الحوار المتمدن - موبايل


من نقد الدين إلى وحدة الأديان في الثقافة الاسلامية(7)

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 5 / 22
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


النقد العقلي للأديان في علم المِلل والنِّحَل
(موقف الشهرستاني من الدين)

لقد تمثل الشهرستاني في موقفه من الأديان تقاليد الرؤية العلمية. لهذا لم يصب انتقاده إياها في تيار الاتهام والتفنيد الميز للرؤية العقائدية. على العكس انه حاول أن يبين معالم الاشتراك والخلاف الضرورية بينها. واستند في موقفه هذا إلى المبدأ العام في تقسيمه لأهل العالم حسب "الآراء والمذاهب". ذلك يعني انه جعل من الفكرة والعقيدة مادة للتحليل والتقييم والتصنيف. وعلى هذا الأساس ميز "أرباب الديانات" عن "أهل الأهواء والآراء". وادرج في الأوائل المجوس واليهود والنصارى والمسلمين. ثم قسّم هؤلاء إلى من له "كتاب منزل محقق" كاليهود والنصارى والمسلمين، والى من عنده "شبهة كتاب" كالمجوس والصابئة. واعتبر "أهل الدين" من يقول بالأحكام الشرعية والعقلية .
واعتبر الدين أيضا ملة، وجد ضرورتها في ضرورة الاجتماع نفسه. وانطلق في رؤيته هذه من أن الإنسان يحتاج إلى اجتماع، وصورة هذا الاجتماع على "هيئة الانقياد والطاعة" المبنية على الإقرار بالنبوات والأحكام الشرعية والعقلية هي الملة. والطريق الذي يوصل إليها هو المنهاج والشرعة والسنّة. والاتفاق على السنّة يصنع الجماعة. وتاريخ الأديان هو نماذج متنوعة لتشكيل الملة. واكبر الملل تاريخيا هي الملة الإبراهيمية – الحنيفية، التي ادرج فيها كل من اليهودية والنصرانية والإسلام. واعتبر الأمة اليهودية اكبر من النصرانية انطلاقا من أن الشريعة كانت في البدء لموسى. بينما لا يتضمن الإنجيل أحكاما ولا يستبطن حراما ولا حلالا، إنما هو مجرد رموز وأفعال ومواعظ وزواجر. وما سواها من الشرائع والأحكام فهي من التوراة . لهذا اعتبر النصرانية يهودية محوّرة ومبدلة، وذلك بتغييرها السبت إلى الأحد والسماح بأكل لحم الخنزير وكذلك موقفها من الختان والغسل . وهو سرّ الخلاف والعناد بينهما. فاليهود تقول ليست النصارى على شئ، والنصارى تقول ليس اليهود على شئ، بينما يقول الإسلام "لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل" . بعبارة أخرى، إن افتقاد اليهود والنصارى لهذا "الشيء" يقابل في منظومة الشهرستاني افتقادهما لحقيقة الطاعة باعتبارها جوهر الدين. والمقصود بالطاعة هنا الاستفادة. فهما لم يستفيدا من حقيقة التوراة والإنجيل ولم يطبقاها، باعتبارهما كتبا في سلسلة التوحيد. وبالتالي لم يستفيدا مما قبلهما، انطلاقا من أن حقيقة الدين بالنسبة للشهرستاني هي الاستفادة العقلية وليس النقلية، أي المجتهدة وليس المقلدة. من هنا فكرته عن أن المستفيد من غيره مسلم مطيع . وهو سبب اعتبار الإسلام اليهود والنصارى "أهل الكتاب" من غير المسلمين، أي أولئك الذين يقولون بشريعة وأحكام وحدود وإعلام لكنهم خرجوا عن حقيقة الملة الحنيفية . ذلك يعني أن إيمانهم لم يكن استفادة عقلية مستمرة، لان الدين الحق بنظر الشهرستاني هو الذي يقترن بالتكميل. بحيث يكون مصدقا لمن قبله من الشرائع الماضية والسنن السالفة "تقديرا للأمر على الخلق وتوفيقا للدين على الفطرة" . لهذا قيل "إن الله أسس دينه على مثال خلقه ليستدل بخلقه على دينه وبدينه على خلقه" . وهي رؤية عقلانية عميقة من حيث مضمونها وتستند من حيث الجوهر إلى موقف ثقافي يقر بالتكميل، باعتباره استمرار مبدعا لتراث الأمم السالفة. ووضع هذه الرؤية الثقافية في مقارنته بين تراث "أهل الكتاب" و"أهل الإسلام" على الشكل التالي

