الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المثقفُ كظاهرةٍ تليفزيونيةٍ

سامي عبد العال

2020 / 5 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


" كُلَّما سمعت كلمةَ مثقفٍ.. تحسسْتُ مسدسي" ... عبارةٌ ذات رائحةٍ نفاذة كرائحة البارود لبول جوزيف جوبلز Paul Joseph Goebbels وزير دعاية هتلر في الحقبة النازية. وبخاصة أنّه شخص قد انشغلَّ بحياكة الأكاذيب وتضخيم السلطة وتمجيد النزعة الهتلرية. وأمثال هذا الجوبلز (شرقاً وغرباً) تتحول أدمغتُهم إلى كهوف للألاعيب والمراوغات التي لا تنتهي، وهم يدركون جيداً ماذا يقولون وإلى أي حدٍ ستكون كلماتُهم معبرةً عن واقع الحال.

ولكن إذا كانت عبارة جوبلز السابقة بصدد المثقف صائبةَ الدلالةِ، فهل نأخذ كلامه على محمل الجد إزاء دور المثقف الآن؟! فالمسألة مازالت حيويةً وتهمُ كل من يشتغل بالفكر. على الأقل أشارت العبارةُ بالمقلوب إلى أهمية المثقف (أوهكذا يجب) حالياً ضد الأوضاع السائدة عولمياً ومحلياً في أغلب دول العالم. ولاسيما قدرة المثقف على فقأ الأوهام وابطال مفعول الأفكار الزائفة ونقد عمليات القهر والاستغلال الواقعة على المجتمعات بعناوين مختلفة.

فأنْ يُقابَل عمل المثقف بالقتل بواسطة المسدس كمجازٍ لنهايةٍ مأساويةٍ، فهذا أمر دراماتيكي يثير الفضول. لكن بالنسبة المثقف الراهن .. وبامتياز فقد جعلنا - كلما سمعنا كلماته- أنْ نتحسس شيئاً آخر ترتديه الأقدامُ!! فلا يفوتنا أنّ جوبلز هو الآخر كان مثقفاً بل صاحب نظرية اعلامية ولو كان غير ذلك ما نال هذا الموقع في عصره. أي أنه كان صاحب كَاْر ترويجي(صنعة ثقافية)، فلا يقول المقولة السابقة سوى خبير بخبايا الثقافة في المجتمعات. وهنا القضية الأم: أنه ليس أقدر على انتهاك الممارسات الإنسانية أكثر من أصحابها المتلاعبين بالعقول!!

جاء المثقف العربي الراهن ( نتيجة الارتزاق والتهميش والتربُح السياسي وجماعات المتسلقين) كياناً رخواً فاقدَ التأثير، إنه الصفعة( وعادة الصفقة وأحياناً البصقة) الوقحة لمجتمعات فقدت وزنها التاريخي تجاه أفرادها وتراثها. لقد أصبح لا قوام له إلاَّ مع تسلقه لأكتاف الآخرين الأكثر سطوةً وثراءً، سواء أكان انتفاعاً أم خدعاً أم تزلفاً أم التصاقاً بالأنظمة المستبدة. هو بهذا يلتزم بأنماط التلون الهش لا المواقف الواضحة، ولا حتى يجيد ابتكار الرؤى. فعادة تحتاج الكيانات الرخوّة إلى شيء تستند إليه. ولهذا كان بلاط الحكام والرؤساء العرب وأصحاب السمو مدججاً بالمثقفين المتلونين صباحاً ومساءً. إنهم كالحرباء يتشكلون تبعاً للوسط الذي يوجدون فيه. وإذا كان هناك ما يميزهُم، فهم مترعون بالمراوغة والمناورة خدمة لأسيادهم بالأعلى.

