الحوار المتمدن - موبايل


رعب محاكم التفتيش

محمد زكريا توفيق

2020 / 8 / 5
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


"يجب أن ندرس تاريخ محاكم التفتيش، وكذلك الاضطهاد والحروب الدينية التي مرت بالإنسان. فهي أقذر البقع التي دنست ثوب البشرية في تاريخها الطويل. عنفها وظلمها وقسوتها، غير معروفة لدي أي نوع من الحيوانات الضارية." وليام دورانت – عصر الإيمان

لاشك أن محاكم التفتيش، 1217-1834م، تعتبر وصمة عار في تاريخ البشرية، وفي تاريخ الكنيسة الكاثوليكية بصفة خاصة. شئ مرعب، ظالم، فضلا أنه لا يمت للمسيحية الحقة بصلة.

عندما توقفت محاكم التفتيش عن نشاطها المرعب عام 1834م، كان ضحاياها مئات ألوف الأبرياء، الذين تم قتلهم ظلما. غير الأعداد الهائلة التي تم سجنها غدرا وغبنا، ومصادرة أملاكها و تعذيبها بآلات تعذيب جهنمية.

مجتمعات بأكملها تم تهجيرها وتشريدها، مدن عن آخرها تم إبادتها. الكنيسة الكاثوليكية هي المسؤولة عما حدث. وزر المآسي التي نتجت عن محاكم التفتيش يقع في رقبتها إلى اليوم.

لم يقتصر عمل محاكم التفتيش على بلد واحد. لكن شمل بلدان عديدة في أوروبا وأمريكا. ووصل أيضا إلى بلدان أخرى مثل المكسيك وبيرو وجزر الكناري.

"هرطقة" كلمة إغريقية تعني رأي مخالف لما تقبله الكنيسة. شئ كدة مثل حكاية "ازدراء الأديان" في زماننا المهبب هذا. الهرطقة ليست تهمة كنسية فقط، وإنما هي أيضا تهمة تستخدم بالسلطات العلمانية لتحقيق أغراض شخصية أو سياسية.

في العصور الوسطى (476م-1517)، وهي الفترة التي استمرت ألف عام، منذ سقوط الامبراطورية الرومانية إلى وقت بداية عصر النهضة، لم يكن هناك أي فصل بين الدولة والكنيسة. كله سايح على بعضه. الكنيسة هي التي تعين الملوك والأباطرة، وهم بدورهم يقومون بحماية الكنيسة وممتلكاتها.

محاكم التفتيش التي استمرت فترة 600 سنة، هي بضاعة رديئة أو طفل مشوه ناتج من زواج السلطة الحاكمة من الكنيسة الكاثوليكية. الكنيسة تقوم بمطاردة الزنادقة والكفار ومزدري الأديان أمثال البحيري والقمني، والدولة تقوم بحرقهم في الميادين العامة وسط تهليل المؤمنين الأبرار.

الهرطقة ليست تهمة توجه فقط إلى كل من يزدري الأديان، أو يسب الآلهة أو الكنيسة أو كل ما ترمز إليه، إنما هي أيضا تهمة عامة وجريمة لا تغتفر. الفيلسوف الإغريقي العظيم سقراط، بالرغم من أنه لم ينكر وجود الآلهة أو يحط من قدرها، وجهت إليه تهمة الهرطقة وازدراء الأديان وإفساد الشباب، وحكم عليه بالموت.

أيام حكم الأباطرة الرومان، كانت الهرطقة جريمة لا تغتفر عقوبتها الموت. عصر شهداء المسيحية الأوائل خير دليل على ذلك. حكم على الكثيرين منهم بالموت بطرق مبتكرة لأنهم رفضوا قبول ألوهية الامبراطور الروماني الحاكم. لو أعطينا مشايخنا الكرام، اللهم اجعل كلامنا خفيف عليهم، الحرية الكامة لألقوا بكل العلمانيين الفسقة وعلى رأسهم سيد القمني إلى الأسود الجائعة.

