الحوار المتمدن - موبايل


في جوع دَيْقوع دَهْقوع

سليمان جبران

2020 / 7 / 13
الادب والفن


لمّا رأى الخُرْجي أنّ سكناه في بيروت لا تصلح لجسمه ولا لرأسه، عزمَ على الشخوص منها إلى الجبل. فأُلْقيَ في روعِه أنْ يسكن في دير للروم، فسار بزوجته وبالفارياق، فأقاموا في قرية تحت الدير يوميْن.
وكانَ يأْنس بالفالرياق بعضُ الحسان، منها، ويواكلنَه. فلمّا علمتْ إحداهنّ أنّهُ صاعد في الغد إلى الدير طفِقتْ تبكي . . فكأنّما ظنّتْ أنّه نوى الرهبانيّة. فظهر له أنّها خالفتْ عادةَ النساء، لأنّهنَّ يُحْبِبْنَ الرهبان أكثرَ من العامّة. فإنّ فتنة النُسّاك العُبّاد تتوقّف على رَوْم وكيْد أبلغ، وهو ممّا يلذّ النساء، أو بالعكس. حتّى إذا رأيْنَهُمْ طوْعا لهنّ رجعنَ بعد ذللك إلى ما كُنَّ عليه، ليختبرْنَ جميع ضروب الحبّ، فلا يفوتُهُنَّ منه شيء.
والحاصل أنّ الفارياق بُكيَ على فراقه هذه ثاني مرّة في عمره، حتّى صار يُحسب في عِداد المَحْبوبين، وأنّه ذهب في الغد إلى الدير، واتّخذ له فيه صَوْمعة بلا قُفْل ولا مفتاح، فصار منْ جماعة باعِرْ بايْ ( الذين ليس لأبوابهم إغْلاق. قلتُ وهو بناء غريب ). وكان ذلك الدير مُنْتابا لجميع أهلِ القرى المحيطة به، فإنّهمْ كانوا يودعون فيه أمتعتَهم، خوفا منْ هجوم العساكر المصريّةعليْهم، لأنّ الدير حَرَمٌ آمِن. وكانوا إذا جاءوا إليْه يدخلون جميع الصوامع منْ غير مُحاشاة، ومنْ جُملتها صومعة الفارياق. فكانوا إذا وجدوا على فراشه أوراقا فيها تفسيرُ حُلم أو غيره، تلقّفوها وقرأوها. فمنْهم منْ كان يفهم منها قدر ما يدور به لسانه، وآخر قدر مل يدور به رأسه. وآخر قدر ما يدور به جسمه كلّه فيُوليه ظهرَه ويخرج. ومنْهم قدر ما تدور به يدُه، فيرْفعها ليبطش بالكاتب والمكتوب معا. ومنهم منْ كان يسخر منها ويقول إنّما هي أضغاثُ أخلام. ومنهم منْ منْ كان يقول إنّها لا تصلح لوقت الحرب. ولم يجدْ منهم مَن استحسنها.
وكان يدخل أيضا مع هؤلاء الدامقينَ دامقاتٌ فيهنّ مَن يجب تلقّيها بأهلا وسهلا ومرحبا. وفيهنّ مَنْ تجدر بواحد منْ ذلك فقط. وفيهنّ مَنْ تجدر باثنينِ مواتَرة. وفيهنّ مَنْ لا تصلح لشيْء,
وكلّ ذلك كان يمكن تحمّله إذا حُمل بعضُه على بعض، إلا الجوع الذي تسبّب عنْ تعطيل الطرق، فإنّه كان لا يُطاق. مع أنّ الفارياق كان قد خرج من عناء سفر البحر الذي منّاه بالصيام أيّاما متوالية. فكان لا بدّ من اللَّمْج . فمنْ ثَمَّ كان يذهب إلى القرية وينادي: يا مَنْ عندها دجاجة للبيع فتبيعني إيّاها. فكان بعض النساء يُجِبْنَهُ: هذه الدجاجة السارحة مع الدجاج في الحقل أريد بيعها، فإنْ أردتَها فاسْعَ إليْها وافبضها بيدك. فكان يسعى وراء الدجاج، ويطفر معها على الجدران. فإنْ ساعده الحظُّ على كسر ساق إحداها أو إعياءها قبض عليها.
وكان عند جريه وراءها يجري معه خاطرُه، فيقول في نفسه: أنا أجري الآن وراء دجاجة، فهل زوجتي تجري في الجزيرة وراء ديش. وينبغي لي أنْ أقف قليلا عند هذا الجري، فأقول: قد ذكرتُ سابقا أنّ الفارياق كان ذا هَوَج ونزق وجزَع. فكان منْ طبعه إذا غاب عن أهله أت لا يزال يقابل حاله بحالهم، بالمقابلة الاطّراديّة وبالمقابلة الإمتيّة. مثال الأولى قوله أنا أجري وراء دجاجة، فهل زوجتي تجري وراء ديش. وقوله مثلا وهو لابس: هل هي في هذا الوقت عُريانة، وفي حالة كونه قائما : هل هي الآن مضطجعة؟ ومثال الثانية: أنا أجري الآن وراء دجاجة، فهل يجري روراءها ديش؟
على أنّ خبز الدير والقرى ح كان مخلوطا بالزؤان. فكان الفارياق إذا أكل منه خُيّل له أنّه لم يزلْ في السفينة عرصة للتّنانين. ويتأكّد عنده ذلك بدخول أحد الرهبان عليه وهو على تلك الحالة. فامّا ضاق بها ذرعا نظم أبياتا، وبعث بها إلى رئيس دير غير الدير المذكور، وكان يظنّ أنّ عنده غَناء، وهي:
ليتَ شعري ماذا يُفيد البيان / مع خواء البطون والتبيانُ
وفنون البديع من غير أكل / تستشيط اللهى بها واللسانُ
هاكَ ألفَ استعارة برغيف / وبخسّ تخسّ تفتازانُ
أيّها المعربون هبّوا فما منْ / ضرب زيد عمرا يرصّ الخوانُ
أين أين الكباب والبرغل تصغو من فيضهنّ الجفانُ
ذهبتْ دولة الطيخ وجاءت / نوبة الجوع أمّها لبنان
يا لها من معرّة نبعث الدينار ما إنْ يعبا به إنسانُ
ليس بيع ولا شراء بأرض / قد قضى عيشُها وعاش الزؤانُ
طال مكثي في الدير حتى كأنّي / راهب لا ترضى به الرهبانُ
إذْ رأوْني وحوليَ الكتبُ والأقلام ممّا عنه نهى الرهانُ
أنا في وحشة من الأنس وحدي / لا تراني فلانة وفلانُ
عيشة لو أُريتُها في منام / ما شجتْني من بعدها الألحانُ

