الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رحلة حول العالم: أفغانستان - حروب ثلاث إمبراطوريات

كلكامش نبيل

2020 / 5 / 13
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في رغبة مني للاطلاع على تاريخ كل دول العالم، بترتيب أبجدي، شاهدت فيلم وثائقي بعنوان "أفغانستان: اللعبة الكبرى" المنتج من قبل البي بي سي عام 2012. يعتمد الوثائقي على رؤية شخصية للمقدّم روري ستيوارت، الدبلوماسي وكاتب الرحلات والضابط والسياسي البريطاني وهو ينتقل ما بين لندن وموسكو وكابول وبوسطن وواشنطن لإنتاج هذا الوثائقي الذي يقدّم لمحة مهمة عن تاريخ البلاد وتاريخ الحروب الأفغانية الإنجليزية منذ القرن التاسع عشر. أتذكر قراءتي مرّة عن شريط جغرافي ضيّق ومنعزل في الجبال في أفغانستان وذكرت مجلة ناشيونال جيوغرافيك أن سبب ضمّ ذلك الجزء لأفغانستان رغبة الإنجليز في عدم وجود حدود بين روسيا والهند البريطانية "الجزء الحالي الذي يمثّل باكستان". ذات التخوّف البريطاني من التوسّع الروسي والوصول إلى الهند هو السبب في رغبة الإنجليز اكتشاف ذلك الجزء الغامض والمنعزل من العالم منذ القرن التاسع عشر. يتحدث الفيلم عن التنوع العرقي في البلاد وأن أغلب من تورّط فيها كان يجهل الكثير عن طباع شعبها.

يبدأ الفيلم بإيفاد ألكساندر بيرنز لاكتشاف البلاد ليكون أول بريطاني – على غرار لورانس العرب – يتوغل هناك وصولا إلى بخارى ويكتب كتاب رحلات لاقى رواجًا كبيرًا عند نشره في لندن، ولكنه أغضب روسيا وضاعف المخاوف من رغبة البريطانيين في التوسع في أواسط آسيا. يتحدث ستيورات عن اعجاب بيرنز بالثقافة الثرية للبلاد والقابعة خلف أبواب موصدة لا يمكن لمن يزورها من بعيد اكتشافها، ولكن بريطانيا رغبت في تنصيب ملك تابع لها كان يقيم في الهند البريطانية بدل "دوست محمد". توجه البريطانيون لغزو البلاد وكانوا يظنون أنها سهلة وأنهم متجهين إلى نزهة سريعة. يذكر الفيلم بشكل متكرر أن الدخول إلى تلك البلاد سهل على الدوام ولكن الخروج مدمّر. أقام الإنجليز حامية وكان بيرنز يتجول في كابول بسهولة، لكن العزلة بين الطرفين زادت من العدائية الأفغانية للإنجليز وانتشرت اشاعات عن تعرّض الإنجليز لنساء أفغانيات وبذلك بدأت الحرب مجددا – يذكرنا هذا بطبيعة البلاد المحافظة وتكرر ذات المشهد حين تكون النساء الدافع الرئيسي للحروب! فضلا عن أن مجيء النساء البريطانيات إلى هناك أعطى انطباع للأفغان بأن الإنجليز جاءوا للبقاء. أسفر ذلك عن مقتل بيرنز بطريقة بشعة وهو يهرب من سطح منزل إلى آخر، وحوصرت الحامية البريطانية – يذكر ستيورات مواجهته لموقف مشابه في قتال البريطانيين مع أنصار مقتدى الصدر في العراق فيما بعد – وطالب الافغان الإنجليز بتسليم الأسلحة مقابل ممر آمن. لم يكن الممر آمنا في الواقع، فخوفا من الجوع، اضطروا للقبول ولكن الطريق إلى الهند طويل والبرد شديد – 15 درجة تحت الصفر. مات الكثير وهاجم الأفغان البقية في أحد الوديان وقتلوا 3000 شخص. كانت معركة شرسة ومخيفة وفي النهاية لم يصل سوى دكتور بريطاني واحد إلى الهند – من أصل 17 ألف شخص كانوا هناك. يذكر التقرير يوميات بريطانية نجت من الحدث ووقعت في الأسر وكيف تم اعتبارها بطلة ونشر كتابها للحديث عن بربرية تلك البلاد. يذكر المقدّم أن الكتاب استخدم كبروباغاندا للتغطية على سبب التدخل هناك.

