الحوار المتمدن - موبايل


الدين الوجودي والإيمان الأعمى

سامح عسكر

2020 / 8 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


قارئ عزيز يسألني على الفيس بوك هذا السؤال: أستاذ سامح كيف أنت مسلم وتصلي مع ذلك تنكر عذاب القبر والمسيخ الدجال والمهدي المنتظر ونزول المسيح وقتل المرتد والمعراج وقدسية البخاري والأئمة...إلخ؟..قل لي: كيف تعبد الله وما حقيقة دينك؟

قلت: الله يسامحهم حسّان وشلّته..وهموا الناس أن عبادة الله والإيمان لابد أن تحدث عن طريقهم وبتصديق خرافاتهم، خدعوا الناس ووهموهم أن الدين هو طلاسم وألغاز وشفرات وقائمة طويلة من الحرام والممنوع..

سأقول ما هو أشد: أنا مؤمن بالله وأعبده حتى من غير قرآن ورسول، يعني لو تأكد عندي أن القرآن كلام بشر فهذا لا ينقص من إيماني شئ وما جاء به القرآن من تعاليم إصلاحية هي أساس عندي من غير رسالة، فلست ممن يعبدون الله بالنص والحرف كما يظن ذلك الأغلبية ويتوهموه أنه شرط للعبادة، حتى العلم والعقل هم مجرد جوانب إيمانية يخطئ فيها البشر أحيانا، ويقيني أن الله أرسل رسله بقواعد وثوابت منها قدسية الدم والكرامة والملكية والعقل..أي انتهاك لتلك الثوابت والمقدسات فهو فعل إجرامي قبيح حتى لو ذكر في أقدس النصوص..

الدين ليس إيمانا أعمى بل هو صلة بين الخالق والمخلوق أو بين المُعلّم والتلميذ جوهرها في وجود مصدر لا ينضب من القيم والتعاليم السلوكية الروحانية، أي أن دافع التدين الحقيقي هو سلك روحاني يجمع بين القيمة العليا والمادة ، وما دام هذا السلك موجودا سيظل الدين حتى لو كُشِفَ عنه أحيانا بصور لادينية..لكن الوعي الكامن من ورائها يحمل دلالات تدين عظيمة وبحث عقلاني مجرد عن الحقيقة، وفي السابق شرحت ذلك في محاضرة "الدين والعلم والأسطورة" مع الصديق الرائع "إبراهيم الجندي" أن الدين الحقيقي هو "دين وجودي" بحث فيه الأنبياء والفلاسفة والمصلحين ، وأنه لا حق لأحدهم أن يحتكر الحقيقة المطلقة لنفسه ما دام هذا الدين الوجودي يمثل القيمة العليا التي أشرت إليها بمصدر لا ينضب من التعاليم والأخلاقيات والأفكار المتجددة والمتطورة.

هذا يعني أن الدين قابل للتطور على أسس قعّدها لنفسه كما رأينا في دين الأنبياء تطوره التاريخي مع بقاء جوهر واحد سامي يأمر بالأخلاق والعدل والفكر والفضيلة والكفّ عن المُحرّمات، ولأن الدين يتطور تاريخيا فالشريعة والقوانين أيضا تتبدل، لذا فالشريعة متعددة لكن الدين واحد وهذا ما قرره القرآن في قوله تعالى "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات " [المائدة : 48] فالأصل إذن في الدين الوجودي الحقيقي هو (استباق الخيرات) وهو الهدف من إرسال الأنبياء والمصلحين عموما.

إن الدين لم ينقطع من ذاكرة الجنس البشري العاقل أو من يُعرف في سلم التطور بالهوموسابينس، بل أن الأخبار تطالعنا أن النياندرتال كان يسلك أيضا سلوكا دينيا في بعض طقوسه، مما يعني أن بحث الإنسان عن الدين الوجودي أقدم مما نعرفه ومؤصّل تاريخيا منذ اختراع الأبجدية في الألف الرابع ق. م بل أن سلوك الإنسان الديني أقدم من ذلك بكثير يمكن اختصاره في جملة واحدة " أن البشرية عرفت الدين في أذهانها أولا ثم انتقل منها إلى الطقوس والشعائر ثم ترجمته أخيرا في الأبجدية" مما يعني أن وسيلة إلهام البشرية بالدين كانت عن طريق العقل، فبه عرف الآلهة والقيم والفضيلة في كوكتيل فريد عُرِف ب (الحكمة) وفيه نزلت آيات قرآنية كثيرة دالة على أن هدف الدين هو اكتساب الحكمة، قال تعالى "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم "[النساء : 113]