القاضي الروماني كان يأمر بالتفتيش أو ببحث حالة كل متهم بالزندقة. من هنا جاءت كلمة محاكم التفتيش (inquisitio). بعد ذلك أصدر الامبراطور جستينيان (483-565م)، قانونا يساوي فيه الزندقة بالخيانة العظمى التي عقوبتها الإعدام. الزندقة في الماضي كانت بمعنى الكفر بألوهية الحاكم الروماني، لا بألوهية المسيح. حاجة كدة زي ازدراء البخاري والثعبان الأقرع.

بما أن جستينيان كان مسيحيا، لذلك القوانين الرومانية التي كانت تستخدم ضد المسيحيين الكفرة بالإمبراطور، أصبحت الآن تطبق ضد من لا يؤمن بالمسيحية. في حالتنا البائسة، يجب أن تطبق على من لا يؤمن بعذاب القبر والثعبان الأقرع.

أثناء العصور الوسطى، حرق الزنادقة على الأوتاد لم يكن شيئا غير عادي أو غير مألوف. روبرت الورع ملك فرنسا، في عام 1022م، قام بحرق مجموعة من الزنادقة تقربا إلى الله دون أن يأسف أو يندم.

في ميلانو عام 1028م، وفي ساسون عام 1114م، وفي كولونيا عام 1143م، قامت الغوغاء الغاضبة بالهجوم على السجون الكنسية. أخرجوا منها الزنادقة أولاد الكلب، وقاموا بحرقهم كلهم على الأوتاد جزءا وفاقا.

في عام 1184م، أصدر البابا لوسيوس الثالث مرسوما، استخدمت مبادئه فيما بعد كأساس لمحاكمة الزنادقة والكفار. من هذه المبادئ، كل من يساعد أو يحمي أو يدافع عن زنديق، يلقى نفس العقوبة التي يلقاها الزنديق بما في ذلك فقده لحياته ومصادرة ممتلكاته.

أصبح المسرح الآن معدا لتفعيل محاكم التفتيش. الأنصار يستشهدون بآيات وتفسيرات من الكتاب المقدس. معظمها من القانون الموسوي في العهد القديم. هذا غريب لأن القوانين الربانية الموسوية كانت تتجنبها الكنيسة عادة منذ القرن الأول لظهور المسيحية.

مع هذا، نجد أن القوانين الموسوية فجأة في القرن الثالث عشر، باتت هي القوانين المناسبة لحرق الألاف المؤلفة من الأبرياء على الأوتاد بدم بارد.

من سفر التثنية 13:

"إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما واعطاك آية أو اعجوبة...."

"فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم لأن الرب الهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب الهكم من كل قلوبكم ومن كل انفسكم...."

"ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يقتل لانه تكلم بالزيغ من وراء الرب الهكم الذي اخرجكم من ارض مصر وفداكم من بيت العبودية... فتنزعون الشر من بينكم. "

"وإذا اغواك سرا اخوك ابن امك أو ابنك أو ابنتك أو امراة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلًا نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا اباؤك. من آلهة الشعوب الذين حولك القريبين منك أو البعيدين عنك من اقصاء الأرض إلى اقصائها. فلا ترض منه ولا تسمع له ولا تشفق عينك عليه ولا ترق له ولا تستره."

"بل قتلا تقتله يدك تكون عليه أولًا لقتله ثم ايدي جميع الشعب اخيرا. ترجمه بالحجارة حتى يموت لانه التمس أن يطوحك عن الرب الهك الذي اخرجك من ارض مصر من بيت العبودية. فيسمع جميع إسرائيل ويخافون ولا يعودون يعملون مثل هذا الامر الشرير في وسطك".

"ان سمعت عن احدى مدنك التي يعطيك الرب الهك لتسكن فيها قولا. قد خرج اناس بنو لئيم من وسطك وطوحوا سكان مدينتهم قائلين نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفوها. وفحصت وفتشت وسالت جيدا وإذا الأمر صحيح واكيد قد عمل ذلك الرجس في وسطك."

" فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف وتحرمها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف. تجمع كل امتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل امتعتها كاملة للرب الهك فتكون تلا إلى الابد لا تبنى بعد."

