الحوار المتمدن - موبايل


من نقد الدين إلى وحدة الأديان في الثقافة الاسلامية(8)

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 5 / 25
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


فكرة وفلسفة وحدة الأديان الصوفية

لقد كان نقد الأديان في الثقافة الإسلامية يصب في مرجعية رؤيتها الذاتية عن وحدة المعقول والمنقول. وهي مرجعية شاطرها الجميع كل بمقدار تحسسه وعقله وتذوقه لها. من هنا تشابه جميع فرق الإسلام في المستوى الحسي وتنافرها في المستوى العقلي واقترابها في مستوى الذوق تجاه نقد الأديان والإقرار بوحدتها في نفس الوقت.
لهذا لم ينحصر نقد الأديان في علم دون آخر. وإذا كان الكلام هو اكثر من اخذ على عاتقه مهمة النقد، فلأنه كان في نفس الوقت علم الدفاع عن عقائد الإسلام. ومع انه شاطر في الأغلب نفسية اللاهوت المميز للأديان الأخرى، إلا انه سار أشواطا اكبر وأوسع واعمق في تناول العقائد الدينية للآخرين وللنفس. وهو تميز ارتبط بطبيعة علم الكلام الإسلامي باعتباره علما عقليا بالدرجة الأولى وبكيفية ارتباطه بموروث الثقافة الإسلامية وعلومها ككل. لهذا لم يقع أسيرا في شباك "السلفية" أو "خدمة السلطة". لقد مارس هذه الوظائف ضمن إطار الجدل العقلي والنقلي لفرقه بحيث جعل منه علما مستقلا عن الخضوع المباشر لهوى السلطة وتقليد الأسلاف والبقاء في نفس الوقت ضمن حيز الانتماء الواعي للثقافة وروحها الإسلامي. وشكل إبداعه بهذا الصدد ما أسميته بالمستوى العقلي في نقد النفس (الفرق الإسلامية) والأديان الأخرى. وقدم بهذا المعنى الذخيرة الهائلة التي استمد منها الفلاسفة والفقهاء ومؤرخو الفكر والدولة وأهل التصوف كل ضمن توجهه وعالمه الخاص. وإذا كان الفلاسفة والفقهاء والمؤرخون مضطرين بفعل ماهية علومهم ووظائفها المباشرة في الإبقاء على القدر الضروري من نفسية المواجهة والتحدي بما في ذلك تجاه الأديان الأخرى، فان التصوف "اضطر" هو الآخر تحث ثقل مطارق الطريق إلى الله "بقهر النفس" وترويضها بالشكل الذي يجعل منها "مرآة الوجود". أي أن يوحد في ذاته التوحيد باعتباره النسبة المثلى لوحدة الظاهر والباطن في كل شئ، ومن ثم الفناء عن تناقضاتها التي لا تحصى بالبقاء في حقائقه. إذ ليست مرآة الوجود سوى الأنا التي تستظهر وجدان الإخلاص للحق.
وشكل تاريخ التصوف تجسيدا متناميا لهذا التهذيب الدائم، الذي توج نظريا في فكرة "وحدة الأديان". إننا نعثر على صداها ومعناها عند كل صوفي جليل بفعل ثلاثية العلم والحال والعمل، التي تصنع إرادته باعتبارها نهوضا للقلب في طلب الحق. وبالتالي الخروج من حيز الانتماء المذهبي الضيق إلى فضاء الحقيقة المتسامية. بحيث يصبح كل اقتراب منها اقتراب من حقائق الثقافة نفسها، ولكن على مستوى أرقى يفسح المجال أمام تذليل حدة الخلاف من خلال تحويله إلى مستوى نسبي في البحث عن هذه الحقائق ونموذج معقول في تجليها.
فقد ناجى الحلاج الله مرة بكلمات "بحقك لو بعت مني الجنة بلمحة من وقتي أو بطرفة من أحرّ أنفاسي لما اشتريتها! ولو عرضت علي النار بما فيها من ألوان عذابك لاستهونتها في مقابلة ما أنا فيه من حال استتارك مني! فاعف عن الخلق ولا تعف عني، وارحمهم ولا ترحمني! فلا أخاصمك لنفسي ولا أسائلك بحقي، فافعل بي ما تريد!" . وعندما صاح صيحة قوية بعد أن وصل في قراءته إحدى آيات سورة النحل، قال "هذه صيحة الجاهل به، لان المحب المحقق لا يعبد ما حذّ" . وعندما سمع مرة أحد الأشخاص يخاصم يهوديا في السوق ثم سبه بكلمة "يا كلب!"، التفت الحلاج إليه وقال "لا تنبح كلبك!". مما اضطر هذا الرجل للاعتذار منه، حينذاك قال له الحلاج "يا بني الأديان كلها لله. شغل بكل دين طائفة لا اختيارا فيهم بل اختيارا عليهم. فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم انه اختار ذلك لنفسه، وهذا مذهب القدرية. والقدرية مجوس هذه الأمة. واعلم أن اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف". ثم انشد:
