الحوار المتمدن - موبايل


محمود محمد طه: ما للرجل وما عليه

سامي الذيب
(Sami Aldeeb)

2020 / 8 / 3
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


أود أولا أن اشير لمتابعي بأني قررت وضع كل كتبي العربية وغير العربية مجانا للجميع (قرابة 70 كتاب)، بإستثناء ترجماتي الفرنسية والإنكليزية والإيطالية للقرآن
ويمكنكم تحميلها من موقعي: https://www.sami-aldeeb.com/livres-books/
وتضمن طبعتي العربية للقرآن وكنابي الأخطاء اللغوية في القرآن وكتابي عن محمود محمد طه بالعربية والفرنسية
وكل كتبي يمكن الحصول عليها ورقيا من موقع أمازون وغيره
ارجو تعميم هذه المعلومة على معارفكم لعل فيها بعض الفائدة

--------
حتى لا يختلط الحابل بالنابل
-----------------
في كثير من مقالات اشدت بالمرحوم محمود محمد طه الذي تم شنقه في 18 يناير 1985 من قبل نظام النميري بتحريض من الإخوان المسلمين والأزهر والسعودية. وقد كتبت كتابا بالعربية والفرنسية عرضت فيه سيرة حياته وفكره واهم كتاباته والوثائق التي قادت لشنفه. ويمكن تحميل الكتابين مجانا من موقعي. وقد يظن البعض بأني اتفق اتفاقًا تامًا مع فكر محمود محمد طه. وحقيقة لي تحفظات على فكره رأيت الإشارة لها في هذا المقال على عجالة بهدف وضع النقاط فوق الحروف.

ما للرجل
------
يشدد فكر المرحوم محمود محمد طه على التفريق بين القرآن المدني - الرسالة الأولى للقرآن، والقرآن المكي - الرسالة الثانية من الإسلام، وعلى تقديم القرآن المكي على القرآن المدني الذي انتهت صلاحيته بسبب مخالفته لحقوق الإنسان. وبهذا يخالف غالبية علماء المسلمين الذين يرون ان النظم اللاحقة تنسخ النظم السابقة في حال تعارضها، فأوقعوا الله في ورطة، على فرض أن الله هو الذي أوحى القرآن المكي والقرآن المدني. وهو أمر عقائدي لا نناقشه ولا نتبناه. فكل شريعة في نظرنا هي شريعة بشرية، إن كانت شريعة حمورابي، أو شريعة موسى، أو شريعة عيسى، أو شريعة محمد. وفكر المرحوم محمود محمد طه هو تخريج من داخل المنظومة الإسلامية كفيل بأن يخرج عالمنا العربي والإسلامي من النفق المظلم الذي نعيش فيه، ضمن منظومة الاعتقاد الإسلامي، إذ انه من غير الممكن في الوضع الحالي اقناع المسلمين بأن الشريعة الإسلامية هي شريعة بشرية أكل الدهر عليها وشرب، مثلها مثل شريعة حمورابي، حتى وإن رأى البعض في نظريته نوع من الحيل الفقهية يأخذ بالاعتبار المخاطب. والمرحوم يكرر مرارًا الحديث «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم». وهو في معنى قول القرآن «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (هـ87-2: 286).

والتفريق بين القرآن المكي والمدني، حتى خارج إطار فكر المرحوم محمود محمد طه، مهم لفهم تطور الشريعة الإسلامية من نظام أخلاقي يعتمد على مبدأ المساواة وعدم التمييز (ربما لأن النبي محمد لم يكن لديه إمكانية فرض رأيه بالقوة) إلى نظام يميز بين الرجل والمرأة، وبين المؤمن وغير المؤمن، وينتقص من حقوق المرأة وغير المسلمين، ويدعو للحرب والسبي والغنائم ويفرض الجزية على أهل الكتاب وهم صاغرون. وهناك عبارة بليغة تعبر عن ذلك: تمسكن حت تتمكن.

