الحوار المتمدن - موبايل


تركيا والإسلام السياسي

وصفي أحمد

2020 / 6 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الحلقة الأولى
كلنا يعلم , أن تركيا كانت المهد الذي انطلقت منه إحدى أشهر الإمبراطوريات (( الإسلامية )) , والتي أصبحت من القوة بحيث هددت امبراطوريات أوربا المسيحية بالسقوط . لكن عوامل التعرية سرعان ما طالت هذه الإمبراطورية نتيجة لتمددها إلى مساحات واسعة من مناطق العالم القديم وللحروب العديدة التي دخلتها وعوامل عديدة أخرى , حتى سميت برجل أوربا المريض , لكن هذا المريض ظل يعيش في ردهات الإنعاش لعدم اتفاق دول أوربا العظمى في تلك الأيام على تقسيم أملاكه .
ثم جاءت اللحظة المناسبة لرفع أجهزة التنفس عن هذا العليل عندما قررت الإمبراطورية العثمانية الدخول في الحرب العالمية الأولى ( 1914 ـ 1918 ) والتي انتهت بهزيمة دول المحور ومنها امبراطورية آل عثمان التي كادت أن تضمحل , أو على الأقل تحجم لتصبح دولة صغيرة لولا ظهور كمال أتاتورك قائد الحركة القومية التركية آنذاك و(( مؤسس تركيا الحديثة وعدو الإسلام وحطم الخلافة في أعين خصومه .
بدأ كمال اتاتورك اصلاحاته بجملة من الاجراءات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مثل منع اعتمار الطربوش والعمامة وروج للباس الغربي ومنع المدارس الدينية وألغى المحاكم الشرعية وأزال التكايا والأضرحة وألغى الألقاب المذهبية والدينية وكتب قوانين مستوحاة من الدستور السويسري .
بعد ستين عاماً على وفاته , وفي أكتوبر 1998 ألقت السلطات الأمنية التركية القبض على 14 شخصاً وصفوا بالإسلاميين وهم يحاولون القيام بعملية انتحارية لتفجير قبر أتاتورك )) 1 .
الاسلام السياسي في تركيا
يحاول الباحث التركي عبد الله مناز , في كتابه (( الإسلام السياسي في تركيا )) الاجابة على تساؤل رئيسي فحواه : كيف انتشر وهيمن فكر الإسلام السياسي في تركيا ؟
يستهل مناز حديثة بالتعريج على نشوء فكر الإسلام السياسي في تركيا , مشدداً على أنه بالرغم من تشابه عوامل نشوء الإسلام السياسي في تركيا والدول الإسلامية الأخرى , إلا أن كل دولة تتمتع بصفات وحالات خاصة بها حول سيرورة نشوء الفكر المذكور فيها .
وعن الجذور النظرية لفكر الإسلام السياسي في تركيا , يرى الكاتب أنه من الصائب ارجاع هذه الجذور إلى حقبة السنوات الأولى من تاريخ الدولة التركية الحديثة تحديداً مع إلغاء مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك للخلافة , وتخليه عن الأحكام الشرعية والاتجاه نحو تطبيق القوانين المدنية .
وفيما يتعلق بالمراحل التاريخية لتطور هذا الفكر , يوضح الكاتب أن الدولة العثمانية , وفقاً لعدد من المؤرخين , مرت بمراحل :
1 ـ مرحلة التأسيس ( 1300 ـ 1453 ) .
2 ـ مرحلة الصعود ( 1453 ـ 1579 ) .
3 ـ مرحلة الركود ( 1579 ـ 1683 ) .
4 ـ مرحلة الانحطاط , والتمزق , والانهيار مجتمعة ( 1683 ـ 1920 ) .
وخلال المراحل الأخيرة تكونت أفكار سياسية واجتماعية عدة تبحث عن أسباب الانهيار والتخلف الحضاري , وفيما رأى بعض المفكرين , في تلك الحقبة , أن تطبيق الأسس الحضارية الغربية هو الحل , وجد البعض الآخر الحل في إعادة إحياء المباديء والتعاليم الدينية .