تفكرت في الأديان جدا محققا
فألفيتها أصلا له شعب جما
فلا تطلبن للمرء دينا، فانه
يصدّ عن الوصل الوثيق، وإنما
يطالبه اصل يعّبر عنده
جميع المعالي والمعاني فيفهما .
وبغض النظر عن حديث "القدرية مجوس هذه الأمة" المدسوس في كلماته الآنفة الذكر، إلا أن الأفكار الأساسية تصب في تيار "وحدة الأديان"، من زاوية "رجوعها جميعا لله"، ومن زاوية رؤية كل منهم له بمقدار ما هو مستعد له كما سيقول ابن عربي لاحقا. فالانتماء للدين هو اختيار للمرء لا اختيار فيه، أي لا أفضلية لأي منهم على الآخرين، باستثناء مستوى الانتماء للمطلق. فهو المعيار الذي يحدد مستوى الاقتراب منه حقيقة الاختيار. من هنا قوله إن الأديان هي أسماء وألقاب لحقيقة واحدة، وهي شعب لأصل واحد لا تحده شيئا غير حقيقته. والمحب المحقق لا يحب ما يحدّ، أي انه لا يحب ما هو محدود وضيق أيا كان اسمه.
وعندما يتكلم أبو طالب المكي عن الطريق الخاص للصوفي العارف، فانه حاول أن يجعل من الأنبياء مثالا ومن الآية القرآنية "قل كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو أهدى سبيلا" نموذجا عمليا لها. وفسر ذلك انطلاقا من أن الله دل بذلك على انهم "كلهم مهتدون وبعضهم أهدى من بعض، بمعنى انه اقرب إلي الله وافضل" . وذلك لان كلمات "على شاكلته" تعني على وحدانيته، أي على التوحيد الذي يوحد الله به ويعرف به، كما يقول المكي. والشيء نفسه يمكن قوله عن عشرات المتصوفة الكبار، بما في ذلك عند أولئك الذين تبدو مظاهر كلامهم اقرب إلى تقاليد "أهل السنة والجماعة". لكنها "سنّية" الظاهر لا الباطن.
لقد تمثل المتصوفة تقاليد الثقافة الإسلامية، لكن من خلال تذويبها في تقاليد الطريق. وشكلت "مدرسة" الطريقة والشريعة والحقيقة الممر الضروري للارتقاء من الخلق إلى الحق، ومنه رجوعا إليهم. وهو الطريق الذي تمثل "عنفوان" الكلام في الدفاع عن عقيدة العوام، و"منطق" الفلسفة في بحثها عن الحقيقة، ووجدان الثقافة في الإخلاص لذاتها. واستبطن الغزالي البنية النظرية العقلية الأولى لها في تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي، واستظهرها ابن عربي في فلسفته عن النسب المثلى.
فقد انطلق ابن عربي من نفس التراث الانساني الهائل للتصوف فيما يخص الموقف من الاديان. فمن المعلوم ان المتصوفة لم يضعوا أنفسهم أمام إشكالية العقل النظري المتعلقة بماهية الأديان وطبيعة الخلاف بينها، وما يترتب على ذلك بالضرورة من تبرير واتهام ونقد وإيهام بأفضلية بعضها ودونية الآخر. لأنهم انطلقوا من ضرورة وجد ما هو موجود بمعايير المثل المتسامية. وهي مقدمة لا تخطأ في خطاها لان بدايتها ونهايتها واحدة كالقوة في المغناطيس. شعاعه يتجاذب وقوته واحدة. أما "الاندفاع" نحوه فمتوقف على استعداد المجذوب. وهي مقارنة حسية تحوي بين جوانحها على دفئ العلاقة الصوفية تجاه التعدد والتنوع والخلاف، لان الله هو القوة الوحيدة الواحدة للجذب المطلق في الوجود. وبالتالي، فان كيفية ومستوى، بل نوعية وصفة اندفاع الوجدان نحوه متوقف على استعدادها الذاتي. وهو استعداد قائم في حقائق الأشياء نفسها، إذ الكل يعبده بطريقته الخاصة بما