وللأسف الطبعة العربية المتداولة من القرآن، والتي ترتب سوره وفقًا لطولها مع استثناءات كثيرة، لا تسعفنا لفهم فكر المرحوم محمود طه ولا لفهم تطور الشريعة الإسلامية. فهذه الطبعة تخلط بين الآيات المسالمة والآيات العنيفة، وبين آيات المساواة وآيات التمييز، مما يخلق ارتباكًا عند العامة والخاصة، بما فيهم السياسيين. ونحن نميل للاعتقاد بأن خربطة الطبعة الحالية قد ساهمت في تكوين فكر عربي وإسلامي مخربط، ينتقل من موضوع إلى آخر دون تركيز ودون منهجية. فتجد نفس الشخص يستشهد بآية لا اكراه في الدين، وفي نفس الوقت يطالب بقتل المرتد ويمنع زواج المسلمة من غير المسلم؛ ويقول لك بأن الإسلام دين مسالم، ثم تراه يدعم اللجوء للعنف للسيطرة على الآخرين والانتقاص من حقوقهم. وهكذا أصبح مجتمعنا يعاني من مرض انفصام الشخصية. ونجد ذلك ليس فقط على مستوى الأفراد، بل على مستوى المؤسسات والدساتير التي تنص على مبدأ حرية العقيدة ثم تنتقص من تلك الحرية في مجالات عدة وتنص على أن الإسلام دين الدولة، وهو ما يخالف مبدأ المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين. ونحن نعتقد بأن وضع طبعة بالتسلسل التاريخي كفيل بأن يعالج مرض انفصام الشخصية على جميع المستويات، وحتى على مستوى العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في الدول الغربية لأن ذلك سوف يزيل الريبة ويوضح المواقف. وقد رأينا في الآونة الأخيرة لجوء السياسيين الغربيين للتفريق بين القرآن المكي والقرآن المدني لفهم أفضل للإسلام وتخفيف التأزم الحالي بين المسلمين وغير المسلمين في الدول الغربية، وقد يكون لترجماتي أثر في ذلك. ولكن مع تداول النسخة والترجمات الحالية للقرآن، فإننا نستمر في الدوران في حلقة مفرغة مثل ثور الساقية.

وأنا أرى ان وضع طبعة للقرآن بالتسلسل التاريخي محققة تحقيقًا علميًا، بما في ذلك الإشارة إلى الأخطاء اللغوية والإنشائية فيها، سيمثل ثورة فكرية أهم من كل الثورات التي شهدها التاريخ لأنها سوف تجبر أكثر من مليار مسلم على إعادة تفكيرهم الديني من خلال صدمة تزلزل قناعاتهم السابقة وتزرع إسفين بينهم وبين رجال الدين الذين فشلوا خلال 14 قرنا من تقديم قرآن مرتبًا بالتسلسل التاريخي ومحققًا تحقيقًا علميًا. وأنا على قناعة بأن طبعتي العربية للقرآن بالتسلسل التاريخي سوف تحل مستقبلًا محل طبعة السعودية. فلا يصح إلا الصحيح.

ولذا ادعو اتباع ومحبي المرحوم محمود محمد طه وكل من يهمه خروج منطقتنا من النفق المظلم تبني نشر القرآن بالتسلسل التاريخي ومحقق تحقيقًا علميًا والترويج له في المدارس والجامعات والجوامع وعند العامة في الدول العربية والإسلامية والغربية. وأنا على استعداد للتعاون في تحقيق هذا الأمر على قدر المستطاع.

