الحوار المتمدن - موبايل


أخطاء القرآن اللغوية: 11) تقطيع معيب للآيات وعلامات الترقيم الحديثة

سامي الذيب
(Sami Aldeeb)

2020 / 7 / 16
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ذكرنا في مقال سابق
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=676207
بأن الأخطاء اللغوية في القرآن تنقسم إلى 11 نوع
وسنعرض هنا النوع الحادي عشر منها: تفكك أوصال آيات القرآن
--------
أدخل المسلمون عبر العصور علامات وقف وضبط معقدة جدًا في طبعات القرآن توخيًا للقراءة السليمة، وصدرت كتب حول ما يطلق عليه العلماء المسلمون «الوقف والبداء والضبط» . ولكل من المشارقة والمغاربة علاماتهم الخاصة. ورغم كثرة هذه العلامات، ليس فيها ما يشير إلى علامة الاستفهام وعلامة التعجب وعلامة التنصيص.

وقد أضيف رقم الآية لاحقًا في نهايتها، خلافًا لما هو عليه الأمر في التوراة والإنجيل حيث رقم الآية موضوع في بدايتها. ويتسم ترقيم آيات القرآن بالعبث في بعض الحالات لأنه لا يشير إلى نهاية الجملة. هذا وقد تم تقسيم الآيات عامة بحيث يحافظ على السجع. ولكن في كثير من الآيات نجد الجملة ناقصة ويجب تكميلها في الآية اللاحقة. وهو ما لا يساعد في فهم النص، خاصة ان النص القرآني لا يتضمن نقاطًا تفصل بين الجمل. ونعطي هنا مثالًا من سورة الروم واضعين نجمة في نهاية الجملة
2- غُلِبَتِ الرُّومُ
3- فِي أَدْنَى الْأَرْضِ * وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
4- فِي بِضْعِ سِنِينَ * لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ [...] وَمِنْ بَعْدُ [...] * وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
5- بِنَصْرِ اللَّهِ * يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ * وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
ويلاحظ في الآية 4 عبارة مبهمة (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ). وقد اعتبرها المفسرون ناقصة فكملوها كما يلي: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْل [الغلب] وَمِنْ [بَعْده] أو لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْل [كل شيء] وَمِنْ بعد [كل شيء] .
وهناك من يعتقد بأن ترقيم آيات القرآن قد تم بوحي من الله، خاصة عند من يعتمد على الإعجاز العددي لإثبات مصدره الإلهي ، رغم أنه من المعروف أن علماء المسلمين مختلفون في أرقام وتعداد آيات القرآن. يقول السيوطي: «أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة، وقيل وتسع عشرة، وقيل وخمس وعشرون، وقيل وست وثلاثون» . وقد جاء الاختلاف في العدد نتيجة دمج آيتين في آية أو فصل آية إلى آيتين. فالمسلمون غير متفقين أين تبدأ واين تنتهي الآية. ويشير البعض إلى وجود التراقيم التالية:
- الترقيم المدني الأول (6000 أية)
- الترقيم المدني الأخير المتداول في المغرب (6214 أية)
- الترقيم المكي (6219 أية)
- الترقيم الشامي (6226 أية)
- الترقيم الكوفي (6236 أية) ويتبعه كل من مصحف الملك فؤاد في عام 1923 ومصحف المدينة الذي يوزعه مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الترقيم البصري المتداول في السودان (6204 أية)
- ترقيم المستشرق الألماني جوستاف فلوجل Flügel لعام 1834 (6238 آية)
- ترقيم الدولة العثمانية حوالي عام 1880 (6344 آية)
وما زال بعض المستشرقين يستعملون ترقيم فلوجل في كتاباتهم وترجماتهم، كما هو الحال في ترجمة مونتي (Montet) وترجمة كازيميرسكي (Kasimirski) باللغة الفرنسية. وهناك ترجمات تستعمل تعدادًا مزدوجًا مثل ترجمة بلاشير (Blachère) وترجمة حميد الله (Hamidullah) باللغة الفرنسية وترجمة مانديل (Mandel) باللغة الإيطالية، أي أنها تذكر العدد وفقًا لمصحف الملك فؤاد والعدد وفقًا لمصحف فليجل. وقد اكتفينا نحن بذكر أعداد مصحف الملك فؤاد لكي لا نثقل على القارئ. والفرق بين التعدادين داخل السورة الواحدة يصل أحيانًا إلى ستة أرقام.