في ذلك الحجر، كما يقول ابن عربي. وكتب بهذا الصدد يقول، بان "لكل جنس من خلق الله أمة من الأمم فطرهم الله على عبادة تخصهم أوحى بها إليهم في نفوسهم. فرسولهم من ذواتهم وإعلام من الله بالهام خاص جبلهم عليه كعلم بعض الحيوانات بأشياء يقصر عن إدراكها المهندس النحرير" . أي أن لكل وجود عبادته الخاصة بغض النظر عن جنسه حيونا كان أم نباتا أم جمادا أم إنسانا. وكتب بهذا الصدد أيضا يقول، بأننا "سمعنا عن طريق الكشف الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه إنسان" .
لقد أراد ابن عربي القول، بان كل ما في الوجود يرى ويسمع وينطق ويتكلم، لأنه يحيا كما يحيا كل شئ. فالأحجار أيضا تلمع وتسمع وتثير وتستثار. إنها تحمي الإنسان وتقتله، وتثير شهية السلاطين وحسد النساء، وتستفز الأغبياء والعقلاء، وتخاطب الجميع بحالها وتسمعهم رنين أصواتها في البيوت والطرقات والسجون والمنتزهات والمعابد والخرائب والمساجد والزرائب والقصور والقبور. وتعجب من له عين بألوانها ومن لا عين له بخشونتها وهيبتها، وتؤسر الفنان وهي تحت مطارق فأسه، بحيث تتطاير روحه مع كل تشظ لجزيئاتها لأنه ينحت فيها روحه، لذا يلتمع ما فيها من جمال على قدر ما يوضع فيها من روح، ويصبح "خطابها" الظاهري كلامها الباطني، لأنها تكلمه بقدر استعدادها الداخلي. فكل حجر يخاطب بلونه وشكله و"تعبيره". إضافة لذلك إنها تشدنا بخيالها المبدع في اشد أشكالها "اعوجاجا"، وذلك لان في كل حجارة "فطرة" هي ماهيتها، تعبد الله بها، باعتباره سرّ وجودها. وهو أمر يتجلى في كل شئ. إذ لا يعني أن "لكل جنس من خلق الله أمة من الأمم فطرهم الله على عبادة تخصهم أوحى بها إليهم في نفوسهم" سوى "فطرة" الأشياء أو جوهرها المتفتح في وجودها. ولعل تجليها في الإنسان اكثر دلالة ووضوحا.
فالإنسان مجبول على العبادة لأنها فطرته، وفطرته عبادة، كما يقول ابن عربي. وبما أن الأمم متنوعة، لهذا تنوعت الرسل والشرائع. لكنها تجري منهم مجرى الذات من استعدادها. ومن ثم، فان الشرائع والأديان هي من وحي نفوسهم بالهام خاص بهم. ذلك يعني انه أراد القول، بان عبادة الأمم لله وشرائعها وأديانها هو إبداع لوحيها الذاتي، نابع من تلقائية إدراكها له. وبما انه غير متناه لهذا وجدت كل أمة فيه ما هو مناسب لاستعدادها الخاص. وهو استعداد يمكن فهمه انطلاقا من نظرية ابن عربي عن الحقيقة المحمدية، باعتبارها منظومة النسب المثلى، وشكل تجلي النموذج المتسامي، والمرجعية الخالدة للوجود والعدم، والعقل المطلق، والحقيقة الأبدية والمنطق الخالص. وهي تجليات يتذوقها العارف بمعايير الحدس. فعندما ينظر ابن عربي إلى تنوع الأديان والله واحد، فانه لم يقف عند حدود تنوع الله في الأسماء (الصور) ووحدته في المعنى، بل وحاول أن يبين طبيعة هذه العلاقة من خلال تلقائية الفناء والبقاء، والصيرورة والزوال، والوجود والعدم في "الخلق الدائم".
إذ ليست الحقيقة المحمدية سوى الروح المدبر للعالم، التي تتمظهر في الوجود على شكل تجل لحقيقة الغيب. وهي روح تنفي باطنها حالما تتجسد. وبالتالي، فان كل تجل لها في الماضي هو تمظهر متجدد لباطن الروح المحمدي، أي ليس التاريخ الظاهر سوى التاريخ الباطن بعد أن يكون قد بلغ ذروته. ومن ثم ليس الظهور المحمدي سوى "حكم الزمان في جريانه"، كما يقول ابن عربي . وهو ظهور متنوع في الشرائع متوحد في الأصل. من هنا استنتاج ابن عربي عن أن "الحكم كان باطنا أولا في جميع ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل. ثم صار الحكم ظاهرا فنسخ كل شرع أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين، وان كان المشرع واحدا" .