ما على الرجل
----------
موقفه من العقوبات والحدود والقصاص
-------------------------
أخذت غالبية العقوبات التي جاءت في القرآن والسنة مثل الصلب والتقطيع من خلاف والرجم وقتل المرتد وقطع يد السارق والجلد وعقوبة القصاص «العين بالعين والسن بالسن» (هـ112-5: 45) من الشريعة اليهودية، التي اخذتها بدورها من الشرائع السائدة في ذاك المجتمع، ومن ضمنها شريعة حمورابي. وهذه العقوبات تعتبر اليوم مخالفة لحقوق الإنسان بمقتضى المادة الخامسة من وثيقة حقوق الإنسان التي تقول: «لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة». وقد تخلت عنها أكثرية الدول العربية والإسلامية. ولكن هناك دول ما زالت تطبقها على أساس أنها شرع الله، مثل السعودية، كما أن هناك دول عادت لها رغم انها كانت قد تركتها مثل إيران وباكستان. والحركات الإسلامية مثل حركة الإخوان المسلمون وحزب التحرير وغيرها تطالب بتطبيق تلك العقوبات. وقد سارعت داعش في تطبيقها حال تمكنها في العراق وسوريا وغيرها من المناطق التي تسيطر عليها. وهناك عدد من المشاريع المصرية تنص على تلك العقوبات تبناها ووافق عليها الأزهر. واهم مشروع في هذا المضمار القانون الجزائي العربي الموحد الذي وافق عليه جميع وزراء العدل العرب عام 1996 والموجود على موقع الجامعة العربية. وقد أصدر النميري في سبتمبر 1983 قوانين في هذا المجال ساعده في صياغتها وتنفيذها مجموعة من الإسلاميين على رأسهم الدكتور حسن الترابي. وقد تعرضت لانتقادات كثيرة في نقاشات دارت في الأمم المتحدة ومن كثير من المنظمات غير الحكومية. ولكن خبراء من مصر والمغرب والأردن ساندوا السودان في هذا المجال رغم عدم تطبيقها لتلك العقوبات. وقد اعتبر السودان نقد تلك القوانين نقدًا للإسلام ذاته .
عارض الإخوان الجمهوريون قوانين النميري التي أطلقوا عليها اسم «قوانين سبتمبر». وذلك في منشور 25 ديسمبر 1984 عنوانه «هذا أو الطوفان» . وقد برر رفضه التعاون مع المحكمة على أساس هذه المعارضة . ولكن حقيقة الأمر، يظهر أن المرحوم لم يعارض مبدأ تطبيق العقوبات التي نصت عليها الشريعة الإسلامية، كما يظهر في تحليلي للعديد من كتاباته. وربما هذه هي النقطة التي تثير بعض التحفظ على فكر المرحوم. ومهما يكن، فإن الفصل بين القرآن المكي والمدني، يظهر أن هذه العقوبات قد تم السن عليها في القرآن المدني.