ولكن الأهم من كل ذلك في نظرنا هو إعداد طبعة علمية للقرآن تتبع فيها مبادئ النشر مضيفة علامات الترقيم الحديثة، بدلًا من ان تقدم لنا نصًا مزخرفًا مرصوصًا رصًا لا يعرف القارئ أين تبدأ الجملة فيه ولا أين تنتهي، إلا إذا كان عالمًا بإشارات الوقف المعقدة التي تثقل النص القرآني. وقد يكون السبب في عدم إدخال علامات الترقيم في القرآن حتى يومنا عدم وجود اتفاق بين المسلمين حول بداية ونهاية الجملة. فإتباع المألوف في طباعة القرآن يعفي من ضرورة التفكير واخذ قرار في كيفية تقسيم وتنظيم النص القرآني. وهكذا تحول القرآن إلى تحفة فنية بدلًا من ان يكون كتابًا للتفكير والتمعن.

وللفائدة، نشير إلى أن علامات الترقيم للكتابة العربية دخلت متأخرًا جدًا. ويعود الفضل في إدخالها إلى أحمد زكي باشا حيث أدرك بعد أن اطلع على اللغات الأوربية أن النصوص العربية المكتوبة تنقصها علاماتُ تسهل على القارئ فهم ما يرمي إليه الكاتب من وقفات، وتعجب، وتساؤل، إلى آخر الحركات الصوتية والوقوفية. وقد أخذ أحمد زكي باشا هذه العلامات من تلك اللغات ونقحها وأدخلها للكتابة العربية في كتابه «الترقيم وعلامته في اللغة العربية» الذي طبعه بالمطبعة الأميرية في القاهرة عام 1912 . ورغم مرور أكثر من قرن على هذا الكتاب، ما زالت السلطات الدينية في العالم العربي والإسلامي تصدر الفتوى بعد الاخرى لرفض نشر القرآن مع علامات الترقيم الحديثة المتبعة في الكتابات العربية الحديثة. وقد يكون أحمد زكي باشا مسؤولًا عن هذا الوضع، فقد جاء في كتابه المذكور: «وعندي انه لا موجب لاستعمال هذه العلامات في كتابة القرآن الكريم، لأن علماء القراءات رحمهم الله قد تكلفوا بالإشارة إلى ما فيه الغناء والكفاية فيما يختص به. وربما كان الأوفق عدم استعمالها أيضًا في كتابة الحديث الشريف، لأن تعليمه حاصل بطريق التلقين، وأما روايته فلا بد فيها من الدراية أيضًا».
ومن المعروف ان كل المخطوطات القديمة خالية من علامات الترقيم الحديثة. ونجد هذا في مخطوطات القرآن. يقول عسلان: «لا بد من الانتباه أثناء [نسخ المخطوطة] من وضع علامات الترقيم المعروفة من فاصلة، أو نقطة، أو قوسين، أو علامة تنصيص، أو استفهام، أو تعجب، أو معقوفين، أو علامة الجمل المعترضة ونحو ذلك» . فإن كان هذا مطلبًا لتحقيق المخطوطات بصورة عامة، فكم بالأخرى يجب إتباعه في تحقيق نص القرآن ذاته؟