لكن البريطانيين أوفدوا مرة أخرى لويس كافانياري، الفرنسي المولد، وحاول تجنب مصير سابقه "بيرنز" وقاموا بتعيين ملك آخر في البلاد. لكن اقامته في قصر ملكي منعزل لم يحميه من مصير سيء. يكرر الفيلم أن "غياب الاحترام" للثقافة المحلية هو السبب في انهيار الأوضاع. تسبّب مقتل كافانياري في الحرب الثانية وأعدم القائد البريطاني مئة أفغاني ممّا فاقم الأوضاع ونشبت معركة مايواند وكان لامرأة – تعتبر بطلة قومية أفغانية – السبب في التحريض على استمرار المعركة بعد رؤيتها لاندحار شعبها، فردّوا بقوة واضطر الإنجليز للانسحاب مرة أخرى. يظهر الوثائقي نصب في بريطانيا يخلد تلك الأحداث التاريخية. بعد الحرب العالمية الأولى، تتوقع أفغانستان أن بريطانيا منهكة وتهاجم، هي هذه المرة، الهند البريطانية، ويتم صد الهجوم لكن بخسائر كبيرة للبريطانيين أيضًا ويضطرون في النهاية في منح البلاد استقلالها التام. فجأة، يبرز ملك حداثوي في البلاد، اسمه أمان الله، ويحاول تحديث البلاد من ناحية الملبس والتعليم – ولاسيما تعليم النساء – ويبني له قصر على الطراز الأوروبي وغيرها من انجازات. يذكر روري ستيورات أن البريطانيين لم يرغبوا أبدًا في مد جسور الحداثة للبلاد وكانوا يفضلون بقاءها قابعة في القرون الوسطى، ولكن ذلك الملك غيّر اللعبة نوعًا ما. يزور أمان الله لندن ويتم استقباله بشكل مهيب وكانت له سيارات #رولز_رويس – احداها يمتلكها الآن أحد الأثرياء الإنجليز. تظهر بعض الصور الملك برفقة أتاتورك. مع ذلك، سرَت شائعات كثيرة في البلاد المحافظة بأن الملك اعتنق الكاثوليكية وأنه يشرب الخمر ويأكل الخنزير، ولكن نشر صور زوجته بملابس حديثة ووتسريحات شعر غربية تسبب في حدوث ثورة ضده أجبرته على الفرار إلى المنفى في إيطاليا. الحلقة ثرية وغنية بالتفاصيل واللوحات التاريخية والوثائق ويبدو أن الفكرة الرئيسية تتعلق بأن من الأفضل عدم التدخل في تلك البلاد النائية وتركها في حال سبيلها.

تبدأ الحلقة الثانية من الفيلم بالحديث عن أفغانستان كبلد نائي ومنعزل وكيف كان مقصد للسيّاح الأجانب في الستينيات والسبعينيات في بحثهم عن مكان لم تصله الحضارة الحديثة بعد، ولاسيما السيّاح الهيبيز، فضلاً عن فرصة تدخين الحشيش هناك. عرف البلد سلام لمدة خمسين عام وهي فترة قياسية في الواقع، لكن الحرب الباردة عزّزت الصراع من جديد وكان هناك سباق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في ذلك البلد الذي أصبح تاسع بلد يتلقى المساعدات السوفييتية. بنى الطرفان المدارس والمستشفيات والسدود وكذلك جامعة كابول التي أصبحت مركز للأفكار المتطرفة (اللينينية والماوية من جهة والإسلامية من الجهة الأخرى). في عام 1978، وصل الشيوعيون إلى سدّة الحكم وبدأوا بالتحديث وعلمنة التعليم ومنح النساء حقهن وتصوّروا أن هذه الخطة ستجعل الجوامع فارغة في غضون عام، وأنشأوا سجن – يظهر في الفيلم – لحبس المعارضين واعدامهم، يقول روري أن أحد أصدقاءه الأفغان خسر 71 شخص من عائلته هناك. أثار هذا التذمر في أوساط المحافظين وبذلك توجّه الرئيس نجيب الله للقاء بريجنيف وطلب الدعم الروسي، لكن إنقلاب أطاح بالرئيس الشيوعي وأسفر عن اعدامه هو ما دعا الروس لاجتياح البلاد. الغريب أن الرئيس الأميركي جيمي كارتر أدان ذلك الاجتياح ويظهر في الفيلم الوثائقي ليدين "العدوان الملحد على بلد إسلامي". كانت تلك فرصة الأميركيين للانتقام من دعم روسيا للشيوعيين في فيتنام ضد القوات الأميركية وكان هذا هو سبب الدعم الذي قدمته أميركا للأفغان. يذكر الفيلم أن حرب روسيا هناك كانت صعبة وكأنها "حرب أشباح" لأنها لا تجد من تقاتله وبدأت باكستان تشجع أميركا على دعم الأفغان وإرسال أحدث الأسلحة لهم من دون التفكير بطبيعة الجهات التي تقاتل هناك، بل يُظهر الفيلم غياب أي فكرة عن الخطوة التالية لذلك الدعم وأن التفكير محصور في إيذاء الروس.