ومن سفر الخروج 22:18 " لاَ تَدَعْ سَاحِرَةً تَعِيشُ".

كل هذه التعاليم السابقة التي جاءت من القانون الموسوي في العهد القديم، وجدت طريقها إلى قانون محاكم التفتيش. منها:

تطهير الأنبياء والحالمين، وهو القانون الذي أدى إلى موت جان دارك.

أفراد العائلة الواحدة تدفع إلى الشهادة ضد بعض.

الزنديق أو الكافر يعدم لكي يصبح عبرة لغيره.

المدن التي يصيبها الضلال، تدمر عن آخرها لكي نمحو منها الهرطقة ولكي تكون عبرة لغيرها من المدن.

من انجيل يوحنا 14:6

"إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ."

نجد أيضا علماء لاهوت كبار مثل توما الأكويني، 1225-1274م، يبارك محاكم التفتيش في كتابه الخلاصة اللاهوتية حيث يقول: " لهذا السبب، إذا حكم على مزيفي النقود أو غيرهم من الأشرار بالإعدام من قبل السلطات المدنية، فمن باب أولى أن يكون الحكم على المهرطقين بالحرمان أو حتى بالموت متى ثبتت التهمة."

في القرن الثالث عشر، بدأ حلم إقامة مملكة صليبية دائمة في الأراضي المقدسة يفتر. هنا وجه البابا إنوسنت الثالث حماسه الصليبي إلى الإخوة الرفاق في الديانة المسيحية. المثل الشعبي يقول: لا تعايرني ولا عايرك، الهم طايلني وطايلك.

عام 1202م هو عام الحملة الصليبية الرابعة التي انتهت مؤخرا باحتلال القسطنطينية. بعد ذلك، في عام 1209م، أطلق البابا إنوسنت الثالث حملة صليبية أخرى على جماعة الكاتار الدينية في جنوب فرنسا. هذه الحملة الدموية معروفة في التاريخ باسم "الحملة الصليبية البيجان"، نسبة إلى مدينة البي في فرنسا. نتيجة ذلك هي بداية عصر محاكم التفتيش في القرون الوسطى.

عملية قمع جماعة الكاتار الزنادقة، تعتبر نموذجا فريدا لقسوة الكنيسة الكاثوليكية في تعاملها مع مسيحيين مثلهم، لكن يختلفون معهم في التفاصيل أو الطقوس. القصة المشهور تأتي في شهر يوليو عام 1209م، عندما قتل 20 الف رجل وامرأة وطفل من سكان مدينة بيزير على أيدي رجال الكنيسة الصليبيين، بحجة أنهم ينتمون إلى جماعة الكاتار.

سجل مؤرخو الحملة سؤال احد قادة الحملة الصليبية لمندوب البابا في الحرب " كيف بوسعنا والمدينة مفتوحة أن نتعرف على الكاثوليك الصالحين الحقيقيين ونميزهم عن الزنادقة المعارضين ؟" فأجابه مندوب البابا بقولته الشهيرة التي صارت مثلا تتحدث به الركبان: "اقتلوهم جميعا فالرب يعرف أرواح أتباعه."

لكن من هي جماعة الكاتار الدينية هذه؟ أصل كلمة كاتار إغريقي يعني النقي. الكاتار الذي كان أكثرهم يسكن جنوب فرنسا، لم يكن إيمانهم يوافق إيمان الكنيسة الكاثوليكية. كانوا يؤمنون بوجود إلهين. إله خير، هو خالق السماوات والأرواح، وإله شر، هو خالق باقي الأشياء المادية والزمانية. إله الشر عندهم، هو إله العهد القديم.

كانوا يؤمنون بالمسيح كروح، لا كجسد. لذلك لم يكونوا يؤمنون بصلب المسيح أو بعثه حيا. وكانوا يؤمنون بالعقيدة الآريوسية التي تقول بأن المسيح يقع في منزلة فوق البشر ولكن أقل من منزلة الرب. الآريوسية تم رفضها في مجلس نيقية عام 325م، وتم إدانتها في مجلس القسطنطينية عام 381م.