اقتبس هنا بعض الآراء المعارضة لإدخال علامات الترقيم الحديثة في القرآن مع روابطها:
- علامات الترقيم تؤول إلى التفسير، وتنوب في بعض الأحيان عن نبرات الصوت المعبرة عن بعض المعاني - كالتعجب، والاستنكار، والاستفهام - وهذا وإن كان مقربًا للفهم، إلا إنه يحصر الآيات في معان أضيق من حقيقتها بكثير، والقرآن حمال أوجه وواسع الدلالة .
- لا يجوز استخدام أي علامات ترقيم في كتابة الآيات، ويمكن الفصل فقط بين الآيات بنقطة. أما الاستفهام والتعجب وما إلى ذلك فهو مرفوض حفاظًا على الرسم العثماني الذي أجمع عليه العلماء .
- علامة الترقيم هي نوع من أنواع التفسير، حيث تطلب من القارئ التعجب أو التساؤل أو التوقف عند هذه الكلمة أو تلك، وكل هذا مما يضيف تفسيرًا أو يغير في معنى الآية، والتفسير هو وجهة نظر المفسر، ولا يمكن أن نفرض التفسير داخل كلام الله عز وجل، لذلك فإنه لا يجوز إدخال علامات الترقيم ولا بأي حال من الأحوال عند استخدام الآيات القرآنية، ولكن يمكن عند الشرح القول إن فهم (المفسر) هو كذا وكذا، كأن نقوم بوضع علامة ترقيم كذا بعد الكلمة كذا .
- علامات الوقف المعتمدة منذ القديم أشمل من تلك التي وضعها الغرباء فلماذا نسعى لمشابهتهم فيما نحن مستغنون عن ذلك، ثم وضع علامات التعجب والاستفهام مثلًا في كتاب الله سيجعله مماثلًا لأي نص. أما علامات الترقيم العربية فلا نجدها إلا في كتاب الله .
- وضع علامات الترقيم في المصحف كأن نضع الفواصل بين آيات القرآن وعلامات الاستفهام عند موطن الأسئلة وعلامات التعجب في مواطن الاستغراب ينبغي ألا نخوض فيها، وذلك لعدة أسباب منها أن الناس قد عرفوا وتعودوا على هذا المصحف الشريف بشكله الحالي وهيئته المعروفة، فوضع علامات الترقيم حتمًا وبلا شك ستسبب إشكالًا عند الناس ومن الأولى أن نجعل هذا القرآن ميسرًا وهذه العلامات ستسبب له غموضًا. وأما السبب الثاني لضرورة منع هذه العلامات أننا في البداية سندخل العلامات الترقيمية العربية ثم نضطر بعد زمن إدخال العلامات بلغات مختلفة كالباكستانية وغيرها من اللغات وهذه العلامات المختلفة حتمًا ستسبب إشكالًا على الناس. أما السبب الأخير والأهم فهو أن القرآن سيكون ألعوبة بيد البشر، فكل شخص يريد أن يضع فيه ما يراه سببًا لتحقيق المصلحة والأنسب، بحجة تطوير هذا الكتاب العظيم رغم أنها تشتت فهم الناس.
وقد كتب يوسف القرضاوي على موقعه ردًا على سؤال حول إضافة علامات الترقيم لآيات القرآن:
ما سألتم من استخدام علامات الترقيم، مثل: الفاصلة، والفاصلة المنقوطة، وعلامة الاستفهام، وعلامة التعجب، وعلامة الاعتراض، والنقطتين المتعادلتين، وغيرها، فإني لا أرى بها بأسًا، بل أستحسنها وأستحبها؛ لأنها تعين على فهم النص القرآني. وأنا شخصيًا ألتزم بهذا فيما أستشهد به من نصوص القرآن الكريم في كتبي ومحاضراتي، وكل ما أكتبه. بل أنا في الحقيقة ملتزم باستخدام هذه العلامات حتى في الرسائل الخاصة، وأي شيء أكتبه، هكذا اعتدت من قديم، وأنصح كل الكاتبين أن يحذوا حذوي. كل ما أتحفظ عليه من علامات الترقيم: علامة الاعتراض (الشرطتان الأفقيتان) خشية أن يظن القارئ أنها شيء خارج النص، ولا أحب أن تحدث هذه العلامات أي التباس. وأحب أن أذكر هنا: أن علماء العصر من قديم، أجازوا كتابة آيات القرآن بالرسم المعتاد، وإن خالف الرسم العثماني، وذلك إذا استشهد المرء بها في كتاب أو مقالة أو نحوها، ولم يلزموا بإتباع الرسم إلا في كتابة المصحف أو أجزاء كاملة منه. ولهذا لا أرى حرجًا من استخدام هذه العلامات، زيادة في الإيضاح، ومساعدة على مزيد من الفهم، ورحم الله امرؤًا أعان أخاه على الخير.