موقفه من خنان الإناث
--------------
ارتبط اسم محمود محمد طه بقضية ختان الإناث، وهي عادة متأصلة في المجتمع السوداني في شكلها الأكثر سطوة، وهو ما يسمى بالختان الفرعوني. ففي هذه العمليّة يتم قطع البظر وغلفته والشفرين الصغيرين. ثم يلي ذلك شق الشفرين الكبيرين ويتم خياطهما معاً أو إبقائهما متماسين عن طريق ربط الرجلين معاً حتّى يلتئما مكوّنين غطاء من الجلد يغطّي فتحة البول والجانب الأكبر من المهبل. وتترك فتحة صغيرة في حجم رأس عود الثقاب أو طرف إصبع اليد الصغير لتسمح بنزول البول ودم الحيض.
حاولت السلطات الإنكليزية التصدي لهذه العادة في العقدين الأوّلين من القرن العشرين حيث تم تثقيف دايات تحت إشراف سيّدة بريطانيّة بهدف إجرائه بطريقة أقل قساوة وخطراً على صحّة الفتيات. وقد حاولت هذه السيّدة أن تلفت نظر السلطات الاستعمارية إلى هذه العادة. وقد بلغت الأخبار بريطانيا حيث كان السياسيون يتابعون حملة مكافحة ختان الإناث في كينيا. فطالبت عضوة في البرلمان البريطاني السلطات الاستعمارية في السودان بتقديم تقرير حول انتشار هذه العادة وأسبابها وأن تحمي الفتيات اللاتي يردن البقاء دون ختان. فاتصلت تلك السلطات برجال الدين المسلمين. فأخذ كبير القضاة موقفاً ضد هذه العادة، أمّا غيره فأيّدها معتبراً أنها جزء من التعاليم الدينيّة. ولذلك رأت السلطات أن الرأي العام غير مستعد لتقبّل إدانة ختان الإناث. وفي تلك الأحيان وصلت أخبار مقتل راهبة أمريكيّة في كينيا، ممّا جعل الحكومة أكثر تحفّظاً. حتّى أنها منعت نشر مقال في صحيفة «الحضارة» في 19 أغسطس 1930 كتبه سوداني يعتبر فيه ختان الإناث مخالفاً لتعاليم الإسلام خوفاً من أن يعتقد أحد أنها هي التي أوحت له كتابته.
وفي فبراير 1946 تبنّى البرلمان السوداني المادّة 284 أ من قانون العقوبات هذه ترجمتها:
1) كل من يحدث متعمّداً جرحاً في الأعضاء التناسليّة للمرأة، خارج الاستثناء المذكور لأحقاً، يعتبر مقترفاً ختاناً غير قانوني.
استثناء: لا يعتبر جرماً حسب هذه الفقرة الاكتفاء بقطع الطرف البارز من البظر.
2) كل من يقترف ختاناً غير قانوني يعاقب بالسجن لمدّة قد تصل إلى خمس سنوات وبالغرامة أو بكليهما.
توضيح: المرأة التي تجري هذه العمليّة على نفسها تعتبر مقترفة لهذا الجرم .
وقَبل دخول هذا القانون حيّز التنفيذ، سارعت العائلات بختان فتياتها حتّى اللاتي كان عمرهن سنتين، ممّا أدّى إلى مضاعفات صحّية خطيرة. وقد استعمل المناضلون السودانيون هذا القانون كحجّة للقيام بمظاهرات صاخبة ضد المستعمر البريطاني. فبعد أوّل قضيّة ضد داية من مدينة «رفاعة»، قاد محمود محمّد طه، رغم مواقفه المتحرّرة من قضايا المرأة، مظاهرة بعد صلاة الجمعة إلى السجن. فكسروا الباب وأخرجوا الداية. غير أن أخاها، وكان عريفاً في البوليس، أعادها إلى السجن. فأخِذت إلى «واد مدني». فقام المتظاهرون بالتوجّه إلى مكتب المفوّض عن المحافظة للاحتجاج فأخلى سبيلها. على أثر هذه الحادثة، تم اعتقال محمود محمد طه من جديد لمدة سنتين قضى بعضها في سجن مدني ثم أتم باقي المدة في سجن كوبر الشهير بمدينة الخرطوم بحرى.
أدّى هذا الحدث إلى إضافة فقرة إلى القانون تمنع الملاحقات القضائيّة دون إذن حاكم المحافظة. فلم يتم ملاحقة إلاّ 15 سيّدة حتّى عام 1948. وكانت الحكومة ترى أن ملاحقة القبطيّات السودانيّات أقل خطراً من جهة الأمن من ملاحقة المسلمات. وقد تبيّن بعد ثلاث سنين من صدور القانون بأنه لم يؤدِّ إلى نتيجة وأن الدايات اللاتي يخرجن من السجن يستمررن في إجراء الختان. وإذا تصادف وجود الحاكم في المحافظة، كانت الدايات يجرين «ختان السُنّة». وما إن يغادرها حتّى يحوّلنه إلى «ختان فرعوني». وقد أدّت التطوّرات السياسيّة إلى إهمال قضيّة ختان الإناث. فأعلنت الجمعية الطبّية البريطانيّة في 7 يوليو 1949 أن هذه القضيّة هي قضيّة طبّية ويجب الامتناع عن عمل تصريحات عامّة حول هذا الموضوع حتّى لا يحدث تدخّل في جهود الأطبّاء في السودان .
وقد كان لمشاركة محمود محمّد طه في المظاهرة السابقة الذكر أثراً سلبيّاً على قضيّة ختان الإناث رغم أنه اعترف بعد توقيفه بأنه كان يحتج ضد الإدارة البريطانيّة وليس لكي تستمر هذه العادة. وتشير «لايتفوت كلاين» إلى مقابلة أجرتها معه يقول فيها إن فلسفته تتمحور حول تنوير جميع أفراد جماعة المسلمين، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأن التغيير الاجتماعي سوف يحصل عندما يتم هذا التنوير . وقد جاء في منشور للجمهوريين: «ان عادة الخفاض الفرعوني لاتزال تمارس رغم وجود القانون، ورغم سوء هذه العادة البالغ، وذلك لسببين أولا: لم تتفق التوعية الكافية للشعب عن قبح هذه العادة ومضارها. ثانيا: مثل هذه العادة الحساسة المتأصلة، في مجتمع مثل مجتمعنا، لا يقتلعها القانون وحده، وما ينبغي له أن يقتلعها. وانما الذي يقتلعها نهائيا هو التربية والتوعية الشعبية» . وترى اسماء، ابنة محمود محمد طه، بإن الإنكليز كانوا ينوون من خلال هذا القانون التشهير بالسودان لكي يخلقوا ذريعة لبقائهم فيه كبلد متأخر .