والحكمة من إحكام الشئ عندما تطلق على الأفكار فيعني استحكام الفكرة لمعنىً واحد لا يقبل التأويل، فكل نداء بالعدل والسلام والتسامح والعقل هو "حكمة" ولأن البشرية محدودة القدرات وعقولها نسبية فالوارد اختلافهم في هذه الحكمة وتفاصيلها ، لذا وصل بعض عقلاء الدين أن العقل البشري ليس واحدا بل اثنين (جلي واضح) و (استدلالي) فالعقل الجليّ الواضح هو ما يشترك فيه الجميع ويبحثون به عن الدين الوجودي، أما الاستدلالي هو ما يبحثون فيه عن الحكمة واختلفوا به كلُ له شرعة ومنهاجا وتصوّرا عن الكون حسب قدراتهم الذهنية والمادية المختلفة، ومن هنا أقرّ القرآن حقيقة أنه لا سلطة لأحد أن يحاسب آخر على تدينه، فطريق الاجتهاد مفتوح لتفسير الحكمة وأن الله وحده من له حق الحساب والفصل، مصداقا لقوله تعالى "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة " [الحج : 17]

حواديت الدجال والقبر والمهدي تصلح لمجتمع ظلامي وتسالي أطفال وخداع الجماهير، لكنها لا تخص الدين بشئ، فالعقيدة تعني الإيمان.. وإيمانك مرهون بعملك الصالح فقط لا غير، أما هذه القصص والحواديت فهي زيادات على الدين لا تنقص منه شئ بل تضره على الأرجح، ومصدر هذا الضرر أن الدين والعلم هم مضامين في الحقيقة للحكمة المكتسبة والواجب معرفتها عن الخالق والطبيعة، فتفسير الكون بالدين فقط سيؤدي لشيوع الخرافة ..لابد من العلم (لإحكام) نظرة الإنسان إلى الكون وبلوغها مراتب الحكمة، وتلك الحواديت ظهرت في هذا السياق المجرد من العلم..أي أنها نشأت في مجتمع جاهل يعتمد كليا على الرواية الشفهية وتقبيح العقل الناقد والخوف من السلطة المستبدة، وشيوعها قديما ليس دالا على صحتها فالتاريخ ينقل أساطير الأمم البائدة والأديان القديمة على أنها أكاذيب الآن، لكنها لم تكن كذلك في وقتها بالطبع.

لكن ولأن الدين شأن ميتافيزيقي نظري في معظمه وصل بعض الفلاسفة والمصلحين أن سياقه البحثي مختلف عن العلم والتجريب، وبدأت هذه النظرية تؤصّل منذ القرن 19م ووصلت لبعض شيوخ المسلمين كرفاعة الطهطاوي الذي يعد أول من من نادى بالفصل بين الدين والعلم ، لكنه في ذات الوقت لم يجر التسليم بهذه الرؤية كليا لأن الدين والعلم يناقشان موضوعا واحدا هو (الحكمة) التي يفترض أنها غاية إرسال الدين وهي غاية العلم أيضا، فالعلوم تبحث في إحكام نفسها بالنظرية والتطبيق..ثم توظيف النتيجة أخيرا لصالح البشرية وهي قيمة أخلاقية عليا من وراء العلم تعمل في نفس السياق وهو (الحكمة) أي التكامل بين العلم والدين لصالح البشرية والكون.

هذه الرؤية لو ارتفعت لتُذكر على المنابر وتُصاغ في التعليم لتغير الكثير، وأول ما سيتغير هي رؤية بعض علماء اللادينية نفسهم في تصور الإيمان، فهم عندما يناقشون الإيمان يتعاملون معه على أنه (إيمان أعمى بلا عقل) وأعذرهم في ذلك لكون هذا النوع من الإيمان سائد حاليا بفضل انحطاط المؤمنين والمتدينين عن الركب الحضاري، وتصدر اللادينيين جانب العلم، لكني لا أعذرهم في تجاهل حقيقة موضوعية ثبتت كثيرا وتأكدت في نماذج متعددة في التاريخ أن الإيمان لا يتعارض مع المعرفة العلمية، وأن سياسة التوفيق بين العلم والدين قديمة منذ القرن الرابع الميلادي وتجددت مع فلاسفة المسلمين المشائيين والمعتزلة، بل أن بعض تعاليم حقوق الإنسان وقيم العصر في رفض السبي واعتبار نكاح السبايا اغتصابا وزنا أفتى بها بعض علماء المعتزلة ك "ثمامة بن الأشرس" في وقت كانت العبودية واغتصاب السبايا في هذا العصر من الأمور الطبيعية بحكم العادة.

والإيمان الأعمى في الأخير لا يهتم بالعلم إلا إذا سيق بصورة تقليدية عن فلان وفلان، أي أن الجانب التقليدي في الإيمان الأعمى ليس شرا مطلقا، فالإنسان عندما يفعل الخير عن شيخه أو يستبق الخيرات تقليدا لأحد إسمه في الأخير (فاعل خير) حتى لو كان دافعه تقليدا أعمى، لذا فنحن عندما ننتقد هذا الإيمان نهتم أولا بمبدأه أن التقليد ليس ضمانة لفعل الخيرات لكنه في ذات الوقت ليس طريقا مؤكداً لفعل الشر، والله عندما يقول "استبقوا الخيرات" فهو يقول بوضوح: أن ضمانة فعل الخيرات أولى وهي لن تُحصّل إلا بطريق العلم والعقل والشك، مما يعني أن طريق الإيمان الأعمى يحمل في جوهره احتمالا – قد يكون كبيرا – بفعل الشر، والتجربة أكدت أن الحروب الطائفية والقتل والشرور حدثت في هذا السياق وهو أن الأشرار يقلدون بعضهم دون وعي

