الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رحلة حول العالم: الأرجنتين - الإبادة الاجتماعية والإفلاس الاقتصادي

كلكامش نبيل

2020 / 5 / 17
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


بعد مشاهدة وثائقي سياحي عن الأرجنتين – مدته ساعة كاملة – والإطلاع على الطراز المعماري الكولونيالي للبلاد وثقافتها التي صاغها السكان الأصليون والمهاجرون الإسبان والإيطاليون والألمان وشهرتها بالتانغو والغاوتشي والكنائس الأوروبية الرائعة والبيوت على طراز جبال الألب في جنوب البلاد البارد، وثراء متاحفها وتباين طبيعتها (من الثلوج في الجنوب والحياة البحرية على المحيط الأطلسي والشلالات والمحميات الطبيعية وحيوانات اللاما في جبال الإنديز والمستنقعات والأهوار في شمال البلاد – والتي تعرف بميسوبوتاميا أميركا الجنوبية – والجبال الملونة والصحاري التي تشبه سطح القمر وتزخر بالمتحجرات) مهرجانات البيرة والنبيذ، قررتُ مشاهدة وثائقي آخر عن تاريخ البلاد المعاصر. وقع اختياري على فيلم وثائقي، مدته 120 دقيقة، بعنوان "الإبادة الاجتماعية" من إخراج الأرجنتيني فيرناندو سولاناس في عام 2004. الفيلم بالإسبانية ومترجم إلى اللغة الإنجليزية.

يتناول الفيلم أحداث ثورة كانون الأول/ ديسمبر عام 2001 واحتجاجات الناس على ضياع مدخراتهم بسبب إفلاس البنوك والبطالة. يعود الفيلم إلى الوراء لفهم أسباب الانهيار الاقتصادي في الأرجنتين والسياسات التي ضاعفت الدين العام وأنهكت البلاد وحولتها من بلد مصدّر للغذاء إلى بلد يعاني من الفقر وسوء التغذية. للفيلم نزعة يسارية مناهضة للخصخصة والعولمة، ولكنه يبدو مقنعًا من خلال إبراز سوء الإدارة وفساد السياسيين والنواب وكثرة الرشى والمحسوبية في الفترة الديمقراطية التي أعقبت الدكتاتورية العسكرية التي انتهت عام 1983.

يبدأ الفيلم باحتجاجات شعبية، العاطلين عن العمل والمتقاعدين والطلاب – وهم يقرعون بالملاعق على أدوات الطهي. تتحدث امرأة أنها لن تلجأ إلى العنف ولكنها تريد حقها في مدخراتها – لمدة 25 عام - التي سرقتها البنوك ويضيف رجل آخر بأن مدخراته – التي جمعها من بيع الصحف على مدى 60 عام – قد سُرقت أيضًا. يظهر الفيلم كيف تضاعفت الديون شيئًا فشيئًا من 45 مليار دولار إلى 140 مليار في النهاية وأن أغلب تلك الديون تعود لشركات خاصة وليست للحكومة الأرجنتينية والشعب ولكن الدولة أقرّت بتحمّل تلك الديون واتبعت سياسات تقشّف. يسلط الفيلم الضوء على وعود كارلوس منعم في أنه سيعمل على خدمة الوطن والتضحية من أجل الفقراء وأنه لن يخونهم أبدًا، لكنه قام بإجراءات جعلت الأوضاع تسوء شيئًا فشيئًا. في فترة مراهقتي، كنتُ أقرأ عن كارلوس منعم وأصوله السورية ولكنني لم أعرف شيئًا عن سياساته وحزبه في البلاد في وقتها. يتحدث أحد ضيوف الفيلم عن كتيب فرنسي صغير في مدح الخيانة وأنها مهمة في السياسة وأنك "وبهدف النجاح، لا بد أن تكذب". يوضح الفيلم خصخصة قطاع النفط والغاز في البلاد وبيعه بسعر غير منصف وكانت هناك رشى قدرها 8 ملايين دولار للنواب من أجل تمرير القرار في البرلمان. يلوم الفيلم الإعلام أيضًا على تضليل الشعب لقبول ذلك القرار، وهذا يذكرني بوضع العراق وقرارات منح النفط مجددا للشركات الأجنبية وكل الجدل القائم حول ذلك الآن. هناك أغنية أوبرالية الطابع في الفيلم عن النواب تصفهم برافعي الأيادي الذين يخونون ويصوتون من دون دراية لأن حزبهم ينصحهم بذلك.

