الحوار المتمدن - موبايل


الفكرُ العربي إرهاصاتٍ وأعلاماً..

حكمت الحاج

2020 / 6 / 26
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


لقد تلقينا عن المنهجية "التاريخانية" مفهوما خطيا للزمن التاريخي الذي يمتدّ من أصل إلى غاية. فالأصل، أي البداية، عن الغربيين هو ميلاد المسيح والحضارة اليونانية. والأصل عند المسلمين هو الهجرة النبوية. والغاية هي يوم البعث في نظر المؤمنين، أو تقدم الأمة في نظر العلمانيين. وبين الأصل والغاية تمتدّ مسيرة البشر نحو النجاة والكمال اعتمادا على التعاليم السامية التي أجمعت عليها الأمة.
وبهذا فقد تعلمنا أن نفرق العلوم ونرتبها حسب معيار الأصل والغاية، وأن نفضل بعضها على بعض، حتى أصبحنا لا ندرك العلاقات الكامنة بين العلوم التي كانت متعادية ومتنافسة في الظاهر كالفقه وعلم الكلام والفلسفة مثلا، وبين تلك التي كانت تبدو متآلفة كالطب الجسماني والطب الروحاني وعلوم الأخلاق والتصوف. وبالنسبة لمشروع "محمد أركون" في النظر والتأريخ للفكر العربسلامي فإنّه يطرح مصطلح "المنظومة الفكرية" حتى يمكن إدراك هذه العلاقات الكامنة واستخراج المقدمات الضمنية التي توجه الفكر توجيها حتميا، وهو يمارس علوما مختلفة في الظاهر. فإذا ما أدركنا فحوى "المنظومة الفكرية" الخاصة بفترة من فترات التاريخ وحقبة من حقب الثقافة فإنّنا سنتحرّر من التقسيم الزمني المتقيد بمعيار نشوء الدول وزوالها، أو سيرورة الأحداث الطارئة، ونهتدي إلى معيار أكثر شمولية للعلوم وللعوامل التاريخية المستمرّة.
ولابد هنا من إيلاء الاهتمام الجاد والمستمر للمصطلح الذي يطلقه الدكتور "محمد أركون" في هذا السياق، ألا وهو اصطلاح "العرفان العميق" الذي لم يتغير عند العرب منذ إخضاعهم النشاط الفكري للتعاليم القرآنية.
لقد كان للفكر العربي مع القرآن انطلاقة لامعة. فقد فتح هذا الكتاب آفاقا جد واسعة وجاء بأفكار جد كثيفة واستخدم وسائل تعبير جد استثنائية في حين أنّه لا يزال إلى اليوم يقدم للمفكرين وللباحثين العلميين مواضيع لا تنضب مما يمكن - بل ويجب - ارتياده.
ولكن بعد فترة من المنافسة الحادة بين "العلوم الدينية" و"العلوم العقلية" أنجب الفكر العربي، حسب "أركون" في كتابه "الفكر العربي" اتجاهين متمايزين كل التمايز:
1) نزعة عقلية يمثلها "ابن رشد" وقد تلقفها الغرب الأوروبي وسار على دربها.
2) نزعة مفتوحة على نحو أكبر لقبول قوى الخيال والتخيل المبدع والتي ازدهرت خاصة في الإسلام المشرقاني وفي عموم نزعات الإشراق.

ولهذا التمايز أسباب لم يكشف النقاب عنها بعد - حسب رأي أركون في كتابه المشار اليه في مقالنا هذا والذي ترجمه إلى العربية د. عادل العوا - ولكنه يحيل دائما إلى الثنائية القديمة القائمة منذ "أرسطو ما بين "الخيال" وبين "العقل".
إنّ تاريخ الفكر يعتمد على "قراءة السرديات" كلها، الأدبية منها والنظرية. ويجب الوضع في الاعتبار إن مناهج القراءة قد تغيرت وتعدّدت بعد ازدهار البحوث اللسانية والسيميائية، وأصبحت القراءة عملية معرفية شاملة تجمع بين التحليل اللغوي والتساؤل التاريخي والتدبير الفكري لاستخراج الجدلية الكامنة بين الحقول الثلاثة على شكل الخطاطة التالية:
1) اللغة
2) التاريخ
3) الفكر