أقرب الأمثلة أثناء الربيع العربي كنا نسمع المثقفين ونقرأ لهم، فلا نتحسس مسدساً ولا حتى عصى. لأنَّ كلامهم فارغ من أي مضمون خطير ولم يصيبوا متابعيهم إلاَّ بالغثيان. لعلَّ انفصالَّهم عن الواقع كان بارزاً رغم انغراسهم في الأوحال من أخمص قدميهم إلى شعر رأسهم. كذلك كان تحليلهم للأعمال مُملاً ورتيباً ضمن سياسات الاحتواء من قبل السلطة. وبالتأكيد، لم يكن ليرْقُوا إلى سبر أغوار الاحداث والممارسات العامة، بل فقدوا قدرتهم على التحرر قبل أن يتحدثوا إلى سواهم، وإزاء المشهد بتنا نتحسس أحذيتنا لملاحقة ظلالهم أينما ذهبوا. لأنَّ كلامهم جاء صنفاً من الهُراء النادر إلى حد الازدراء، كأنّهم يعرضون بضاعة مزجاة لمن يشتري بأغلى الأثمان. والغريب أنَّ الأسماء لا تُحصى بقدر اختلاف أشكال الاستبداد وتنوع العطايا!!

أنَّ هؤلاء المثقفين اللزجين هم النتاج الأغلى لسنوات من تدجين الثقافة واحتقارها في تاريخ الدولة العربية الحديث والمعاصر، ولم يكن ليتم هذا الشيء لولا إحياء تراث ترويض المفكرين واقصائهم عن التأثير في الحياة العامة وانزال أثر الكلمة لصالح استهلاك العقول وقتل الزمن وإشاعة التفاهة في كل مكان. وقد رأينا الثمار يانعةً لذلك التاريخ وسط التحولات الجذرية في ثورات العرب وإزاء مظاهر الاحتجاج على تردي الأوضاع وإهدار كل شيء.

كانت هذه المشاهد الربيعيةُ اسقاطاً على الهواء مباشرة لمجمل نماذج المثقفين أصحاب المهام العظمى في حياة البشر. لأنَّ المثقف بوصفه سلعة وضع قدراته في يد الانتهازيين من كل حدب وصوب. وإذا لم يكن ليبث في روحه وخطابه جذرية التغيير للأوضاع القائمة والمحتملة لن يقف حراً في توجهاته. وكما كان النبي - في عرف العرب- أمةً، بمعنى الرسالة والقوة الرمزية في آن واحدٍ وايجاد جيل للمستقبل، فالمثقف الآمل افتراضاً في الوظيفة نفسها قد خرقَ فكرتي الأمة والشعب معاً. وفي النهاية أصبح بحيلِّه الخادعة شيخ الانتهازيين دون كشف الواقع ونقده. إنَّ كائناً كهذا ما إنْ يشعر برسوخِ مكانته، حتى يهتبل الفرصة لتسيُّد الصورة والاطاحة بمنافسيه بجميع الحيل الممكنة!!

والحقيقة أنَّ الأمة - الدولة بالنسبة للمثقف العربي أخرُ حلقةٍ في سلسلة طويلة موروثة بدءاً من مكانته غير المعترف بها وانتهاء بترسيخ الاستبداد. كانت القبيلة - الغنيمة أولها، ثم القبيلة- الدولة، مروراً بالدولة - الخلافة كالدولتين العباسية والأموية، فالدولة العثمانية وليس وقوفاً لدى الدولة القومية في العصر الحديث بعد جلاء الاستعمار عن مجتمعات الشرق وأخيراً جماعات التسلق السياسي في بطن الدولة الراهنة. وفي كل ذلك كان المثقفون يلعبون دور كلاب الحراسة التي تملأ الآذان نباحاً وعواءً.

المثقف الرخو ليس مثقفاً عضوياً على طريقة انطونيو جرامشي. لأنَّه لا ينغمس في هموم واقعه ولا طبقته مقاوماً قوى الهيمنة والتسطيح، ذلك لكونه قد باع جميع القضايا الأساسية منذ البداية. إنه نتاج عولمي سطحي صرف بصيغة مبتذلة محلية الصنع. والعولمة لا تعترف بالماهيات ولا بالأسس، بيد أنها تشكل الأسطح الخادعة واللامعة. في هذا كم خضعت الثقافة لعمليات تعويم مستمرة، تعويم القيم، تعويم المواقف، تعويم التراثات، تعويم الهويات، تعويم الرموز، تعويم التاريخ، تعويم الحقائق... انتهاء بتعويم العملات النقدية. هل المثقف استثناء من كل ذلك التداعي؟! هل بإمكانه اختراق القيود التي يقبلها راضياً مشاركاً فيها؟