هل لجأ محمود محمد طه لمبدأ التقية؟
------------------------
هناك من قد يرى أن القرآن المكي كان مجرد تكتيك مؤقت لحين التمكن. وبعد التمكن، انتهت مرحلة التكتيك، وجاءت الاستراتيجية أي - القرآن المدني - الذي لم يكن مجرد نصوص وحسب، لكي نستبعده، بل هو تاريخ طويل من حرب وضرب وحرق وجزية وقتال وقتل ونهب وسلب وأسر واغتصاب. فكيف يمكن قبول اصلاح يقوم علي ردم حقائق التاريخ!؟ أي اصلاح هذا؟ فهل سمعتم عن أحد من قبل بأية أمة وفي أي عصر، طالب بإلغاء الدستور الدائم والعودة للدستور المؤقت!؟ كلاهما شريكان متضامنان في مؤامرة الأول - المكي – كان استدراج. والآخر- المدني - كان الفخ. ويضاف إلى ذلك: هل من المعقول أن الله غير رأيه بين القرآن المكي والقرآن المدني ولم يكن قد لاحظ ان مجتمع القرن السابع لم يكن على مقدرة لتطبيق قرآن مكة، على فرض ان الله هو موحي القرآنين؟
كما يمكن القول بأن محمود محمد طه لجأ بنظرية القرآن المكي الأصيل والقرآن المدني المؤقت إلى ما هو متعارف عليه بين المسلمين: مبدأ التقية، ولكن بصورة منمقة. فهو يعلم أن المسلمين لا يمكن لهم قبول الإصلاح إلا من داخل المنظومة الإسلامية. وهكذا تعتبر نظريته من باب الحيلة. ورغم ذلك، تم شنقه. والجدير بالذكر أن محمود محمد طه يكرر في كتبه الحديث النبي: «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم» ، ويضرح بأن: «الشريعة هي القدر من الدين الذي يخاطب الناس - عامة الناس - على قدر عقولهم».
ونجد مثل هذه الحيلة عند غيره من المفكرين خاصة عند القرآنيين والذين يتصدون لكتب الحديث بدلا من التصدي للقرآن.
كان لا بد من سرد هذه الاعتراضات على فكر المرحوم محمود محمد طه، حتى وإن كانت تمس بالنوايا والخفايا والمعتقدات الداخلية التي لا يعلمها إلا الله. ولكن يجب ان نعترف لهذا المفكر أنه ضحى بحياته لأجل أفكاره رغم انه كان بإمكانه التراجع عنها وتخليص رقبته من حبل المشنقة. ومهما كانت النوايا، فيجب ان نحكم على فكره من خلال ما قد يؤدي له من نتائج إيجابية. ومن المؤكد بأن الدول العربية والإسلامية، لو اخذت بفكره، لما وصلت إلى الحالة المزرية التي نحن عليها الآن. ولا ندري ما هو السبيل للخروج من هذه الأزمة، إلا إذا اقترحنا وسائل أكثر راديكالية من فكر محمود محمد طه: أي التخلص من الجمل بما حمل، ورمي القرآن في سلة التاريخ بجزئيه المكي والمدني، والتخلص من الإسلام كما تم التخلص من تشريع حمورابي التي تم وضعها في متحف اللوفر في باريس.