مع ذلك لم يكن الدعم قويا في حينها حتى دخول النجمة الاجتماعية الأميركية جوان هيرينغ على الخط، وهي سيدة ثرية تدعم منظمات مسيحية في تكساس، وقرارها دعم الأفغان وتسويقهم على أنهم مقاتلي حرية نكاية بالشيوعيين. يظهر الفيلم تفاصيل تأثير هيرينغ على النائب الأميركي تشارلي ويلسون وقيادته حملة لدعم الأفغان بل وزيارة جوان هيرينغ – التي تزوجت ويلسون بعدها – لأفغانستان. جسّد فيلم "حرب تشارلي ويلسون" من بطولة جوليا روبرتس وتوم هانكس تلك الأحداث. يظهر الفيلم تعقيدات الحرب هناك وخسائر الروس لجنود في العشرينيات من أعمارهم وبروباغاندا تصوير كابول فقط – التي لم تزل تعيش حياة طبيعية في حينها – وكذلك انقسام آراء الجنود الروس اليوم بخصوص ما حصل، فمنهم من يقول أنه كان يبني الجسور والمدارس ويقاتل من أجل الأممية وآخرين يقولون أنها حرب لا دخل لهم بها وأن الأفغان كانوا يحاربون على بلادهم. بعد ذلك، تضطر روسيا للانسحاب من ذلك المستنقع، في عهد غورباتشوف، ولكن أمراء الحرب يتحاربون فيما بينهم في أعقاب الإنسحاب ويدمرون كابول – التي لم تكن قد تأثرت حتى التسعينيات. في الفيلم، تظهر شخصيات ومؤرخين يذكرون أنهم لم يفهموا حجم المد الأصولي في الجماعات التي أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات لدعمها وبذلك برزت طالبان وسيطرت على 90 في المائة من البلاد ولم يأبه العالم لذلك حتى هجمات أيلول 2001. هناك لقاءات مهمة مع السكّان والمؤرخين وشخصيات مؤثرة من روسيا وأفغانستان والولايات المتحدة في هذا الوثائقي. الفيلم مهم للغاية ويبرز بوضوح فكرة إصرار الامبراطوريات على عدم الانسحاب حفاظًا على الكبرياء وكيف أن ذلك يدخلهم في دوائر مغلقة من الخسائر في الأموال والأرواح ويؤكد أن الدخول إلى هذا البلد سهل والخروج منه صعب للغاية.

الجزء الأول: shorturl.at/qJSV2
الجزء الثاني: shorturl.at/kuwGX








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران.. أنصار النظام يطالبون بإنهاء الاحتجاجات وأعمال الشغب


.. احتجاجات ومظاهرات في إيران.. هل يمكن أن تغير النظام؟


.. دراسة: المشي لـ10 دقائق يوميا يساعد على العيش لفترة أطول في




.. ما هي شروط واشنطن لاستمرار منصة تيك توك في الولايات المتحدة؟


.. مفاوضات رسمية بين شركة بايت دانس الصينية والحكومة الأميركية