطت المعاهدة انسحاب ألمانيا من بلجيكا وفرنسا ودفع تعويضات وتسيير دوريات على نهر الراين واحتلال الأراضي ألمانية على ضفته. بعد ذلك أقيمت اجتماعات لتقسيم النفوذ، بحضور إيطاليا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. كانت أميركا حريصة على الحصول على ديونها وسعد الرئيس الأميركي بتأسيس عصبة الأمم. لكن الألمان استقبلوا جيشهم بحفاوة وأقاموا ذكرى للانتصارات وبعض النصب وكان من بينهم الكثير من الناقمين الراغبين في الانتقام من ذلك الإذلال. لهذا السبب قال كليمنصو أن الأمر ليس سلام بل وقف إطلاق نار لمدة عشرين عام. في تلك الحرب لقي 10 ملايين جندي مصرعهم وملايين من المدنيين – الرقم غير معروف – وملايين المعاقين. في الفيلم فيديوهات مهمة توثق ذلك. يذكر الفيلم إيجابيات تلك الحرب وبروز الدول القومية وإعادة تشكيل العالم وبعض القيم الليبرالية والديمقراطية والسيئات المتمثلة في أنها كرست لفكرة أن الحرب يمكن أن تغيّر وتركها لعشرات المشاكل غير المحلولة في البلقان (مع أن الصرب حققوا حلم الأمة السلافية وكونوا يوغسلافيا) و الشرق الأوسط وغيرها. الفيلم رائع ويستحق المشاهدة بكل تأكيد.

الجزء السادس: shorturl.at/msuzW
الجزء السابع: shorturl.at/cuMOU
الجزء الثامن: shorturl.at/egIJ8
الجزء التاسع: shorturl.at/vz289
الجزء العاشر: shorturl.at/puzM5








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التلفزيون السوري: عملية الإنزال الأميركية في القامشلي أسفرت


.. نواب بالمعارضة الجزائرية يلوحون بالسعي لطرح تصويت بسحب الثقة


.. الرئيس التركي يقول إنه قد يلتقي بنظيره السوري بشار الأسد عند




.. المجلس العسكري في بوركينا فاسو يعين إبراهيم تراوري رئيسا جدي


.. مدرسة تشيكية توزع الأغطية على طلابها بسبب أزمة الطاقة