الحوار المتمدن - موبايل


كيف تتحول الدول للحُكم الديني ؟

سامح عسكر

2020 / 7 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


بعيدا عن كيفية حدوث ذلك في السياسة والصراعات والحروب، أو حتى في الثقافة والمعارف في نقل المجتمع لنمط ديني صِرف، وقد ناقشنا هذه الجوانب كثيرا في مئات الدراسات والمقالات السابقة ضمّنت بعضها في كتابيّ "رسائل في التجديد والتنوير و تحرير الفكر"

اليوم أحكي لحضراتكم طريقة جديدة في التحوّل من المنظور الاجتماعي، وسأعتني بتقسيم الفكرة لثلاثة جوانب مع شرح كل مسألة:

أولا: سلوكيات الفرد: وتعني تطبيق الشعائر الشكلية لدى الجمهور، والتعلق برموز الحكم الديني من زعماء وشيوخ ورؤساء مذاهب على أن يكون هذا الاعتناء على مستوى الفرد لا الجماعة نظرا لأن تكوين الفرد المعرفي هو أساس النظرية الجماعية لاحقا في الإدارة وتكوين جمعيات وأحزاب، وقد يختلف السمت الديني باختلاف الزمن في بعض القضايا الرئيسة والفرعية كالاختلاط والرومانسية بين الجنسين مثلا، هذه كانت من محرمات المجتمع العربي والمصري قبل 100 عام في ظل سمت إسلامي يطبق الشعائر والعبادات، أما الآن في ظل تطور المعرفة والتكنولوجيا والتعليم لم يعد الاختلاط ممنوعا شعبيا في ظل التزام العامة بالتدين والشعائر..بل وصلت لتكوين صداقات معلنة لم يعد يُنظَر إليها كحرام أو عيب..

وهذا يختلف عن سلوك الجماعات والتنظيمات التي تحرم الاختلاط والصداقات (بالأمر) ولذلك كان يجب الفصل بين رصد السلوك الشعبي الفردي كأصل وترك الجماعي لنزعه حرية التصرف من الفرد، مما يعني أن سلوك الشخص يجب أن يكون مبنيا على قناعة حرة في تدينه واختياره الشكل الأنسب ليصبح الفرد متقبلا "للحكم الديني" لاحقا، وقد أخطأ إخوان مصر حين ظنوا بأن تحريمهم الاختلاط والصداقات بين الجنسين وربط ذلك بالتدين هو ينعكس آليا على سلوك الفرد عند الجمهور ويحظى بالقبول، وهذا خطأ..فالشعوب تطورت بشكل لم تعد ترى فيه الاختلاط والصداقات مسألة مُحرّمة..بل شاع اختلاء الخطيب بخطيبته بأمر الأسرة لتوفير جو من الرومانسية والتفاهم بعيدا عن ضغط العائلة..

ثانيا: سلوك المسئولين: ويعني شيوخ خطابات دينية وشعارات ومبادئ على نفس النمط في قرارات وسلوك الموظفين العموميين للدولة سواء كانوا جهات تنفيذية أو تشريعية أو جهات إدارية في المؤسسات، ولا يلزم هذا السلوك وجود قانون ديني بل يفعلون ذلك وفقا لشخصيتهم وطبائعهم ، وأحيانا لظروف خاصة كالنفاق والرياء والمصالح أو استجابة لأي نوع من الضغط، مما يعني أن تحول الدولة إلى الحُكم الديني لا يلزمها قانون في البداية ولكن ما يُعرف ب "تدين المسئولين" فتجدهم يتحدثون عن رضا الإله والطاعة والصلاه وأحيانا يلزمون أنفسهم بالشكل الديني المناسب مع وعود انتخابية وسياسية وخدمية لا تخلو من "التواكل" ونفي الأسباب كوعودهم بتحسن الأحوال مثلا إذا شاعت التقوى..وما إلى ذلك.

