الحوار المتمدن - موبايل


متعة السفر

حمزة الذهبي

2020 / 6 / 16
الادب والفن


يدخل فيليب - وهو رجل خمسيني، يحب الرسم ، حياته سلسلة من الأسفار- إلى المكتبة بثيابه الغريبة، اللافتة للانتباه، ويسأل صاحبة المكتبة إذا كان لديها كتب عن أستراليا لأنه يريد السفر إلى هذا البلد – فهو رجل يحب السفر وقد زار 49 بلد من أصل 207 من البلدان الموجودة فوق الكوكب – تنصحه صاحبة المكتبة بأخذ أحد الكتب، فيأخذه ويأخذ معه دليل غاليمار حول أستراليا .
تنصرم عدة أسابيع قبل أن يعود فيليب إلى المكتبة مرة أخرى، يأتي والابتسامة مرسومة على وجهه ليحكي لها بحماس وسعادة عن الأماكن التي ذهب إليها في ذلك البلد، يقول لها بأن أستراليا كانت بلد رائع !! ثم يضيف : "وقد منحتني رحلتي إلى أستراليا الرغبة في زيارة نيوزيلندا."
لهذا يطلب منها أن تعطيه كتاب حول نيوزيلندا. تقدم له الكتاب وتعيره قرص دي في دي لفيلم درس البيانو وهو فيلم جرت أحدثه في نيوزيلندا. بعد شهر يعود فيليب ، لكنه لا يأتي خاوي اليدين ، يجلب لصاحبة المكتبة هدية وهي لوحة مائية ، تمثل شاطئا جميلا جدا تتكسر فوقه مياه عاصفية ، بينما يوجد بيانو وحيد وسط الساحل تجلس أمامه امرأة ، المرأة هي صاحبة المكتبة ، اكتشفت أنها كانت نموذج الرسام
وأخبرها ما عرفته :
المرأة هي أنت في نيوزيلندا !!!
ثم طلب منها أن تنصحه ببلد يذهب إلى زيارته ، قالت له بأنها ليست " وكالة أسفار وأنت أكثر خبرة مني في هذا المجال! كيف تريد مني أن أُوجهك " فقال لها بأن لديه فكرة ، أخبريني عن آخر كتاب قرأته وأحببتيه حقا وتدور أحداثه في بلد أجنبي!!
تخبره بأنها قرأت كتاب " القاضي تي" لكاتب هولندي كان متخصصا في الصين ، كتبه شديدة الحيوية وستحمله إلى صين ما قبل ماو بكيفية جيدة التوثيق !! يأخذ " القاضي تي " ودليل غاليمار حول الصين ، يحمل جسده وينصرف !!
صاحبة المكتبة ، ذات مساء ، رأت معرض يعرض لوحات شبيهة باللوحة التي قدمها إليها فيليب ، هناك التقت ابنة فيليب ، تجاذبت معها أطراف الحديث واكتشفت أن فيليب لم يكن يسافر حقا .
نعم لم يكن يسافر .
لكنه مع ذلك كان يسافر .
كان يسافر من خلال الكتب التي يقرأها .
نعم لا داعي للاستغراب :
الكتب أيها الأعزاء تملك هذه القدرة ، القدرة على جعلنا نسافر إلى أماكن ربما ليس في استطاعتنا أن نسافر إليها !! عندما نقرأ كتاب ما فنحن نسافر داخل تلك العوالم التي ينسجها الكاتب !! تفتح كتاب ، تستغرق في قراءته ثم تجد نفسك ولجت إلى عالمه ، تنسى العالم الخارجي ، بل يمكن القول أنه لا يبقى لك وجود خارجي ما دام الكتاب مفتوح !!! سيقول قائل أن الأمر مجرد قصة روائية لا أساس من الصحة أبدعتها يد الكاتب إيريك دو كيرميل في روايته "مكتبة ساحة الأعشاب" ، بيد أني ، من خلال تجربتي الخاصة ، أؤكد لكم ، أيها الأعزاء، أن الأمر يحدث فعلاً ، إذ خلال هذا الحجر الصحي الذي فُرض علينا نتيجة تفشي هذه الجائحة التي عصفت بالعالم ، لم يكن مسموح لنا بالخروج ، بيد أني كنت أخرج، ألتقط كتاب من مكتبتي فأجد نفسي في صحراء ليبيا تارة مع إبراهيم الكوني وتارة أخرى مع شكري في مدينة طنجة وتارة ثالثة في سيبيريا الباردة مع ديستوفسكي ، ومثل كل سفر كنت أتوه أحياناً ، لا أعرف أين أنا ، لأكتشف أن الكاتب الأرجنتيني بورخيس كان مُحقا عندما قال أن الكتاب الواحد يمكن أن يمثل مكان نضيع فيه ونتوه .
فالكتب تملك هذه القدرة ، إنها ميزتها وإلا لن تكون كتب !!
عود على ذي بدء :
بعد عدة أسابيع يدلف فيليب إلى داخل المكتبة ويخبر صاحبة المكتبة عن رحلته الى الصين وأن بيكين مدينة يصعب العيش فيها .
ثم يضيف :
لكن ما إن نبتعد عن المدينة الكبيرة حتى نعثر على الصين الخالدة .
هكذا مرة كل شهرين يدفع فيليب باب المكتبة ، يحكي لها عن رحلاته بمتعة وسعادة قل نظيرها وينصرف بعد أن يأخذ كتاب - تنصحه به - في يده . وفي نهاية هذا الفصل الموسوم ب " فيليب الرحالة الذي لا يتعب " تقول المرأة صاحبة المكتبة:
" رأي أنه قريبا سيسافر إلى البلدان 207 التي تشكل كوكبنا الصغير "


لتجديد معلومات موقعكم الفرعي (الصورة، النبذة والتصميم ) بشكل أوتوماتيكي
نرجو استخدام الرابط التالي، يعتذر الحوار المتمدن على تلبية طلبات التجديد المرسلة بالبريد الالكتروني
http://www.ahewar.org/guest/SendMsg.asp?id=

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح الخير يا مصر - الاخبار الفنية.. المهن السينمائية تنعي ا


.. صباح العربية | سعيد تغماوي مغربي في عالم السينما الغربية


.. أنقرة تستدعي القائم بالأعمال الفرنسي بعد نشر كاريكاتير مسيء




.. عنايات المحمودى قصص قصيرة للقاص احمد دسوقى مرسى


.. نقد الشاعر السيد حسن لقصة تائهان للقاص احمد دسوقى مرسى