كان الكاتار يؤمنون أيضا بتناسخ الأرواح، فالروح عندهم هي سجينة في الجسد. لا يتم تحريرها إلا بعد تناسخها عدة مرات. لفروق العقيدة هذه، اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية عقيدة الكاتار هرطقة وزندقة تستوجب قتلهم وإبادتهم عن آخرهم. هذا ما قد تم بالفعل عن طريق محاكم التفتيش، فبحلول القرن الرابع عشر لم يبق منهم أحد يروي مأساتهم وظلم الاضهاد الديني لهم، الذي فاق كل وصف أو منطق.

جماعة أخرى دينية لاقت الأمرين ونالها ما نالها بسبب محاكم التفتيش هي جماعة الولدنيسيين. مؤسسها هو بيتر والدو (أو فالديز). وهو تاجر ثري من ليون الفرنسية. في عام 1173م، باع والدو كل ما يملك لكي يعيش متسولا. عملا بنصيحة المسيح كما جاء بإنجيل مرقس الإصحاح 21-23

"فنظر إليه يسوع وأحبه، وقال له: يعوزك شيء واحد: اذهب بع كل ما لك وأعط الفقراء ، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني حاملا الصليب"
" فاغتم على القول ومضى حزينا، لأنه كان ذا أموال كثيرة"
" فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذه: ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله"
مع مرور الوقت، بدأت حياة التقشف والزهد لبيتر والدو تجذب آخرين. من هنا تكونت جماعة فقراء ليون، التي سميت فيما بعد بجماعة الولدنيسيين. قام والدو أيضا بدراسة عدة كتب هي ترجمات فرنسية للإنجيل، كان يعظ منها.

في البداية، كان أتباعه يتبعون الديانة المسيحية الكاثوليكية. لكنهم انفصلوا عن الكنيسة الكاثوليكية عندما منعتهم من الوعظ في ليون. وفي عام 1184م، أصدر البابا لوسيوس الثالث قرارا بحرمانهم من الكنيسة الكاثوليكية.

من هنا بدأ أتباع والدو في رفض تعاليم الكنيسة الكاثوليكية بما في ذلك نظام الكهنوت، الغفران، المطهر، الاستحالة (تحول الخبز والخمر إلى جسد)، والصلاة للقديسين. كثيرون منهم صاروا أتباع المصلح الديني جون هاس، الذي تم حرقه على الوتد عام 1415م.

في عام 1532م، قرر الولدنيسيون الاندماج في الديانة البروتستانتية. لقد عانت هذه الجماعة، وغيرها من الجماعات الدينية، من الاضطهاد الديني الكثير. كان يتم البحث عنهم وحرقهم بمحاكم التفتيش والسلطات الحاكمة لمئات السنين.

في عام 1655م، تمت أشنع مذبحة ضد الولدنيسيين، عندما أرسل دوق سافوي جيشه لكي يستأصل شأفة الكفار المخالفين له في العقيدة، الذين كانوا يعيشون في إيطاليا. المذبحة لا يمكن وصفها. يبدو أن قتل الضحايا الأبرياء غير كاف لشفاء غليلهم، أو لإطفاء نار الغل في صدورهم.

لقد قام الجنود ومعهم رهبان الكاثوليكية، باختراع طرق جهنمية للتعذيب: أيادي وأرجل الأطفال كانت تنزع من أجسامهم بالقوة. بينما الآباء والأمهات كن يشاهدن أطفالهن وهم يعذبون ويقتلون بدم بارد.

كان الآباء يجبرون على حمل رءوس أطفالهم المقطوعة بينما كانوا يسيرون إلى مكان إعدامهم. بعض هؤلاء المسيحيين الطيبين كان يتم حرثهم أحياء مع تربة أراضيهم المغتصبة. البعض الآخر كان يتم سلخ جلودهم أو حرقهم أحياء. آخرون عانوا ما هو أكثر من ذلك. جثثهم التي رفضت الكنيسة دفنها، كانت تغطي سطح الأرض.