ويشير الكاتب إلى أن المفكر التركي يوسف أكتشورة , هو أول من تحدث عن نظريات الإسلام السياسي في كتابه ثلاثة مناهج سياسية , مبيناً أن أكنتشورة أوضح في كتابه أن عجز فكر (( العثمانية أو الشابة )) الداعي إلى الحفاظ على الدولة العثمانية من خلال منح مواطنيها , مسلمين ومسيحيين , حقوقاً قريبة للتساوي , عن لم شمل المواطنين الأتراك , أدى إلى ظهور ثلاثة أفكار : فكر الإسلام السياسي , وفكر التحضر المائل للغرب , وفكر القومية التركية .
ومع تأسيس الدولة التركية عام 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك , تم تبني فكري التحضر والقومية التركية , بغية محاكاة التطور الحاصل في العالم , ولاسيما في ايطاليا وألمانيا .
وانطلاقاً من نجاعة (( الحكم الجمهوري )) ألغى أتاتورك السلطنة في الأول من تشرين الثاني / نوفمبر 1922 , وبعد إعلان الجمهورية في 29 تشرين الأول / اكتوبر 1923 , وأزال الخلافة في 3 آذار / مارس 1924 .
وإلى جانب هذا العامل الذي لعب دوراً أساسياً في بلورة الفكر الإسلام السياسي الحديث في تركيا , قام أتاتورك بانتاج عامل آخر ساهم في توسيع مساحة نشوء الإسلام السياسي من خلال إلغاء مؤسسة ( شيخ الإسلام ) التي كانت تحدد السياسات العامة للدولة من خلال الفتاوى الشرعية , وتحويل الآذان من العربية إلى التركية عام 1932 , وفي 30 تشرين الثاني / نوفمبر 1925 أغلق أتاتورك التكايا ومقار الجماعات الدينية .
وإيماناً بضرورة سرد نصوص دينية تصارع الفكر الجمهوري العلماني , تم تأسيس (( رئاسة الأوقاف الدينية )) , إلا أن انشغال الرئاسة بتنظيم موسم الحج , وتنظيم المشاكل الداخلية المتعلقة بموظفيها من أئمة وخطباء , أحالها دون القيام بالدور المناط بها بشكل تام , وهذا ما أدى إلى تراجع دورها الديني المجتمعي في مقابل تنامي الجماعات الدينية , وجماعة اسكندر باشا التي خرج من كنفها نجم الدين أربكان , و تورغوت أوزال , ومن ثم رجب طيب أردوغان وأحمد داود أوغلو وغيرهم ... .
... وهنا يصبح التساؤل الأكثر الحاحاً هو : كيف لمؤسسة يعمل موظفوها من أجل الراتب , أن تتفوق على جماعات دينية ترسخت في جذور المجتمع التركي , وتتبنى خطة التمدد وكسب أكبر عدد ممكن من المواطنين كهدف ومبدأ حياة .
فترة الفوضى أو (( الحرب الداخلية ))
كانت الفوضى , أو فترة (( الحرب الداخلية )) التي مرت بها تركيا خلال سبعينيات القرن الماضي , بيئة مناسبة لفاعلية الجماعات الدينية دونما مراقبة صارمة من حكومات تلك الحقبة , والتي غاصت في حيثيات الأزمتين الاقتصادية والسياسية , وطبقاً لبرنامج دعم التيارات الدينية المجابة للتمدد الشيوعي اليساري , تنفست الجمعات الدينية في تركيا الصعداء , مطلع الثمانينيات , وكسب أكبر عدد ممكن وحتى عام 1997 وأخذت بالانتشار .
وعقب انقلاب 28 شباط / فبراير 1997 , طالبت الحكومات المتتالية , والعاملة تحت الوصاية العسكرية , رئاسة الأوقاف بطرح حداثية تجابه طروحات الجماعات الإسلامية (( الرجعية )) ويشير الكاتب إلى أن 105 بروفسور شريعة إسلامية أجتمع في اسطنبول في 18 أيار / مايو 2002 , مصدرين وثيقة عرفت باسم (( وثيقة الحداثة الدينية )) , وكان منها تحديد الخطوط الأساسية للشريعة الإسلامية في تركيا , بغرض محاربة أي تيار ديني آخر يتبنى فكراً مغايراً للفكر الديني الرسمي الذي تتبناه الدولة .