ويمكن اعتبار هذا الجانب هو إفراز لتدين الأفراد "جزئيا" كما شرحنا لأن تدين الفرد متنوع حسب خطه الزمني والمكاني، وما كان يعرف بالمظهر الديني في الثمانينات مثلا بجلباب أبيض ولحية أصبح الآن بقميص وبنطلون ولا يشترط اللحية، أو ترك التلفزيون مثلا والتحذير من شروره في الثمانينات بينما مشاهدته الآن صارت واجبة بدعوى الاطلاع والتسلية ومجاراة الكافرين بنفس سلاحهم، لكن في كل الأحوال يصبح التزام الفرد بالشعائر والعبادات والحرص على قراءة وحفظ كتابه المقدس أو دراسته هو جذر تدين المسئولين لاحقا الذين يخرجون من دائرة الفرد وضميره إلى دائرة الجماعة والمسئولية لارتباط كلا الأمرين في أذهانهم بالدين.

ثالثا: القانون : ويعني تشريع قوانين دينية في الدستور وترجمتها لاحقا على شكل مواد قانونية مُلزِمة، وهي آخر محطات تشكيل الدولة الدينية، فتدين الفرد والمسئول هو جذر صياغة القانون الديني غالبا، وذلك لأن بعض السلطات الدينية تريد أن تفرض أجندتها على مجتمع غير متدين على طريقتها كما حدث مع إخوان مصر الذين أرادوا فرض الشريعة السنية على مجتمع غير سني ويمارس تدينه بعيدا عن (حرفية ) الفقه السني المنصوص عليه في الكتب، ولا يعني اعتبار الشعب نفسه سني مثلا أنه سني حقيقي كما تتخيله السلطة الدينية إذ وقتها يُصدَم مما يراه من قوانين وأفكار غاية في السخافة والحماقة ويظهر منها التجارة بالدين وتوظيف العقائد لمصالح الأفراد، وهي الصورة التي رأى بها شعب مصر جماعة الإخوان قبل الثورة عليهم سنة 2013 م

لذلك قلت وقتها أن الإخوان لن يحكموا مصر وينجحوا سوى بمراجعة التراث الديني وتحديثه ليوافق العصر وثقافة الإنسان المصري بالخصوص، وهذه عملية شاقة جدا كانت تتطلب جهدا كبير قبل وصولهم للحكم ، فتقاعسوا عنها حتى أصبح الإخواني هو وهابي متشدد بداخله حتى لو انتمى للإخوان في الظاهر..وكان من نتيجة تقصيرهم في هذا الجانب أن تحالفوا مع الجهاديين ضد الليبراليين والمسيحيين وهو تصرف سياسي يكشف تسرعهم في الانقضاض على السلطة بدون قوة مناسبة تحميهم من الشعب والمسئولين الذين هم في قطاع كبير منهم غير متدين على طريقة الإخوان.

وبرأيي أن محور هذه الأمور الثلاثة يكمن في رصد وتوجيه "نمط حياة الفرد" وبفشل الرصد لا يمكن التوجيه..أما لو نجحت عمليات الرصد وتفكيك هذا النمط المعيشي للشعب وكشف الفوارق بينه وبين النمط القديم يمكن وقتها لمن يريد أن يحكم دينيا أن يوظف ويشهر أسلحته المناسبة في توجيه الناس بسرعة، فيأمرون بسرعة لبس الأزياء الدينية ومنع الاختلاط نهائيا وإصدار فتاوى مشددة لذلك وتسخير كافة إمكانياتهم في تصعيد كوادر اجتماعية وخَطَابية لإقناع الناس بأن الدين هو "الحل لكل مشاكلهم" والعامة سيصدقون في الأخير أن لبس المرأة للحجاب سيرفع البلاء والغلاء كما أشاع ذلك إخوان مصر سابقا وصار مادة للتندر والسخرية حاليا من فشل النداء بل فشل من أطلقوه في حُكم مصر، والقاعدة تقول لا تثق في وعي الفاشل..فلو كان واعيا ما فشل..