وهذا الرأي يتعلق بالاستشهاديات فقط. وقد أجابت عن سؤال مماثل الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة مع توسع بخصوص نشر القرآن بالكامل :
لا يجوز وضع علامات الترقيم في القرآن الكريم كالنقطتين بعد القول: مثل قال: أو علامات الاستفهام؟ بعد الاستفهام، وسبب المنع من كتابة المصحف بعلامات الترقيم هو المحافظة على الرسم الذي أجمع عليه الصحابة؛ لأن كتابة المصحف منها ما هو توقيفي وهو ما يسمى بالرسم العثماني فهذا لا تجوز مخالفته، ومنها ما هو محل اجتهاد وهو ما وضعه التابعون لخدمة كتاب الله وتسهيل قراءته، فقد كان العلماء يميزونها عن الرسم بلون أحمر أو أخضر وهذا ليس توقيفيًا ولذلك وقع الخلاف في بعضه. أما وضع علامات الترقيم خارج المصحف ككتابة الآية على لوح أو أوراق للتعليم فجائز، فقد رخص الإمام مالك رحمه الله في كتابتها على ما أُحدث من الإملاء رعيًا لمقاصد الشرع في تيسير حفظ القرآن وسلامته من تحريف الطلبة. قال العلامة أبو عمرو الداني رحمه الله في كتابه المحكم في نقط المصحف: (قال مالك ولا يزال الإنسان يسألني عن نقط القرآن فأقول له أما الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقط ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان وألواحهم فلا أرى بذلك بأسا)، والله تعالى أعلم.

وقد طالب بعض المسلمين بإتباع الترقيم الحديث في نشر القرآن. فعلى سبيل المثال، كتب الدكتور محمد عبيد مقالًا تحت عنوان: «هل القرآن الكريم بحاجة إلى علامات الترقيم؟» يقول فيه:
هذه السؤال الذي يحمل عنوان المقالة قد طرح قبل ذلك، لكن ليس هناك جهة علمية - على حد علمي - قد تصدت لمعالجة هذا الأمر الذي أراه مهمًا ويجب بحث هذا الأمر على محمل الجد، وتكمن المشكلة في أهمية علامات الترقيم لأنها تساعد كثيرًا على فهم النص، وربما حلّت إشكالاته، خاصة أن القرآن يقرأه العرب وغير العرب وهم الأكثر، وفي رأي الكثيرين أن علامات الترقيم قد تساعدهم على فهم المقصود من المشرع لهم، فكيف يفهم غير العربي مقاصد الأساليب من استفهام ونفي وتحضيض وتعجب وأمر ونهي وغير ذلك من الأساليب التي يتعدد معناها على حسب المتلقي [...]. أتمنى من الجهات الأكاديمية كأقسام اللغة العربية، والجهات التي لها صلة بالقرآن الكريم دراسة وتفسيرًا وطباعة أن تتبنى هذا المشروع وتقوم بدراسته بتأنٍ - تأييدًا أو معارضة - وموضوعية بما يحقق الخدمة الكاملة لكتاب الله عزّ وجلّ ولا سيما للناطقين بغير العربية، والله أعلم.

