الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رحلة حول العالم: أستراليا - عذابات المُدانين وأحلام المغامرين

كلكامش نبيل

2020 / 5 / 21
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


استكمالا لرحلتنا حول العالم، كانت أستراليا الوجهة الجديدة للتعرف على التاريخ المبكر للمستوطنة البريطانية في نيو ساوث ويلز في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. اخترتُ فيلم وثائقي بعنوان الأمة الحمراء Rouge Nation من تقديم المؤرخ الأسترالي مايكل كاثكارت، من جامعة مالبورن. يتألف الفيلم من حلقتين باللغة الإنجليزية ومنتج في العام 2009.

يبدأ الفيلم بالحديث عن أوضاع نقل المُدانين بالسجن ونقلهم بالسفن من بريطانيا إلى المستعمرات في أستراليا وكيف أن بعض المغامرين اختاروا الذهاب إلى هناك بهدف الاثراء والنفوذ ومنهم جون ماك آرثر وزوجته إليزابيث في تسعينيات القرن الثامن عشر. يظهر الفيلم أوضاع المُدانين السيئة هناك وحال سيدني، المدينة الصغيرة في حينها، وكيف تمكن ماك آرثر من تأمين النفوذ والاثراء ولكن ذلك قاده للاصطدام بالحاكم وليام بلاي – الذي قرأتُ عنه في سنوات الكلية رواية ثورة على سفينة بونتي الشهيرة. حققّ ماك آرثر نفوذا متزايدا وحصل على أفضل الأراضي في المستعمرة وتراخيص لتصدير الأغنام من بريطانيا – وكان ذلك ممنوعًا في البداية. بذلك أصبح من أشهر منتجي الصوف في أستراليا. يتناول الفيلم الأحداث بطريقة درامية جميلة بوجود ممثلين لإعادة تمثيل كل الأحداث بالتزامن مع مداخلات المؤرخ وتحليلاته.

يتطرق الفيلم لأوضاع السكان الأصليين وخسارتهم لأراضيهم وازدياد المناوشات بين الحاكم بلاي والثري ماك آرثر وكيف ساهم ذلك في قيام ثورة ضد بلاي الذي اختبأ في منزله طوال ساعتين وتم العثور عليه تحت السرير بعد ذلك ونشر تلك الصورة بشكل بروباغاندا لتشويه سمعته. عرفت تلك الثورة باسم ثورة الروم، نسبة لمشروب الروم. تعتبر تلك الثورة الانقلاب الوحيد في تاريخ استراليا، لكن القائد العسكري الذي أصدر بيان عزل بلاي من الحكم عوقب في لندن وجرّد من مناصبه العسكرية، في حين مُنع ماك آرثر من العودة إلى أستراليا لمدة ثمان سنوات.

يتحدث الفيلم عن التمييز ضد المدانين في البلاد وملاحقتهم بالوصمة ومنعهم من ممارسة أي نشاط سياسي حتى بعد اكمال محكوميتهم واقتصار ذلك على المهاجرين الأحرار. يتطرق الفيلم لنشوء جيل جديد من أبناء المدانين بأجساد أقوى وأطول قامة ولكنهم يتعرضون للتمييز بسبب وصمة تاريخ أسرهم. في الفيلم يتوضح الدافع الشخصي أحيانا في تبني بعض الأفكار، لاسيما مع وليم وينتوورث، المُدان السابق والذي يرغب في مصاهرة آل ماك آرثر، ولكنه يتعرض للرفض. لذلك يؤسس حركة تطالب بالحقوق وإزالة الوصمة بحق المُدانين. نلاحظ في الفيلم الصدام بين الليبراليين والمحافظين ولاسيما الحاكم الجديد رالف دارلينغ (1825-1831) وماككير الليبرالي الذي طالب بمنح أبناء المُدانين الحقوق المدنية وحق امتلاك الأراضي والوظائف الحكومية. لم يكن الشخص في وقتها ليبرالي بالمعنى الكامل، بحسب الفيلم، لأنه لم يطالب بحقوق السكان الأصليين مثلا ولم يفكر بهم. يوضح الفيلم أيضا دور الثورة الصناعية في صعود مثل تلك الأفكار وكيف كان رالف دارلينغ يعتبر الليبرالي متطرف أخلاقي A radical with manners.