أهل الكتاب
يذهبون مذهب بني اسرائيل
نوره من الظاهر
يستدل عليه بظهور الأشخاص
قبلتها بيت المقدس
شريعتها ظواهر الأحكام
خصماؤهم المباشرون فرعون وهامان

اهل الاسلام
يذهبون مذهب بني إسماعيل
نوره من الباطن
يستدل عليه بإبانة المناسك
قبلتها بيت الله الحرام
شريعتها رعاية مشاعر الحرام
خصماؤهم المشركون وعبدة الأصنام

ذلك يعني أن ما يميز الإسلام عن "أهل الكتاب" هو تمثله لسنن وشرائع الماضي من خلال استفادته العقلية منها. فهو لا يأخذ الأمور بالتقليد الظاهر، بل بالمعنى الباطن، أي من خلال إدراك حقيقة ما فيها من النور المبصر لحقيقة التوحيد. من هنا فهو لا يرتبط بالأشخاص أيا كانوا، بل بالفكرة. وهو الأمر الذي حدد موقفه من ماهية الشريعة ووظيفتها. فهو لا يتمسك بمظاهر الأحكام التي تقنن الأفعال وقياسها بما هو وراد في كتبهم، بل برعاية المشاعر الحرام. وهي فكرة تعبر عن ماهية النور الباطن وجوهرية الفكرة أو المبادئ التي تعطي لرعاية الروح والجسد أولوية في العلم والعمل. من هنا شموليتها في المواقف. فهي لا تخاصم أشخاصا، بل تواجه فكرة ومبادئ. فهي لا تخاصم فرعون وهامان، بل المشرك والوثني. من هنا استنتاج الشهرستاني عن أن الإسلام مقارنة بمن سبقه من أديان الملة الإبراهيمية هو الممثل الحقيقي للحنيفية. فقد اختص موسى بالتنزيل وعيسى بالتأويل، ومحمد بالجمع بينهما . ذلك يعني أن ما يميز الديانة الإسلامية هو اعتدالها وجمعها بين إبداع أمم الحق. انطلاقا من وجود "أمة حق" و"فرقة ناجية" في كل دين وأمة. وهي فكرة تمثلت وجسدت بصورة عقلانية روح الوحدة الإنسانية والاعتدال العقلي تجاه التنوع التاريخي فيها، باعتباره تنوعا ضروريا. إلا أن منطق الاستفادة يفترض الاستمرار في تعميق وترسيخ منطق الحق والحقيقة فيها. وهو توجه يبدع بالضرورة روح البحث عن اليقين الخالص والاعتدال العقلي – الأخلاقي فيه. وبالتالي التأسيس لإمكانية الأصالة الثقافية والجمعية الإنسانية، التي حصلت على نموذجها الروحي الرفيع في نظرية "وحدة الأديان" الصوفية، وبالأخص عند ابن عربي وعبد الكريم الجيلي.
*** *** ***








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سوريا..ترقب لردود الفعل الحكومية والمعارضة بشأن وثيقة الدستو


.. مصر ... تدويل ملف سد النهضة لكسر جمود المفاوضات | #من_القاهر


.. مجلس الأمن يفوض فريقا لمراقبة وقف إطلاق النار بليبيا




.. طهران: محادثات الملف النووي في فيينا تحقق تفاهما جديدا


.. مفاوضات فيينا تتواصل.. واتفاق على تسريع الوتيرة | #غرفة_الأخ