ويخلص بنا المفكر الكبير "د. محمد أركون" في كتابه هذا إلى عصارة مفادها إنّ دراسة الفكر العربي توجب على الذهن الحديث بذل جهد مزدوج: فيجب أولا قبول غربة عقلية لا مناص منها، ولا بد ثانيا من ألفة يقوم بها المرء للطرائق والإشكاليات التي ما زلنا نشعر بخصوبتها حسب أنموذج الفكر العربي.
وفيما يخصّ الأعلام والشخصيات النافذة، فإنّ الكتاب يتناول من المفكرين الأفذاذ من كان لهم الدور الكبير في توجيه أفق الفكر العربي في القرون المتأخرة. يأتي في مقدمتهم العلامة ابن خلدون صاحب "المقدمة" الذي لم يُعد العرب اكتشافه إلاّ في أوائل القرن العشرين، وقد حظي منذ بضع سنوات بأبحاث امتداحية أكثر منها بدراسات جادة، كما يرى إلى ذلك "محمد أركون". إنّ ابن خلدون لهو مثل ثمين على ما يمكن أن يستخلصه الفكر من التراث المدرسي والتقليدي وذلك من أجل تعقل مشكلات العصر والسيطرة عليها.
إن "مقدمة ابن خلدون"، حسب رأي "أركون"، ليست نتاجا استثنائيا لعبقرية فذة، بل هي استمرار ثقافي تبرز فيه صدى مؤلفات أكبر المؤرخين وعلماء الكلام والفلاسفة في العصر الوسيط، وهي، أي (المقدمة)، تستخدم مصادرات ابستمولوجية لإسلام سني مالكي بالدرجة الأولى، وإنّ إسهامها الحي وأصالتها يرجعان إلى أنّ المؤلف قد أراد أن يتعقل ثقافة بأسرها بفضل مبدأ (المعاينة).
ويتناول الباحث أيضا شخصية "ابن تيمية" وتأثيره على الحركة الوهابية في الجزيرة العربية. ثم شخصية "لسان الدين بن الخطيب" وهو وجه من الوجوه الأخيرة الرائعة التي تمثل النزعة الإنسانوية الأندلسية المتركزة في (غرناطة).
ثم يضيف "أركون" إلى هذه الأسماء الثلاثة، اسمين آخرين لمفكرين مهمين في الإسلام المتأخر ألا وهما: السيد "حيدر العاملي" وقد عمل على ربط التصوف بالفلسفة، و"الخواجة ملا صدرا" أو "الخواجة صدر الدين الشيرازي" وهو من كبار المتفلسفة والمتأولين، وهو باحث نظري نافذ الرأي في علوم الإشراق والشعور التخييلي.
إن كتاب "الفكر العربي" لمؤلفه "محمد أركون" كتاب خطير ومهم، وعلى كل مهتم بالفكر الفلسفي العربسلامي في العصر الوسيط وامتداداته في حياتنا المعاصرة أن يطلع عليه ويتفاعل معه ويتفحص أطروحاته المتجددة على الدوام.

محمد أركون: مفكر عربي ينتمي لتيار ما بعد الحداثة العالمي. ولد في الجزائر وعاش في فرنسا ودفن بالمغرب. آمن بما بعد الحداثة كفكر وممارسة، لكنه شعر باليأس والإحباط من نظرة الأوربيين إليه كمسلم تقليدي. ولد عام 1928 بقرية تاوريرت ميمون بولاية تيزي وزو في منطقة القبائل الكبرى، ونشأ في عائلة أمازيغية فقيرة. بدأ تعليمه الابتدائي في تاوريرت ميمون، والتحق بوالده في محافظة عين تموشنت بالغرب الجزائري وهو في التاسعة من عمره، فتعلم العربية والفرنسية. وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة لعائلته لم يتمكن من السفر إلى الجزائر العاصمة لمواصلة تعليمه الثانوي، فدرس في ثانوية يشرف عليها الآباء البيض (نخبة من المعلمين ذوي النزعة التبشيرية) بولاية وهران ما بين (1941-1945). واستكشف في تلك المرحلة الثقافة والأدب اللاتينيين، وتعرف على القيم المسيحية وآباء الكنيسة الأفريقية على غرار القديس أوغسطين. ثم التحق بكلية الآدب في جامعة الجزائر ما بين (1950-1954) ولم يكتف بدراسة الأدب بل انخرط أيضا في دراسة الفلسفة والقانون والجغرافيا، وفي منتصف الخمسينيات التحق بجامعة السوربون بتوصية من المستشرق لويس ماسينيون، وفيها حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في عام 1969. توفي محمد أركون يوم 15 سبتمبر 2010 عن عمر ناهز الثمانين عاما، ودفن بمقبرة الشهداء في العاصمة المغربية الرباط تنفيذا لوصيته.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أودي كيو 5 سبورتباك-سيارة تجمع بين القوة والجمال | عالم السر


.. تريندينغ الآن | -لهفوا اللقاح-...هل سرق فعلا مجلس النواب لقا


.. طالب جامعي جزائري: -عدنا بعد أن كنا قد أوقفنا حراك الثلاثاء




.. اليمن: حراك دبلوماسي أممي وأمريكي لإحياء مسار السلام ووقف ال


.. هل تخفي إيران عن العالم مواد نووية في مواقع سرية؟