يدور صراع طويل بسبب ذلك وتستخدم الصحف تعذيب مُدانين اسمهما سودز وثومبسون – عندما حكم عليهما بالسجن والاشغال الشاقة لمدة سبع سنين والأغلال في أعناقهم بشكل يمنعهما من السير منتصبي القامة ووفاة الأول – في الهجوم على دارلينغ وحكمه.

في الوقت ذاته، تُثار قضية جين نيو، المُدانة بسرقة الملابس في بريطانيا، والتي تورطت في سرقة ثوب حريري من محل تملكه مهاجرة فرنسية في سيدني. من ملاحظاتي للقضية أن الحكم الأول للقاضي الليبرالي كان غير منطقي بإطلاق سراحها لأنه وقع في حبها، ولكن السيدة الفرنسية تصر على استئناف القضية وتخاطب الجهات العليا ليأتي القرار الآخر قاسيا بإعدام جين نيو. يتدخل ماككير ليضغط على دارلينغ لتخفيف الحكم إلى 14 عام سجن في تاسمانيا. يستغل الليبراليون ثغرات في القانون تؤدي لإطلاق سراح أغلب المساجين، فيما يقوم وينتوورث – الداعي للحريات – بتهريب جين نيو وتزوير هويات لها لتهريبها وقوله عند مجيء الشرطة إلى منزله بأنه مصاب بالإنفلونزا لمنعهم من تفتيش المنزل. لاحظت بصراحة أن الدفاع هنا كان شخصي يتعلق بقضية محددة وليس بدوافع إنسانية لكن الأمر أدى لتغييرات كبيرة انتهت بولادة اصلاحات ديمقراطية وعدم تجديد حكم دارلينغ الذي عاد إلى لندن بعد أن ودّعه سكّان سيدني بكشف مؤخراتهم له. بالطبع الفيلم يركز على كون دارلينغ قمعي وطاغية ولكن مصادر أخرى تقول أنه كان يحاول تحسين وضع النساء المُدانات ونشر التعليم بينهن وللأطفال ونشر القيم المسيحية هناك.

من أبرز النقاط المهمة في هذا الفيلم عن تاريخ أستراليا المبكر الصراع بين الديمقراطيين والمحافظين، وأن السلطة هي محور هذا الصراع في الواقع، لأن مطالب الليبراليين العادلة أيضا فئوية وترغب في الوصول إلى السلطة وإنهاء التمييز ضدهم ولكنهم لم يفكروا في السكان الأصليين، فيما كان إصرار المحافظين على القوانين القديمة لمنع آخرين من التنافس معهم في امتيازاتهم. نلاحظ أيضًا أن الليبراليين قاموا بأمور مخالفة للقانون وتهريب وتزوير واطلاق سراح مُدانة للوقوع في حبها والتستر على مجرمة لأهداف شخصية، وهاجمت الصحافة من يمثل القانون – على صرامته – وتصويره بأنه الطرف السيء. مع ذلك، ساهمت كل تلك الاحداث في إعادة تشكيل وجه أستراليا الحديث وتركت بصمتها في تاريخها. أنصح بمشاهدة الفيلم والتعرف على تاريخ تلك القارة.

رابط الفيلم: shorturl.at/ilyTZ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التلفزيون السوري: عملية الإنزال الأميركية في القامشلي أسفرت


.. نواب بالمعارضة الجزائرية يلوحون بالسعي لطرح تصويت بسحب الثقة


.. الرئيس التركي يقول إنه قد يلتقي بنظيره السوري بشار الأسد عند




.. المجلس العسكري في بوركينا فاسو يعين إبراهيم تراوري رئيسا جدي


.. مدرسة تشيكية توزع الأغطية على طلابها بسبب أزمة الطاقة