فعلاً على خلفية السياسة، احترف المثقف العربي بيع الكلام مع انتشار الفضائيات وحشد المآرب خلف الكواليس وبحث عن المؤامرات. واللغة حال خروجها من "رأس أهوج" حتما ستتلاعب بها الريح في أي اتجاه. فجميع التوقعات التي أبداها المثقفون في تحولات الربيع العربي كانت مضللة لدرجة الرثاء. وأنكشف وضعهم عن "أصولية ثقافية" عنيفة تشبه الأصولية الدينية، بل كثيراً ما تماهت معها وعملت على منوالها تماماً. الفارق أن الجماعات المتشددة حملوا السلاح والتفجير علانية، أمَّا المثقفون فجلسوا على الوسائد الوثيرة بالغرف المتلفزة وخلف الكاميرات. ولهذا عصب المثقفون أعينهم بأفكار مسبقة انحازت إلى تخفيف وقع تطورات الربيع العربي نحو المستقبل. فعلوا هذا لصالح الوهابية والاخوانية والبترو دولار ودول المنتجعات الصحراوية.

للأسف تمَّ ذلك كله بمسميات الليبرالية كما حدث مع مثقفي بعض الفضائيات. هؤلاء المبصوقون من أسيادهم تحت كاميرات مبهرة، وفوق منصات اعلامية قشيبة. إذ كانوا يتحذلقون (أثناء الربيع العربي وما زالوا) بعبارات زلقة مخاطية، وقد نقلوا الاستوديوهات من مجرد فضاء تعبيري إلى ساحة احتراب أهلي. وساهموا في رسم الخطط للمحاربين الاسلاميين الأصوليين، وليس هذا فحسب، بل صنعوا لهم الفرص والأفكار والخطط العسكرية أيضاً. ثم بعد انتهاء المعارك الميدانية لم يتورعوا عن تبرير الدماء التي كانت تسيل يومياً!!

كل ذلك حدث بخطاب ثقافي بارد، بينما غابت قيمة الإنسان عن المشهد، فظل المحللون يتخبطون في حمأة الصراعات الصغيرة. والأنكى أن هؤلاء الأدعياء يحملون على الشاشة أسماء مدراء مراكز البحوث والمحللين الاستراتيجيين وخبراء المعارف والسياسة والاجتماع. ولم يفت القنوات وضع لفظ "المفكر فلان" أمام اسمائهم كنوع من الأهمية المستعارة في زمن" القحط والنفط". فأيُّ فكرٍ هو المقصود، إذا كان مفكروهم قد حولوا التحليل السياسي إلى غرفة عمليات حربية؟! كيف يحمل هؤلاء لفظاً كونياً وهم يتعثرون في فهم الواقع ولا يجدوا بُداً من مناصرة التيارات الإرهابية لصالح هذا الكفيل أو ذاك ؟!

ي تاريخ مجتمعاتنا العربية الراهنة تلتصق الثقافة برأسمال سياسي خدمي( يخدم القوى الكبرى)، يحتكر قوى التغيير الثوري. ويحاول الهيمنة على المودات mods والاتجاهات الجديدة ويسوس الجماهير بلا وعي، ذلك عن طريق تسليع القيم والأخيلة وحتى التصورات. وبالتالي جعل الرأسمال هؤلاء المثقفين مرهونين بدوراته وصفقاته الرغبوية. لقد اُتخم المثقفون بالخطاب الديماجوجي وحياكة الفتن والكلام الفارغ من المعنى meaningless. لئن كان هناك تطبيق لرأي الوضعية المنطقية في الخطاب الفكري المزيف، لكان هو خطاب المثقفين التلفزيونيين في مثل هذه الظروف. يقولون أشياء ليس لها علاقة بالحقائق إنْ وجدت.