ويشار هنا إلى أن السعودية تقوم بتوزيع ملايين من نسخ ترجمات القرآن التي تتضمن علامات الترقيم الحديثة. بينما النص العربي الذي توزعه فهو بدون علامات ترقيم. وليس من العدل أن يلاقي القارئ الغربي خدمة أفضل من الخدمة التي يلاقيها القارئ العربي. ولا يمكن اليوم نشر كتاب أو دراسة أو مقال دون الالتزام بقواعد الترقيم الحديثة. ويجمل موقع الكتروني عربي فوائد الترقيم في النقاط التالية:
1) أنها تسهل الفهم على القارئ، وتجود إدراكه للمعاني، وتفسر المقاصد، وتوضح التراكيب أثناء القراءة.
2) أنها تعرفنا بمواقع فصل الجمل، وتقسيم العبارات، والوقوف على المواضع التي يجب السكوت عندها ... فتحسن الإلقاء وتجوده.
3) أنها تسهل القراءة، فتجنب القارئ هدر الوقت بين تردد النظر، وبين اشتغال الذهن في تفهم عبارات كان من أيسر الأمور إدراك معانيها، لو كانت تقاسيمها وأجزاؤها مفصولة أو موصولة بعلامات تبين أغراضها، وتوضح مراميها. فالزمن الذي يحتاجه القارئ لفهم النص المرقوم أقصر بكثير من الزمن الذي تتطلبه قراءة النص غير المرقوم.
4) أنها في تصور الكاتب، مثل الحركات اليدوية، والانفعالات النفسية، والنبرات الصوتية التي يستخدمها المتحدث أثناء كلامه؛ ليضيف إليه دقة التعبير وصدق الدلالة. فهي تشبه الحركات الجسمية والنبرات الصوتية التي توجه دلالة الخطاب الشفوي. كما أنها تشبه إشارات المرور في تنظيم حركة السير، وللوحات الإرشادية المكتوبة على الطرقات، التي لولاها لضل كثير من سالكي تلك الطرق.
5) أنها تنظم الموضوع، وتجمل لغته، وتحسن عرضه؛ فيظهر في جمالية خاصة تريح القراء، وتدفعهم إلى القراءة والاستمتاع بها.

وإن كان الوضوح في التعبير لتسهيل إبلاغ المعنى للمخاطب مطلوبًا في نص عادي، فكم بالأحرى عندما يتعلق الأمر بالقرآن ذاته الذي يحث على تدبره. ويكفي هنا الإشارة إلى جدل اثارته الآية هـ89-3: 7 بسبب عدم معرفة نهاية جملة فيها. وهذه الآية تقول:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.
فهناك من يقسم هذه الآية بوضع نقطة بعد العلم، أي ان الله والراسخين في العلم يعلمون تأويل الآيات المتشابهات. يقول المكي: والراسخون في العلم معطوف على اسم الله، فهم يعلمون المتشابه، فلذلك وصفهم الله بالرسوخ بالعلم، ولو كانوا جهالًا بمعرفة المتشابه ما وصفهم الله بالرسوخ بالعلم (مكي، جزء أول، ص 126). وقد خالفة الجلالين (http://goo.gl/GLrRN0)، والمنتخب (http://goo.gl/Kl1Pn1) والتفسير الميسر (http://goo.gl/77atC4).

وإلى هذه الفوائد، فيما يخص القرآن، يجب إضافة حاجة المترجمين لنص عربي واضح المعالم. فبدون علامات الترقيم الحديثة، يُجبر المترجم على تحديد نهاية الجمل وما إذا كانت استفهامية أم تعجبية، الخ. ومن هنا نتجت اختلافات شاسعة بين الترجمات، خاصة في الآيات الطويلة التي تتضمن أكثر من جملة وفي الآيات التي لا يشير رقم الآية إلى نهاية الجملة. ونذكر هنا أن الآية 282 من سورة البقرة، وهي أطول آية في القرآن، تتضمن 18 جملة.

وأمام تقاعس المؤسسات الدينية والجامعية في الدول العربية والإسلامية، قررنا في طبعتنا العربية للقرآن والنص العربي المصاحب لترجماتنا إدخال علامات الترقيم الحديثة، معتمدين على عدة أبحاث عربية، دون المساس بعلامات الوقف التقليدية المتبعة في المصاحف الحالية. ولا ندعي العصمة في عملنا هذا، لا بل تأمل ان يقوم غيرنا بتصحيح ما قمنا به. وسابقًا قال الإمام ابو حنيفة النعمان: «عِلْمُنَا هَذَا رَأْيٌ وَهُوَ أَحْسَنُ مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَمَنْ جَاءَنَا بِأَحْسَنَ مِنْهُ قَبِلْنَاهُ مِنْهُ». ولا حاجة هنا لعرض علامات الترقيم الحديثة المتعارف عليها، ونكتفي بذكر العلامات التالية:
النقطة: تشير إلى نهاية الجملة. وإذا كانت نهاية الآية لا تفيد نهاية الجملة، تُركت الجملة دون نقطة، أو اضيفت لها الفاصلة إن وجدت
القوسان [...]: يشيران إلى أن الآية ينقصها بعض عناصرها
القوسان [---]: يشيران إلى انتقال من موضوع إلى موضوع آخر وبدأ فكرة جديدة
الشرطة ~: تشير إلى الفقرات التذييلية في نهاية الآيات للحفاظ على السجع. وتكون مسبوقة بنقطة ان كانت مستقلة عن معنى الآية