فبعث إليه الرئيس بأرغفة لا زوان فيها، ومعها هذان البيتان:
وصلتني الأبيات يا فرقيانُ / إنّما نحن في الدنيا رهبانُ
ما عندنا طعام كما تشتهي / ولا نبيذ ولا نسوانُ
فهرول إليه الفارياق ليعاتبه في تغيير اسمه. فرأى في الدير إحدى نساء الأمراء، كانتْ قد جاءت إلى الدير استئمانا من العساكر. فلمّا رآها قال له: قد شفع الخبز يا سيّدي في وزن البيتين، ولكن لمَ غيّرتَ اسمي؟ ثمّ تذكّر السيّدة، فقال: وقلتَ أيضا إنّكم رهبان، وما عندكم نسوان. وها أنا أرى عندكم سيّدة زهراء، قد ملأت الطنفسة شحما ولحما! قال: إنّما غيّرتُ اسمك لأجل القافية، وهو جائز للشعراء. وأمّا قولي ما عندنا نسوان أيْ ليس لنا أزواج. ولكن لا ننكر أنّ نساء غيرنا يزرْنَنا أحيانا للْبركة.قال مِنْ أيِّكم يحصل ذلك، فلم يفهمْ. لكنّ السيّدىة فطنت لذلك، ودعتْه إلى الأركيلة المعروفة، فلبثَ ساعة عندها شفعتْ في تقيير اسمه أيضا!
وآب إلى صومعته راضيا. فوجد رئيس المُعَبَّر قد تعكبش في راسه غصن من أغصان الحلم الأوّل، فزاده خبالا. فكان يقول إذا سمع صوتَ الطبول من خيام العسكر، وإذا أبصر بريق سلاحهم: ألا تسمعون طبولَ الشيطان، يضرب به بعض الرهبان، ألا تُبصرون قرون الشيطان كيف تتّقد منها النيران، إذْ تحتكّ بها النسوان؟ والسيّدة زوجتُهُ غير مكترثة بصراخه، ولا بتخييم العسكر قرب الدير، لأنّ حبّ الغصن لم يدعْ في قلبها موضعا لغيرِه. ثمّ منَّ الله تعالى بإصلاح الحال، فسارت العساكر من البلاد، وأمنتِ الطرق والمسالك، وسكن صاحب المعبّر. فرأى أنْ يذهبَ إلى مدينة دمشق، ويمرّ ببعلبكّ، ليرى قلعتها العجيبة. فاكترَوْا لهم خيلا وبغالا، وعزموا على السفر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات


.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح




.. شاركت لمجرد أغنية -الغادي وحدو-.. الفنانة حريبة: تصدم جمهور


.. أن تكوني فنانة عربية.. رؤى وتحديات