ذلك يعني أن نسخ الشرائع واستبدال إحداها بالأخرى هو حكم التاريخ المعنوي. لان حقيقة الشرع واحدة من حيث كونه إبداعا للحق. من هنا تأويل ابن عربي للحديث القائل "كنت نبيا وآدم ما بين الماء والطين" على انه تعبيرا عن الحقيقة المحمدية القائمة ف تحول الباطن إلى ظاهر والإمكانية إلى واقع والمثل إلى تاريخ. من هنا قوله "لما لم يتقدم في عالم الحس وجود محمد كما هو، لهذا نسب كل شرع إلى من بعث به. بينما هو في الحقيقة شرع محمد، وان كان مفقود العين من حيث لا يعلم ذلك، كما هو مفقود العين الآن" . أي ليس تاريخ الشرائع سوى تاريخ التمثل المستمر للحق. وبالتالي فان ما قبل محمد وما بعده هو تاريخ واحد في الجوهر متنوع في الصور. وهي فكرة شرحها على مثال الناسخ والمنسوخ. وكتب بهذا الصدد يقول، بأننا متفقون على وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن، ولكننا لا نزيل المنسوخ منه. والشيء نفسه يمكن قوله عن الشرائع الأخرى، بمعنى أن نسخ الإسلام "لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونها شرعا له" . وهو نسخ يعادل من حيث مضمونه النفي الشامل والتمثل الكامل لها في أحكامه الجديدة. من هنا قول ابن عربي "كان ظهور محمد مثل الشمس الباهرة بحيث أدى إلى اندراج جميع الأنوار في نوره الساطع وغاب كل حكم في حكمه وانقادت جميع الشرائع إليه، وظهرت سيادته التي كانت باطنه. فهو الأول والآخر والظاهر والباطن . ولم يقصد ابن عربي بذلك نهاية التاريخ المعنوي، بقدر ما كان يقصد به وحدة الأديان في الحقيقة المطلقة وتنوعها في الصور. وهو تنوع يختلف باختلاف العصور والإمكانات، لكنه يحتوي شأن كل وجود جديد في سعيه لتمثل حقيقة الحق على اقتراب منها وابتعاد. ففي كل فعل اقتراب بالباطن، لكن ليس في كل فعل اقتراب في الظاهر. والظاهر هو ظل قد يتوافق مع الباطن وقد يختلف. وفي كلتا الحالتين هو سجود وعبادة إما للروح وإما للجسد. إذ ما من شئ يحدث إلا وله ظل يسجد لله ليقوم بعبادة ربه على كل حال سواء كان ذلك الأمر الحادث مطيعا أو معصيا، كما يقول ابن عربي. فان كان من أهل الموافقة كان هو وظله على السواء، وان كان مخالفا ناب ظله منابه في الطاعة. وذلك لان "الظلالات تابعة للصور المنبعثة عنها حسا ومعنى. فالحس قاصر لا يقوي قوة الظل المعنوي للصورة المعنوية، لأنه يستدعي نورا مقيدا لما في الحس من التقييد والضيق وعدم الاتساع" .
بعبارة أخرى، إن مساعي الأفراد والجماعات والأمم هو تمظهر لما في باطنها. وتجسيدها الظاهري إن كان موافقا لما في باطنها يشكل خطوة إلى الأمام في طريق الحق، وان كان مخالفا فانه عصيان الظاهر. وعصيان الظاهر أيضا عبادة لكنها عبادة خاطئة في طريق الحق. لهذا ينوب الظل في الطاعة. إنها طاعة الظاهر فقط. وفي حقيقتها هي طاعة الحس. من هنا تقييدها وضيقها وعدم اتساعها. فهي لا تستطيع أن تتجاوز الظاهر. وتبقى لهذا السبب عائمة ضمن حدود الجسد. لهذا تصنع عمرانها الخاص في العمارة من هياكل فخمة فارغة من حقيقة الباطن. وهي الفكرة التي وضعها ابن عربي في عبارته القائلة "بالظلالات عمرت الأماكن".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حمدوك يدعو مدبولي وآبي أحمد لقمة ثلاثية مغلقة


.. لقاءات لديفيد هيل مع المسؤولين اللبنانيين


.. توصيات أميركية بتعليق استخدام لقاح جونسون آند جونسون




.. الازدحام يعود إلى الشوارع مع بدء تخفيف الإغلاق


.. السودان وإثيوبيا.. أزمة الحدود