نقاط الخلاف مع محمود محمد طه
---------------------
ينطلق محمود محمد طه من الاعتقاد بأن القرآن كلام الله، ولو كان على طريقته الخاصة التي تكمن في تقسيم القرآن إلى قرآن مدني وقرآن مكي. وهو حر في اعتقاد ما يشاء. ولكن هناك من يرى أن المقدمة مخالفة للعقل. فلا يوجد شيء اسمه كلام الله، ولا ينزل من السماء إلا المطر والنيازك وبراز الطيور. الوحي عندي ليس كلام الله للبشر ولكن كلام البشر عن الله بما فيه من إيجابيات وسلبيات. وهذا ينطبق على كل الكتب التي يطلق عليها كتبًا مقدسة، بما فيها القرآن. ولكي يكون هناك حوار بين من يؤمن بالوحي بالمعنى التقليدي ومن لا يؤمن به يجب إيجاد أرضية مشتركة، وهي أرضية العقل. فخطابه يمكن ان يكون مقبولًا لدى من يشاركه الاعتقاد، ولكن لن يقبله منه من يرى فيه مجرد هلوسة دينية تضاف إلى هلوسات رجال الديانات الأخرى. يجب ان نبحث عن القاسم المشترك الأصغر بين المحاورين.

ويرى محمود محمد طه ضرورة تقديس النبي محمد، فهو لا يقدح بأي من تصرفاته مهما كانت تلك التصرفات، مثل السبي، والرق، والجزية، والغزوات، وغيرها من الأعمال الي تذكرها كتب السيرة. لا بل هو لا يتطرق لها لا من قريب ولا من بعيد. ونقرأ في كتابه «عقيدة المسلمين اليوم» تحت عنوان «ضرورة تقديس النبي وتوقيره»:
تقديس النبي وتوقيره، ومحبته، والادب معه هو الشرط الاساسي للانتفاع بالعمل الديني. فتقليد النبي هو الوسيلة الموسّلة، والموصّلة، الى الله، [...]. وحالة التقديس، والتوقير، والمحبة، للنبي تكتسب بالمعرفة به، وبفضله علينا. فما من خير الاّ والنبي بابه، ووسيلته. فالخير كلّ الخير نزل في القرآن، وحياة النبي هي مفتاح مغاليق القرآن. فمنهاجه هو خلاصة تجربة الانبياء من قبله، فهو أكمل منهاج نزل من السماء. ولذلك ختمت به النبوة. وهو قد بعث رحمة للعالمين: «وما ارسلناك الاّ رحمة للعالمين» (م73-21: 107). فهو الرؤوف الرحيم: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم» (هـ113-9: 128) .

من جهة أخرى الكلام عن القرآن المكي والقرآن المدني يتطلب تحديد كل منهما. وهذا ليس بالأمر السهل. فطبعة القرآن التي بين أيدينا لا تفرق ماديًا بين الإثنين إذ انه تم ترتيب السور ليس وفقًا للتسلسل التاريخي ولكن وفقًا لطول السور مع استثناءات كثيرة. وحتى إن اتبعنا التقسيم الذي يقترحه الأزهر، يجب ملاحظة أن هناك 35 سورة مكية تتضمن آيات مدنية حشرت فيها حشرًا وفقًا للأزهر. والطبعات المتوفرة تشير نادرًا لما يعتبر مكيًا وما يعتبر مدنيًا. وبما أن محمود محمد طه يخاطب ليس فقط النخبة المتعلمة، بل جميع الطبقات، كما يظهر جليًا من حملات توزيع الكتب التي يقوم بها الجمهوريون والجمهوريات في الشوارع. فمن الضروري توفير طبعة عربية بالتسلسل التاريخي بدلًا من الطبعة الحالية. وحسب علمي لم يقترح محمود محمد طه القيام بمثل هذه الطبعة. وكان الهدف من قيامي بطبع القرآن بالتسلسل التاريخي مساعدة فهم فكر محمود محمد طه.