وبالوصول إلى الأسباب التي شكلت مناخاً مناسباً لتمدد التيارات الدينية في تركيا , وخوضها في غمار السياسة , يبدأ الكاتب بالإشارة إلى وصول الحزب الديمقراطي عام 1990 إلى سدة الحكم , كسبب أساسي لذلك , إذ يظهره الباحث كعامل (( باعث )) وبمثابة نقطة التحول لنشاط هذه الجماعات , موضحاً أن الأحزاب المنافسة لحزب الشعب الجمهوري , الحزب الذي أسسه أتانورك اعتمدت في حملاتها السياسية دوماً على التيارات الدينية التي تتصف , في اطارها العام , بالصوفية .
ويبين الكاتب أن الحزب الديمقراطي ( 1950 ـ 1960 ) , خاطب الغريزة الدينية لدى المواطنين المقربين من التيارات الدينية عبر منحهم كماً من الحقوق , وبعد انقلاب 1961 , سار حزب العدالة على ذات النهج , موضحاً أن تصريح عصمت اينونو , رئيس حزب الشعب الجمهوري , عشية انتخابات 1965 , بأن حزب العدالة برئاسة سليمان داميرال ليس هو من فاز عليه , بل (( جماعة النور )) , دليل على حجم تأثير الجماعات الدينية في مسار الحياة السياسية في تركيا , وإن لم يكن بشكل مباشر بل من بل من خلال أحزاب وصفت باليمينية المتوسطة , تزامناً مع انفتاح الباب الديمقراطي في تركيا عام 1950 .
ويعد حزب النظام القومي الذي تأسس عام 1970 , أول أحزاب الإسلام السياسي الواضحة في تركيا , أعقبه حزب السلامة القومي الذي كان تورغوت أوزال الذي أصبح رئيساً لحزب (( الوطن الأم )) فيما بعد , أحد أهم المرشحين باسمه عام 1977 , حيث مدح بكثافة فكر (( الرؤية القومية )) التي تعني تبني الفكر الإسلامي للحكم السياسي , وليس الفكر القومي كما هو ظاهر , والجدير بالإشارة إلى أن الوصول الرسمي الأول للإسلام السياسي إلى تركيا , كان عام 1973 , من خلال التحالف مع حزب الشعب الجمهوري , في صورة تعكس صفة البرغماتية لدى الممثل السياسي الأول لذلك التيار .
وخلال حكم (( حزب الوطن الأم )) ( 1983 ـ 1993 ) , وجدت الجماعات الدينية الأجواء مناسبة جداً للاحتفال بذكرى وفاة المؤسس سعيد نورسي ( سعيد نورسي عالم ومصلح ومجاهد كردي تركي , يعتبر من رواد التفسير العلمي للقرآن وأبرز دعاة الاصلاح الديني والاجتماعي في العصر الحديث , للمزيد راجع ( النورسي .. كردي ملك قلوب الأتراك بـ ( رسائل النور ) , الجزيرة نت ) , الذي يعتبر المجدد في تركيا , عبر الاجتماعات والمهرجانات .
وفي عام 1966 , وصل الإسلام السياسي إلى الحكم من جديد عبر تأسيس حكومة توافقية مع حزب (( الطريق القويم )) , حكومة انتهى بها الحال إلى انقلاب عسكري وصف بـ (( الناعم )) .
وبحسب الكاتب , فإن حزب (( الحركة القومية )) هو أيضاً من أحزاب الإسلام السياسي في تركيا , فقد تأسس الحزب , في البداية , على أسس قومية بحتة , لكن مع بداية السبعينيات , تحول إلى حضن يحوي أعداداً جيدة من أصحاب فكر الإسلام السياسي حتى عام 1993 , حيث انفصل محسن يازنجي أوغلو عن الحزب , مؤسساً حزب (( الاتحاد الكبير )) .
بموت مؤسس وزعيم حزب الحركة القومية , ألب أرسلان توركيش ( ألب أرسلان توركيش ( 25 نوفمبر 1917 ـ 4 أبريل 1997 ) هو أحد السياسيين الأتراك , وكان مؤسس حزب الحركة القومية ورئيسه , مثل اليمين المتطرف للطيف السياسي التركي , لمعرفة المزيد راجع الموقع الإلكتروني للموسوعة الحرة ) , عام 1997 , حاول أصحاب فكر الإسلام السياسي الموجودين في الحزب إعادة تأثيرهم , من خلال رفضهم انتخاب دولت باهجلي ( دولت بهجلي ؛ سياسي تركي ولد يوم 1 يناير 1948 , وهو حالياً زعيم حزب الحركة القومية التركية ولديه شهادة أكاديمية في الاقتصاد , لمعرفة المزيد راجع الموقع الإلكتروني للموسوعة الحرة ) , قاضياً بذلك على آخر أمل لقطب الإسلام السياسي في السيطرة على الحزب , وعلى الرغم من اقصائه للقطب الإسلامي , إلا أنه بقي بمثابة الأمل المتبقي لقسم كبير من المواطنين الأتراك المتسمين بالسمت المحافظ , وهو ما أدى إلى إكسابه أصوات هؤلاء المواطنين في انتخابات 1999 حاصلاً على نسبة 18 بالمائة . 