إنه الآن وبشكل بارز مع أفول امبراطوريات الفكر( الثقافة الكلاسيكية) أخذَ المثقف الأسطوري في الزوال غير مأسوفٍ عليه. أقصد هذا المثقف الذي كان يسير بأنفاس قومية أو تراثية أو سلفية أو قبلية أو أيديولوجية.. إلى أخر هذه الأساطير. فالواقع الفاجع- عالمياً وعربياً- لفظَ هذه الأنماط على قارعة العبث. ثم كان أن تشقلب هذا المثقف المحلي بكل الأحبال الممكنة، فتمخط ممتداً فيما وراء الأوهام وفيما بعد الأحلام. لقد ادّعي كثيراً أنه سيأتي بخوارق العادات والأفكار، و لكنه ليس إلاَّ مبصوقاً- رغم خدماته المعلنة- من جميع الأنظمة السياسية. وفي أحسن الأحوال كان عنواناً لزمن مكتوب عليه: غير صالح للاستعمال الآدمي. فالثقافة دون سواها حينما تنتكس في شخص المثقفين تقع الكارثة بمقدار التراث والحاضر المستقبل. فأي مجتمع يحتاج عيوناً إضافية ليرى من خلالها مصيره، وكيف يعي تحولاته الجذرية. وعندما تغيب تلك المهام زيفاً، فإن الاستفهام سيطال الجميع!!

لكن كيف ذلك، طالما يخضع المثقف لرأسمال السلطة المهيمنة؟ إنه وكما يذهب إدوارد سعيد ما لم يتحرر المثقف أولاً من مركزية تلك السلطة جاعلاً بينه وبينها مسافة نقدية لن يكون جديراً بهذا الاسم. سيكون اسمه على غير مسمي كحال الفقاقيع الهوائية. كيف سينتقد أفكاراً وسياسات وبطنه ممتلئ بمواردها وبأي معنى سيكشف مناطق العطب وهو أحد أركانها؟!!

هكذا ظهر المثقف عارياً كالهر تحت المطر. ولم يرجع إلى أي تاريخ عقلاني لمواصلة البناء والتأسيس، طالما أنه يستغبي المتلقين هروباً من مهمته الناقدة على الأصالة. ومادام لا يصنع المثقف من أفكاره آفاقاً حرَّة لرؤى متنوعة سيظل ظاهرة ثانوية في المجتمعات العربية. سيدور مع هكذا أحداث وسياسية واجتماعية وسينتهي إلى ما انتهت إليه. وهو في كل ذلك البديل المعاصر لنفير القبيلة في التراث العربي. الاختلاف راهنا أنه مارس مهنته بروح السمسار الألمعي لا المبدع للأفكار الحرة. وفي هذا خُلقت معه أزماته حتى الاختناق اليومي، لكونه لا يقوى على حياة الفكر الأصيل دون عائل اقتصادي.

من هنا ايضاً كان سبب رضى المثقف العربي بالاحتماء بأقفاص الحكام العرب مثل: مراكز البحوث ومؤسسات الإعلام والأكاديميات العلمية. ليظل يعوِّد حواسه وعقله للالتصاق بأنوفهم وسراويلهم، لقد دجن قواه وطاقاته من أجل حفنات الدولار المهورة بالتنازل عن وجوده وعن الإنسانية. وفي مجتمعات بلغت الاعطاب سطحها وقيمها العليا، كان على المثقف أن يكشف الكوارث ويتنبأ بالمصير، غير أنه ظل زرّاً بقمصان هؤلاء الأمراء والملوك وأصحاب المعالي. لقد أصبح ظاهرة محض تليفزيونية لا تذهب بعيداً عن الأضواء. واشعل خرائط الأيديولوجيات والتلاعب بالوعي وفقر المعرفة إلى أقصى حد. فبات ضيفاً دائماً على موائد مشايخ السلطة ومنصات الدجل الديني والسياسي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - أحسنت
جهاد نصره ( 2020 / 5 / 14 - 20:40 )
تحليل دقيق

اخر الافلام

.. ليبيا: استشراء للفساد؟ • فرانس 24 / FRANCE 24


.. ما وراء الخبر- ما السر وراء إحراج أوكرانيا لقدرات الدب الروس


.. التاسعة هذا المساء| قوات أوكرانيا تتقدم.. والكرملين يرد على




.. -ساعدوني أرجوكم-.. إيطالية تستغيث من داخل سجن إيراني


.. خامنئي يخرج عن صمته: أنا محطم الفؤاد على مقتل مهسا أميني