يوضح الوثائقي القرارات التالية والنتائج الكارثية التي دمرت المصانع في البلاد وكيف بيعت بأسعار تقل كثيرًا عن أسعار مثل هذه المؤسسات في السوق العالمية وكيف أسفر ذلك عن مضاعفة أعداد العاطلين عن العمل وكيف تم اعتماد الدولار في التعامل اليومي إلى جانب العملة المحلية "البيزو". بعد أن كانت البلاد من بين الأفضل في الوضع الاجتماعي، أصبح الآلاف يتوافدون على الكنائس والقديس شفيع العمال من أجل المساعدة. لكن الاعلام كان يظهر واقع مغاير وتتلقى البلاد مديحًا غربيا بأنها تسير كنموذج للعالم بأسره. يظهر الفيلم أوضاع صعبة للمدارس المكتظة بالمتشردين ومدرسين يتحدثون عن اغماء الطلاب بسبب الجوع – مثل الحصار على العراق أبان التسعينيات. لكن الدولة قامت بمزيد من اجراءات الخصخصة لقطاعات كثيرة منها الاتصالات والتلفزيون والراديو والطيران والسكك الحديد لتترك 800 ألف شخص من دون مياه صالحة للشرب وتزداد الأوضاع سوءًا حيث يعيش البعض مهمشين في بيوت من صفيح على هامش الحياة. تظهر سيدة تعيش في حي مهمّش وهي تبكي لعدم قدرتها على اطعام ابنتها وأنها تعيش في مكان رطب على الدوام. الغريب أن أغلب هؤلاء الفقراء في الفيديو من السكان الأصليين. تظهر المستشفيات أيضًا أطفال يعانون من سوء التغذية بشكل مرعب ووفاة الكثير منهم وحديث الأطباء عن أن هذه الفئات تتعرض للقتل وكأن المجتمع قرر التخلص منها. لكن الواقع يظهر أن لهؤلاء دور في بؤسهم حيث يظهر الفيلم فتيات بعمر 14 عام وهنّ أمهات يحملن أطفالهن. يساهم الزواج المبكر وانعدام التعليم والخدمات الصحية في تفاقم وضعهم سوءًا ويذكر أحد الضيوف أن فساد الحكومة انعكاس للشعب.

يتحدث ضيوف الفيلم عن تاريخ شركة النفط في البلاد وكيف أنها نشأت بجهود محلية منذ العام 1923 وأنه لا توجد دولة مثل الأرجنتين تهب ثرواتها الاستراتيجية للشركات بسعر بخس من دون أن تضطرّ لذلك بسبب حرب أو غيرها. يوضح الفيلم بيع المزيد من الشركات بأسعار منخفضة وعلاقة السياسيين بالكثير من الشركات النافذة وتحقيق أرباح شخصية فضلاً عن تورطهم في تهريب المخدرات وتشكيلهم ما يشبه الحكم المافيوي، ولاسيما في عهد كارلوس منعم. يغطي الفيلم بالدرجة الأساس فترة الرؤساء راؤول ألفونسين وكارلوس منعم وفيرناندو دي لا روا. في النهاية تحدث ثورة سخط على هذه السياسية تجبر الرئيس دي لا روا على الاستقالة.

الفيلم حزين بصراحة ولكنه موجّه بعض الشيء ويدين العولمة والخصخصة والسياسات النيو ليبرالية من دون النظر فيما إذا كانت تلك السياسات اجبارية نتيجة لظروف معينة أو أنها فساد محظ لخدمة السياسيين. الفيلم يذكرنا بواقع العراق ولبنان هذه الأيام ولاسيما الأزمات الاقتصادية الخانقة وبيع المصانع الحكومية وأزمة المصارف في لبنان. أنصح بمشاهدة الفيلم بهدف فهم أكثر لما يحصل من حولنا.

رابط الفيلم التعريفي بالبلاد: shorturl.at/bhos0
رابط فيلم الإبادة الاجتماعية: shorturl.at/fgX18








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التلفزيون السوري: عملية الإنزال الأميركية في القامشلي أسفرت


.. نواب بالمعارضة الجزائرية يلوحون بالسعي لطرح تصويت بسحب الثقة


.. الرئيس التركي يقول إنه قد يلتقي بنظيره السوري بشار الأسد عند




.. المجلس العسكري في بوركينا فاسو يعين إبراهيم تراوري رئيسا جدي


.. مدرسة تشيكية توزع الأغطية على طلابها بسبب أزمة الطاقة