وحتى إن اتفقنا على ما هو مكي وما هو مدني في القرآن، لا يمكن لنا القول بأن كل ما هو في القرآن المكي مقبول، وكل ما في القرآن المدني مرفوض بصورة عامة، رغم اننا نتفق على أن أكثر الآيات المخالفة لحقوق الإنسان موجودة في القرآن المدني. ولهذا السبب قام محمود محمد طه بتحديد ما لا يعتبره اصل في الإسلام مثل الرق وتعدد الزوجات والطلاق وعدم المساواة في الميراث والشهادة والجهاد والزكاة والأضحية إلخ. وعلى سبيل المثال، سورة الفاتحة التي يكررها المسلم السني 17 مرة في اليوم تقول: «اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ» (م5-1: 6-7). وقد فسر الغالبية العظمى من المفسرين الآية السابعة على أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، وذلك اعتمادا على أحاديث صحيحة تنسب للنبي محمد وعلى ضوء آيات أخرى تنعت اليهود والنصارى بهاتين الصفتين. فالفاتحة تحث على الكراهية وتتنافى مع روح المساواة التي يدعو لها محمود محمد طه الذي كانت تربطه علاقة حميمة مع المسيحيين. ولم نجد إشارة في كتاباته لهذه المشكلة بهدف تثقيف المجتمع.

وما دام اننا نتكلم عن علاقة المسلمين بغيرهم، لا نشك في ان محمود محمد طه كان يرفض الظلم الواقع على المسيحيين في جنوب السودان. وأحد أسباب معارضته قوانين سبتمبر الضرر الذي يصيب السودانيين المسيحيين من تطبيق هذه القوانين. وكما ذكرت ابنة اخته الدكتورة بتول، فقد كان الجنوبيون أكثر الناس حزنًا على شنقه، تقديرًا منهم لمواقفه العادلة. إلا ان محمود محمد طه لم يتعرض بتوسع لموضوع العلاقة بين أبناء الوطن الواحد. ففي كتابه «تطوير شريعة الأحوال الشخصية» لم يتكلم عن زواج المسلمة من غير المسلم، ولا عن مانع الإرث عند اختلاف الدين. وإن طالب بحل المحاكم الشرعية واحالة القضايا للمحاكم المدنية، لم يتطرق إلى موضوع محاكم الطوائف الأخرى وقوانينهم. وقد يكون سكوته عن هذه الأمور المهمة انشغاله بأمور أخرى وتفاديًا للمشاكل التي قد ينتج عنها. ولا ندري إن كان الإخوان الجمهوريون قد سدوا هذه الثغرة في فكر محمود محمد طه.

وفي كتابات محمود محمد طه، يشير إلى أنه يريد إقامة دولة دينية مبنية على الإسلام، وإن كان هذا الإسلام يختلف في مضمونه عن إسلام الفقهاء. ولكن ما مكانة المواطن في هذا النظام؟ فهل تقبل هذه الدولة بالمبدأ الذي تنص عليه المادة السابعة من الدستور المصري على سبيل المثال؟ وهذه المادة تقول: المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة. ولنذهب خطوة أبعد: ما هو موقف تلك الدولة من المقابر؟ هل ستبقى المقابر موزعة على أساس الانتماء الديني مع التمييز بين الناس على أساس الدين؟ وما هو مصير المواطن المسلم المتوفي الذي يترك الإسلام؟ أم انه يقبل بمبدأ المساواة بين المواطنين أحياء وأموات؟
أليس من الأفضل إقامة دولة المواطنة التي تفصل الدين عن الدولة وتعترف بالحرية الدينية للجميع عملًا بالمادة 18 من وثيقة حقوق الإنسان وتترك جانبا التمييز بين المواطنين على أساس الدين؟ هذه نقاط تحتاج للمناقشة من قِبَل الجمهوريين لكي يتم تطوير الإسلام بما يتفق مع حقوق الإنسان كما هو معترف به اليوم.