أذكر في هذا السياق أن الجماعات الدينية فشلت في حكم الصومال وتحويل الدولة لإسلامية لفرض هؤلاء نمط تدينهم على مجتمع لا يسلك ولا يفهم هذا النمط، فالصومال في بقعة جغرافية لا تساعد في تحويل الشعب لنمط معيشة وهّابي وثقافة صحراوية لوقوعها بين محيط مسيحي للأفارقة فيه اليد الطولى، وهذا يعني أن الوجود الوهابي في الصومال لم ينجح في تحويل النمط الفردي في التدين للصوماليين لنسخة وهابية كما هو مفترض ، والدليل على ذلك أن هذا الشعب الرافض للوهابية هو الذي قاوم الجماعات في صورة حرب أهلية لم تتوقف حتى الآن، لاسيما أن ثقافة الصوماليين تجمع بين العربية والأوروبية بشيوع أكثر من لغة مما ساعد الشعب الصومالي في اكتساب قدرات وخبرات فكرية لمقاومة هذا الحُكم الديني.

إن ما يمكن التأكيد عليه أن أجيال الشباب الحالية لا يمكنها التدين على نمط الجماعات، بل ستأخذ البُعد الشعبي فقط من التدين والمتعلق بالطقوس الشكلية والدفاع عن الرموز، عدا ذلك فالشباب يمر بثورة جنسية كبيرة جعلت أكثر شعوب العالم مشاهدة للمواقع الإباحية هي شعوب معروفة بالتدين، ناهيك عن الانفجار المعرفي عن الآخر ثقافيا في الإنترنت سيدفع الشباب للمقارنة بين مشروع الجماعات الديني وبين النماذج العالمية الناجحة، وهذه النقطة كانت وتظل نقطة ضعف لأي نظام يريد أن يحكم بالشريعة ، وقد سبق قولي لأحد الشيوخ ستظلوا في دعوتكم للشباب وتقنعوهم بشريعتكم والدفاع عن مذهبكم..لكن الذي سيخلعكم من الحكم هو الشباب نفسه الذي وثق فيكم أمس لسبب واحد هو أنكم تهملون غرائزه واحتياجاته وتطالبوه بالعكوف في سجن كبير معزول عن كافة متع الدنيا..

فلا يمكن لمن اعتاد على نمط حياة معين أن يغيره بمجرد دعوة، حتى لو أقنع الشباب بضرورة هجر الجنس والإباحية فلن يقنعهم بالعُزلة الاجتماعية بعد منع الاختلاط، وأثر ذلك في تحفيز الخلايا البيولوجية للفرد وحاجاته الغرائزية فيضطر لممارسة الجنس واشتهاء من يراه سواء كان حيوانا أو إنسانا من نفس جنسه، وهذا مصدر معروف لشيوع بعض حالات المثلية الجنسية وهو "منع الاختلاط"

إن الحُكم الديني في الأخير لا يتطلب فقط دستورا دينيا أو حتى مسئولين وزعماء منابر متدينين بل الشرط الأول لتحقيقه ونجاحه هو "سلوك الفرد" أو نمط حياة الشعب الذي لو لم يوافق رؤى المسئولين والدستور دينيا سيحدث الخلل والصدام الحتمي الذي يؤدي إما إلى استبداد سياسي وقهر ديني وتكفير وحروب أهلية، أو ثورة شعبية ناجحة يقودها الشباب لخلع أي نظام ديني يقف ضد غرائزه وحاجاته الطبيعية ولا يوفر له الحد الأدنى من الاستقلالية، التي وبتطبيق القانون الديني سيفتح الباب فورا لمحاكم تفتيش شعبية وقلاقل اجتماعية وردات فعل شبابية على تلك المحاكم التي تريد إلغاء شخصية الشاب وليس مجرد إلغاء حريته..هذا كله بافتراض عجز النخبة أو صمت التيارات السياسية وانحسار المواجهة بين الحكومة والشعب..وهو ما لا يمكن تخيله، فالنخبة حتى وإن ضعفت فتأثيرها على صناع القرار ومؤسسات الدولة كبير ، وليس من الحكمة أن يتجاهل دعاة الحكم الديني آراء النخبة وتأثيرهم في مشرعي القوانين وقيادات الدولة الكبرى في شتى المؤسسات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التمييز .. ضد المرأة !! / قناة الانسان / حلقة 93


.. يوميات رمضان من القدس مع خطيب المسجد الأقصى عكرمة صبري


.. الشريعة والحياة - الشيخ الريسوني يتحدث عن فروض الكفايات وأثر




.. قناة الانسان


.. نشرة الرابعة | تعرف على مسجدي الزرقاء وسديرة بعد اكتمال ترمي