2
وعن الإسلام السياسي في تركيا يكتب الكاتب والباحث السوداني محمد جميل أحمد عن نموذج الإسلام السياسي التركي قائلاً : (( إن سياق التحديث الذي خاضته تركيا , في مخاض عملية الدولة الأمة ( الدولة القومية ) التي أسسها كمال أتاتورك , لم تكد تعرف الإسلام السياسي , كما عرفته المنطقة العربية مع حسن البنا , وما بدا لكثيرين في حركة سعيد النورسي على أنه شكل من أشكال الإسلام السياسي , مضلل إلى حد بعيد فبديع الزمان النورسي , الذي تبنته في النهاية في النهاية إلى جدوى تجديد الخطاب الروحي للقرآن إزاء ضغوط الحداثة المادية التي تعرضت لها تركيا بجرعات كبيرة , كان يدرك تماماً أن هوية المنزع الروحي للإسلام في خطابه , لا تتصل , من قريب أو بعيد بما يسمى اليوم (( الإسلام السياسي )) .
ويواصل : (( لقد كان إرث الخلافة العثمانية , وما آلت إليه أوضاعها السياسي المتردية مع هزيمة الحرب الأولى , في وعي القوميين الأتراك المتأثرين بحركات المد القومي في أوربا , جزءاً من العالم القديم الذي ينبغي التخلص منه , وكانت ردود فعلهم العنيفة جدًاً إزاء الرموز الإسلامية في المظهر واللباس ونمط الحياة , من أكثر المحفزات التي جعلت حركة النورسي لإعادة الاعتبار الروحي للإسلام في حياة الأتراك وبهذا المعنى يمكننا القول أن تجربة الإسلام السياسي التي تمثلت بمحاولة الإخوان المسلمين (( استئناف حياة إسلامية حقيقية )) , على خطى الرعيل الأول من المسلمين في الأزمنة الحديثة , كما راهن سيد قطب , لم تكن في وارد التفكير لدى الأتراك بمختلف فئات مجتمعهم .
وإذا كانت تجربة الإخوان المسلمين في استلهام الإسلام السياسي , بوصفه تغييراً لا تكتمل هوية الدولة إلا به , من خلال السعي إلى (( تطبيق الشريعة )) , قد أثرت تأثيراً كبيراً في إيران , عبر الإسلام السياسي الشيعي , الذي طور الخميني من أجله نظرية ولاية الفقيه في الثورة الإيرانية عام 1979 , فإن تجربة حزب الرفاه في تركيا , بقيادة نجم الدين أربكان , الذي تغير إلى حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان لم تكن في وارد تحدي المؤسسة العلمانية للدولة التركية . 3 يتبع

1 ـ مصطفى كمال أتاتورك مؤسس دولة تركيا الحديثة , موقع إلكتروني .
2 ـ المسار التاريخي للإسلام السياسي في تركيا ـ الميادين .
3 ـ تركيا وقناع الإسلام السياسي في المنطقة العربية ـ Hafryat .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما مضمون التسوية بين الحكومة الباكستانية وحركة -لبيك- الإسلا


.. كيفية التعايش في الإسلام | #بذور_الخير الحلقة التاسعة


.. رمضان .. في ضوء الديانة اليهودية !! / قناة الانسان / حلقة 90




.. بيغسلوا دماغهم وبيسبوهم يواجهوا مصيرهم وبيهربوا.. هو ده فكر


.. قتلوا المصريين بالصوت والصورة ويقولوا مش إحنا.. الاختيار2 يُ