وهناك مشكلة ان محمود محمد طه اختزل النظم الدينية بالديانات الإبراهيمية ويريد ان يخضع البشرية كلها للفكر الإسلامي الذي يعتبره الخلاص الوحيد، ويهدف إلى تحويل الجميع لمسلمين ومؤمنين بإله الإسلام، دون ترك أي مكان لغير المؤمنين واتباع الديانات الأخرى. ففكره قد يكون مخرج للمأزق الذي خلقه الإسلام والقرآن المدني، ولكن ليس حلا للعلاقات بين المسلمين وغيرهم داخل المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة، ولا للعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين خارج تلك المجتمعات. فنظريته لم تكتمل بعد أو لا تتضمن حلولًا للمشاكل التي تعترض التعايش بين أطياف الشعب الواحد على قدم المساواة دون تمييز على أساس الدين. وشنق مؤسس هذه النظرية لا يعني بالضرورة فشل أفكاره. وقد تكون نظريته صالحة لمجموعة رهبان يعيشون في دير تحت رئاسة أب روحي يقودهم ويساعدهم على تنمية مواهبهم الروحية والإنسانية - وهو ما يوحي به الإخوان والأخوات الجمهوريون. وقد دار بيني وبين صديقة سودانية لا تنتمي لمجموعة محمود محمد طه الحوار التالي:
س: هل ما زالت هناك جمهوريات في الخرطوم يوزعن كتبه؟
ج: نعم بالذات في الفترة الأخيرة. عندهم طريقة بسيطة للزواج، بالتراضي، بأقل تكلفة والعصمة في يد الزوج والزوجة. لدينا صديقة تزوجت بهذه الطريقة فأصبحت موضة.
س: هل للجمهوريات ملابس خاصة تعرف بها؟
ج: نعم. نسائهم يرتدين الأبيض «ثوب أبيض» لا أعرف لماذا. أبيض في أبيض. دائماً!
س: وهل هناك كثيرون؟ وهل الشعب يحترمهم؟
ج: مؤخراً جاهروا بانتمائهم. والحقيقة نعم. محترمون جداً. مؤخراً صديق أثق به أشاد بأخلاقهم العالية متعجباً!
هذا الحوار يثبت أن فكر محمود محمد طه يدعو إلى مكارم الأخلاق، ولكن ما يصلح لإدارة دير يجمع بين نساك متجانسين لا يصلح بالضرورة لإدارة مجتمع متعدد الأديان. وهذا لا يمكن تحقيقه في رأيي إلا من خلال دولة المواطنة التامة وفصل الدين عن الدولة على مستوى السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، مع إعطاء الحق لكل فرد أن يؤمن بما يشاء على شرط ان لا ينتقص من حقوق الآخرين الأساسية.

--------
مدير مركز القانون العربي والإسلامي http://www.sami-aldeeb.com
طبعتي العربية وترجمتي الفرنسية والإنكليزية والإيطالية للقرآن بالتسلسل التاريخي وكتابي الأخطاء اللغوية في القرآن وكتبي الأخرى: https://www.sami-aldeeb.com/livres-books/








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تقرير أميركي: وزارة الأوقاف المغربية تراقب محتوى خطب المساجد


.. شاهد | تكبيرات العيد من داخل باحات المسجد الأقصى


.. إسرائيل تشهد عنفا بين مواطنين يهود وعرب




.. تقرير للخارجية الأميركية يكشف القيود على الحريات الدينية في


.. اللد: اعتداءات من متطرفين يهود على السكان العرب بالرغم من حظ