وقد استأنسنا في تحديد نهاية الجملة، وهو ما يطلق عليه «البدأ التام» أو «الوقف التام» ، على علامات الوقف التي جاءت في طبعة القرآن الصادرة عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، واعتمدنا في تحديد العلامات الأخرى على الترجمة الفرنسية لمحمد حميد الله التي نشرها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، والترجمة الفرنسية لزينب عبد العزيز من جامعة الأزهر ، وعلى المنتخب في تفسير القرآن الكريم الصادر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر ، وعلى التفسير الميسر الذي نشره مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. واعتمدنا في تحديد الجمل المعترضة (أو الاعتراضية) والاستطرادية والتذييل على كتب التفسير وغيرها نذكر منها:
- تفسير البيضاوي.
- تفسير الجلالين.
- تفسير الزمخشري.
- بسندي: ظاهرة الإقحام في التراكيب اللغوية.
- مباركي: الاعتراض في القرآن الكريم مواقعه ودلالاته في التفسير.

وبما ان المفسرين لم يعيروا اهتمامًا لموضوع التنصيص، فلم يقرروا متى ينتهي الله من خطابه، ومتى ينتهي خطاب الآخرين، استأنسنا بالترجمتين الفرنسيتين المذكورتين. وإن كانت الترجمتان متفقتين عامة في تحديد موضع علامة التنصيص الابتدائية، إلا انهما اختلفتا فيما يخص موضع علامة التنصيص النهائية في كثير من الآيات. ولكن هناك أيضًا اختلاف في موضع علامة التنصيص الابتدائية كما في الآية 59-39: 53:
قُلْ: «يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
وواضح هنا ان المتكلم هو الله، والمخاطب هو محمد. ولكن بما انه من غير المتصور ان يقول محمد «يَا عِبَادِيَ»، صححها المفسرون بحيث تقرأ كما يلي مع علامات التنصيص:
قُلْ لعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ: «لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
وقد قام محمد حميد الله بترجمة الآية وفقًا للنص القرآني، بينما قامت زينب عند العزيز بترجمة الآية كما صححتها القراءة المختلفة. وقد فضلنا ما قررته زينب عبد العزيز مع الإشارة في الهامش إلى اننا اتبعنا القراءة المختلفة.

--------
مدير مركز القانون العربي والإسلامي http://www.sami-aldeeb.com
طبعتي العربية وترجمتي الفرنسية والإنكليزية والإيطالية للقرآن بالتسلسل التاريخي وكتابي الأخطاء اللغوية في القرآن وكتبي الأخرى: https://www.sami-aldeeb.com/livres-books/








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - شريط المقال https://youtu.be/MNj7Uzd6cNE
سامي الذيب ( 2020 / 7 / 26 - 01:15 )
شريط المقال https://youtu.be/MNj7Uzd6cNE

اخر الافلام

.. إسرائيليون يغنون للسلام ردا على أعمال العنف بين العرب واليهو


.. شعائر صلاة الجمعة من الجامع الأزهر الشريف | الجمعة 14 مايو 2


.. دخول المصليين إلى المسجد الأقصى من بوابة الأسباط لأداء صلاة




.. مواجهات بين العرب واليهود في مدينة اللد وسط إسرائيل


.. الشريعة والحياة - معالم الدين بين خطر المستشرقين والمستغربين