هرب مئات من الولدنيسيين يختبئون في كهف كبير في أعلى الجبل. وجدهم الجنود القتلة حماة العقيدة الكاثوليكية. أخرجوهم من الكهف وأخذوا يلقونهم الواحد بعد الآخر من حافة الجبل، بما في ذلك من كبار السن والأمهات وأطفالهن.

كتب الشاعر ميلتون عن هذه المذبحة الدينية. وعندما سمع بها كرومويل، القائد العسكري والسياسي الإنجليزي المحنك في ذلك الوقت، طالب بتخصيص يوما قوميا للصيام في إنجلترا، وقام بجمع الأموال لمساعدة من كتبت لهم النجاة منهم.

نأتي الآن إلى فرسان الهيكل. وهم أشهر جماعة تعرضت لمحاكم التفتيش. وهم الدليل الواضح على أن محاكم التفتيش كانت تستخدم، لا لحماية العقيدة فقط، ولكن أيضا لأغراض شخصية وسياسية. كما هو الحال في بلادنا اليوم.

تأسست جماعة فرسان الهيكل عام 1119م، لحماية طرق الحجيج إلى الأراضي المقدسة. مع مرور الوقت، صار هؤلاء المحاربون الرهبان ركنا هاما في الحروب الصليبية. قتل منهم ما يزيد عن 20 ألف أثناء الحروب الصليبية.

كانت لهم مكاتب عديدة منتشرة في دول أوروبا المسيحية. وكانوا يمارسون نشاطا ماليا يعتبر هو الأول من نوعه، مثل نشاط البنوك حاليا. هذا النشاط يعتبر سبب نكبتهم وسبب القضاء على جماعتهم.

في بداية القرن الرابع عشر، كان فيليب الرابع ملك فرنسا مدينا بمبالغ ضخمة لفرسان الهيكل بمدينة باريس. في عام 1307م، وجه فيليب الرابع تهمة الهرطقة إلى فرسان الهيل. وجاء في عريضة الاتهام أنهم ينكرون ألوهية المسيح ولا يقدسون الصليب. الأدهى من ذلك أنهم يعبدون شخصية غريبة باسم بافوميت، ربما تكون اسما مستعارا للنبي محمد. هذه التهم لم يثبت صحتها أبدا. إلا عن طريق اعترافات كانت تتم تحت التعذيب بواسطة زبانية محاكم التفتيش.

أدانت محاكم التفتيش فرسان الهيكل بالتهم السابقة. وقامت قنصلية فيين بوقف نشاطهم ونزع ممتلكاتهم عام 1312م. الفصل الأخير في رواية فرسان الهيكل يأتي عام 1314م، عندما تم حرق زعيمهم، جاك دي موليه، على الوتد. بعد تدمير جماعة فرسان الهيكل، تم إلغاء كل ديون التاج الفرنسي قبل فرسان الهيكل. طريقة عبقرية للتخلص من الديون الكبيرة.

جان دارك، هي أشهر من تعرض لظلم محاكم التفتيش. ولدت عام 1412م في دومريمي بفرنسا. في سن الثالثة عشر، بدأت ترى رؤيا متكررة من الملاك ميكائيل والقديسة كاثرين والقديسة مارجريت. في عام 1429م، جاءتها خلال الرؤيا رسالة لتحرير فرنسا من ربقة الاستعمار الإنجليزي.

قامت جان دارك بالسفر مسافة 300 ميل عبر أراضي الأعداء لكي تقابل شارلز السابع. اقتنع شارلز بأنها تمتلك قداسة سماوية، لذلك جعلها مسؤولة عن جيشه.

في عام 1429م، حققت جان دارك انتصارات عسكرية باهرة، عندما قادت أربعة آلاف مقاتل لكي تفك حصار مدينة أورلينز. بعد تحرير المدينة، هزمت جان الإنجليز في عدة معارك، وقامت بتحرير العديد من المدن الفرنسية.

في عام 1430م، بينما كانت تقود جنودها لتحرير باريس، وقعت أسيرة في يد البورجنديين، الذين قاموا بدورهم ببيعها إلى البريطانيين. بعد محاكمتها بمحكمة تفتيش فرنسية، بتهمة السحر والهرطقة، تم حرقها على الوتد عام 1431م.

في عام 1456م، تم إلغاء حكم المحكمة بمرسوم من البابا كاليكتوس الثالث. وهي حالة نادرة بالنسبة لأحكام محاكم التفتيش. في عام 1920م ، أصدر البابا بنيدكت الخامس عشر مرسوما يقضي بإضافتها إلى قائمة القديسين والشهداء.

الاستعداد للإصلاح الديني والتمرد على سلطة الكنيسة الكاثوليكية كان ناضجاً في بوهيميا، مثلما كان الحال في إنكلترا. كان ذلك بقيادة جون هاس، أستاذ الفلسفة في جامعة براغ، والمولود في بوهيميا عام 1369م.

أفكار هاس كانت منتقاة من كتابات ويكليف. لكن هاس دفع ثمناً غالياً لهذه الأفكار. خطأه الأكبر اعتقاده أن السلطات سوف تحميه وتوفر له محاكمة عادلة. بعد رحلة شاقة استغرقت 18 يوماً، لم يجد نفسه أمام محكمة ومحلفين يستمعون إلى دفاعه عن آرائه.

لكنه وجد نفسه في قبو مظلم في أحد الأديرة حيث أمضى هناك أشهر بدون محاكمة. طلبت منه السلطة الرجوع عن غيه ونقض أفكاره، لكنه لا يعرف ما هي تهمته وما هي الأفكار التي تغضب السلطة ويجب أن يرجع عنها.

بعد ذلك، اقتيد للمثول أمام الامبراطور والأمراء والكرادلة ورئيس الأساقفة، والأساقفة والقساوسة والرهبان. وعندما صدر الحكم عليه بالاعدام بمحاكم التفتيش، سقط هاس على الأرض باكياً وقال: «يا إلهي، اغفر لأعدائي». بعد ذلك، تم حرقه لكي تذهب روحه إلى الشيطان عام 1415م.

بينما كان يقف وعنقه مربوطة بسلسلة حديد في عمود المحرقة، أعطي فرصة أخيرة للتراجع عن غيّه. قال: «التراجع عن ماذا؟ لقد قلت كل ما عندي بصدق، ولم أخف شيئا من الحقيقة. اعتقدت أنني أعلم الناس التوبة والغفران وفقاً لتعاليم السيد المسيح…أنا لست خائفاً من الموت.

لقد نجح العالم الغربي بعد عصري النهضة والأنوار في القضاء على محاكم التفتيش. قاموا بفصل الدين عن الدولة. ووضع الغول القبيح في القفص الحديدي، وتم خصيه وتقليم أظافره وخلع أنيابه.

بدأ الإنسان في الغرب لأول وهلة في تنسم عبير الحرية والتمتع بهوائها النقي. تمت المساواة بين بني البشر، فكلنا اخوة وأخوات. هكذا يقول العلم والحق والأخلاق والفطرة السليمة، مهما كان دينك أو عقيدتك.

تمت المساواة بين الرجل والمرأة، ومورست حرية الإنسان وحرية العقيدة وحرية الرأي وتبادل السلطة سلميا. وتطورت العلوم والفنون والآداب والصناعة والتكنولوجيا حتى بلغت عنان السماء. وجنى الغرب ثمار حضارته وثقافته وتقدمه. هذا ما نلمسه جميعا وخصوصا من يعيش منا في البلاد الغربية.

أما شعوبنا فتعيش عيشة العبيد والحيوانات الضالة. لا يزال لدينا بابا للكنيسة الإسلامية هو شيخ الأزهر ولا أدري ما هي فائدته. ولا تزال لدينا محاكم تفتيش تطبق قانون ازدراء الأديان بكل حرفية واقتدار. سجنت بمقتضاه اسلام بحيري وفاطمة ناعوت وأحمد ناجي وأطفال الأقباط القصر وغيرهم الكثير.

محاكم التفتيش لدينا تهدد الآن بإهدار دم سيد القمني. لأنه تجرأ على فتح غرفة القصر الموصدة، والقول جهرا بما نقوله جميعا تلميحا أو سرا. لقد قال بكل شجاعة ورجولة، إن الامبراطور عاري تماما، تظهر عورته للعيان، ولا يلبس شيئا من الثياب تستره. وطالب بتنقيح كتبنا الدينية الطافحة بالعفن والبله والعته والتخلف والجهل والكذب والتزوير والإسرائيليات.

نحن نعيش الآن في أسود عصورنا، حيث تتحد السلطة العسكرية مع السلطة الدينية للحكم بالحديد والنار، وسلب الناس أرواحها وعقولها، في مجتمع مغيب العقل والضمير والأخلاق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تطابقات لها ضحايا في العصر الحديث
محمد البدري ( 2020 / 8 / 5 - 11:13 )
الصديق العزيز استاذ زكريا توفيق
تحياتي
قتلا، كان فرج فودة ضحية محكمة تفتيش نفذها الدهماء والسوقة والمجتمع الرث في مصر وفي محاولة لم تنجح قام المجتمع الرث بنفس الفعل مع الاديب نجيب محفوظ الذي اسعدنا بادبه الفلسفي اجتماعيا وسياسيا. يقوم المجتمع الرث في مصر بالدور التنفيذي للازهر وكاداة له. ويقوم القضاء بنفس الدور في حالة نصر حامد ابو زيد حيث تم تشريده ومطاردته عائليا.
حالاتي نصر حامد ابو زيد وسيد القمني كان فهمي هويدي عراب التكفير والكاتب في اكبر صحيفة للدولة (الاهرام) هو من قاد حملة التكفير ودعوة محكمة التفتيش لهما وكان الشيخ الازهري الغزالي من برر ضرورة القتل لفرج فودة. فلا فصل بين الدولة والازهر. كله سايح على بعضه ايضا. هذا في الزمن الحالي وفي عصور الخلافة الاسلامية كان الحلاج وابن المقفع والسهروردي .... ضحيا نفس الفكرة الدينية وفي نشأة الاسلام كانت ام قرفة ومن يشتبه في ايمانه ناهيك عن المخالفين الواجب قتالهم كما في نصوص قرآنية تنطبق ونصوص التوراه علي ذات الهدف.
عصور قبيحة خرجت منها اوروبا ولازال الشرق الاوسط التعس غارقا في دمائها.

شكر عميق وامتنان وفير لكتاباتك


2 - نحن نعيش فترة محاكم التفتيش
ماجدة منصور ( 2020 / 8 / 5 - 13:02 )
نحن نعيش فترة محاكم التفتيش الآن و في القرن 21 و على رؤوس الأشهاد0
أليس قانون إزدراء الأديان ....عجيب و غريب من نوعه؟؟؟
وماذا عن الأديان حينما تزدري الإنسان و إنسانيته و تحلل قتله و هدر دمه و بنصوص( مقدسة)؟؟
متى سنستطيع الخلاص من محاكم التفتيش و قوانين الدين التي تزدري الإنسان!!!0
لقد إستطاع الغرب التخلص من محاكم التفتيش عبر مثقفيه و حكامه و نخبه الإجتماعية...فمتى سيتحنن علينا أربابنا كي نبدأ بالتخلص من محاكم التفتيش الإسلامية؟؟؟
أعتقد بأن الخطوة الأولى للتخلص من هذا الكابوس يبدأ بفصل الدين عن الدولة كخطوة أولى من أجل أن لا يبقى الدين و السياسة__سايحين كده على بعض__حسب تعبيرك اللطيف أستاذنا الكريم0
حان الوقت للنخب أن تأخذ دورها التنويري و جنابك أولهم0
احترامي استاذ


3 - إلى أعزائي ماجدة منصور ومحمد البدري
محمد زكريا توفيق ( 2020 / 8 / 5 - 15:28 )
هي فعلا سايحة على بعض. سمك لبن تمرهندي. حط دين على سياسة على رجال دين على مماليك على شوية منافقين ومنتفعين،على حكام خونة كذابين، على قتلة ومزورين، و 99، واضربهم في خلاط، تلاقي نفسك في العالم العربي. .


4 - محاكم التفتيش
على سالم ( 2020 / 8 / 5 - 17:31 )
لاشك ان الاسلام كعقيده بدويه قبليه استبداديه فاشيه وقمعيه بشعه هى امتداد بدون شك لمحاكم التفتيش الاجراميه الساديه المروعه , الفرق هو ان محاكم التفتيش انتهت فى الغرب ولكنها لاتزال ترتع وتتمدد مثل الاخطبوط فى بلدان العالم الاسلامى البائس التعيس


5 - الظلم من شيم النفوس
منير كريم ( 2020 / 8 / 5 - 18:33 )
تحية للاشتاذ الكاتب
قال الشاعر المتنبي
وما الظلم الا من شيم النفوس ****** فان وجدت ذا عفة فلعلة لايظلم
كافة جرائم التاريخ كانت لاسباب شتى الا ان العامل النفسي كان على الدوام يذكي هذه الاسباب
الحل العملي المتاح هو اقامة نظام ديمقراطي ليبرالي وتنمية الضمير عن طريق الادب والفن
شكرا لكم


6 - إلى أعزائي علي سالم ومنير كريم
محمد زكريا توفيق ( 2020 / 8 / 5 - 19:51 )
شكرا لمروركم الكريم. فعلا ليس هناك ما هو أجمل من الحرية والمساواة واحترام حقوق الانسان وآدميته. كل هذا نجده في النظم الديموقراطية والعلمانية، التي تنمي الضمير والوعي والتقدم عن طريق العلم و الفن والأدب، كما يقول الأستاذ منير كريم في تعقيبه .


7 - اقتباس
قاسم علي فنجان ( 2020 / 8 / 5 - 23:09 )
فضلا أنه لا يمت للمسيحية الحقة بصلة)) والمقالة كلها تستشهد بالاناجيل كيف ذلك؟


8 - إلى الأستاذ قاسم علي فنجان
محمد زكريا توفيق ( 2020 / 8 / 6 - 02:35 )
شكرا لمرورك الكريم. يا أخ قاسم، هل هذا كل ما فهمته من المقال؟ أنا يا عزيزي لا أهاجم المسيحية ولا الإسلام ولا أي دين آخر. فكل الأديان في رأيي، إما صح، وإما كلها وهم من صناعة الإنسان. ولا يمكن أن يكون أحدها فقط هو الصح والباقي خطأ. أنا هنا أحارب التعصب وضيق الأفق والغباء الشديد. بالنسبة لسؤال حضرتك ، المسيحية الحقة هي التي تدعو إلى السلام والمحبة والصفح والغفران، هذا ماعنيته في المقال. لا حرق الناس على الأوتاد لمجرد اختلافهم في العقيدة أو التفسر.


9 - لا أدري كيف فاتني هذا المقال
نضال الربضي ( 2020 / 9 / 11 - 16:12 )
الأخ الحبيب محمد زكريا توفيق، أطيب التحيات القلبية لكم!

أبدعت بحق، و قلت ما في النفوس، و عبرت عما يتوق إليه الإنسان الذي يمضي بحسب طبيعته التواقة لكل ما هو جميل، نعم نحن إخوة و أخوات، نقطة على السطر و لا كلام بعد هذا!

أتابع مقالاتكم كلما عدت للموقع، و أجد أنها دائما ً في صدارة كل ما يجب أن يقال بحق من أجل عالم ٍ أفضل!

دمت بكل الحب و الاحترام!

اخر الافلام

.. ألاباما.. طفلة تجمع المال لإجراء عملية خطيرة


.. زيارة السيسي للخرطوم: جبهة مصرية سودانية في مواجهة إثيوبيا ب


.. باحثون أمريكيون يطبعون يدا بشرية في 19 دقيقة!




.. ماذا بعد تعليق المغرب لعلاقاته الدبلوماسية مع ألمانيا؟ | #ني


.. تفاعلات واسعة مع تحقيق غرفة أخبار الجزيرة حول قاعدة عصب الإم