ومن المهم أيضا معرفة أن الكهنة ورجال الدين لا يرفضون العلم لذاته، بل لأنهم يدافعون عن مصالحهم ومنابرهم وأجراسهم توهّموا أن (العلم سيلغي الله) أو (العقل سيدمر الفضيلة) فالمشكلة إذن فيهم حين زعموا أنهم يدافعون عن الله وهم في الحقيقة يدافعون عن مصالحهم ومنابرهم ، كمن يعترض على مديره في العمل حين يظلمه ويخصم من راتبه فيبرر ذلك المدير أن قراره بالخصم هو دفاع عن العمل..برغم أن الدافع الحقيقي قد يكون نفسيا وحقدا شخصيا أو خوفا من ترقية هذا الموظف لينافسه، فالعمل إذن لا شأن له بالقصة هو مجرد ستار أو مبرر لفعل الشر..بالضبط حين يقتل رجل الدين خصومه ويفتي بكفرهم ويحشد العامة لإيذائهم فقد جعل الله ستارا له لتحقيق أطماعه..وهو الذي أفتى لتلاميذه في السابق أن الله غنيُ عن الدفاع عنه بصورة مغلوطة من التناقض مسجلة في صحائف الكهنة لا يروها لخلوّ إيمانهم من العقل والشك بل يراها غيرهم خصوم الإيمان الأعمى.

فالناس لم تكن غبية وشريرة بسبب الدين، بل بسبب الشريعة، مما يعني أن كل مُصلِح يأتي بشريعة وقوانين جديدة خاصة بزمنه هي منفصلة كفكرة عن مبدأ الدين الوجودي الذي بشّر به، أي أن محمد وعيسى وموسى وزرادشت وإبراهيم..إلخ دينهم واحد (وجودي) هذا ليس أمرا شريرا بل دافعا لفعل الخير وتحكيم العقل والمساواه، لكن شرائعهم هي التي أحدثت الفارق، فهم وإن أمروا باتباع الدين لا الشريعة لكن خلفائهم لم يلزموا هذا الأمر فتطور الإنسان والتاريخ والمادة لكن لم تتطور الشريعة فحدث الجمود والتقليد وفعل الناس الشر باسم الدين.

وفي الإسلام دليل على ذلك بأوامر قرآنية واضحة باتباع الدين والإيمان..وهو الدين الوجودي الذي سميته في البداية، لكن الشريعة والقوانين المتعددة لم يؤمَر المسلم باتباعها وغاية ما ذكرت فيها آية واحدة بمنطق التبعيض، قال تعالى "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " [الجاثية : 18] والأمر المقصود هو الدين الوجودي، أما الشريعة المُبعّضة منه هي قانون كان يلائم الناس في ذلك التوقيت ومشهودا له بالصلاح، والآية أوضح دليل على الفرق بين الدين والشريعة، أذكر أن بعض فقهاء المسلمين أصّل لهذا الفارق – نوعا ما – في كتبه كالشيخ محمود شلتوت في "الإسلام عقيدة وشريعة" وفصّل بين الاثنين باجتهاد وتدبر جيد هو أن مصدر العقيدة هو القرآن أما الشريعة فمتغيرة وهي آراء وأفهام بشر، وبرغم أن هذا التفسير لا يتفق كليا مع تفسير الدين الوجودي لكنه يتفق مع آية الجاثية..ويؤصل لاعتبار أن الأحاديث والتفاسير والتواريخ غير ملزِمة ولا شأن لها بعقيدة الناس لكونها في الأخير أقوالا بشرية..

أخيرا: فكل دين يتعرض لسوء فهم وتفسيرات خاطئة أنتجت شقاقا وحروبا أحيانا، والسر في عدم إدراك الفارق بين العقل الكلي الواضح والعقل الجزئي الاستدلالي، فأراد الناس حمل غيرهم على تتبع رأيهم وإجبارهم عليه..فيحدث الصراع الذي يدمر النظام القديم ويأتي نظاما جديدا بدين جديد وشريعة جديدة، بينما في الحقيقة أن جوهر النظامين (القديم والجديد) واحد، وتصورات الناس لبداياتهم متشابهة، فالمسلم الذي صدّق النبي ورآه هو المسيحي الذي صدّق يسوع ورآه والزرادشتي الذي صدّق زرادشت ورآه، وهم الذين افترقوا أيضا واحتربوا حول حقيقة ذلك الدين، فخلفاء النبي محمد هم نفسهم خلفاء المسيح وزرادشت، لم يبحثوا عن الدين بمحض اختيارهم بل كانوا مدفوعين لطريق يوفر لهم الأمن والكرامة، فاختلفوا وتحاربوا كلُ يدعي أن طريقه هو طريق الربّ بينما في الحقيقة كان طريقه هو شخصيا ، ولولا وجود كهنة محترفين أنفقت عليهم السلطة ما تحوّل هذا الطريق الشخصي لدين وما أصبح هذا الشخص إلها مقدس..!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تركيا تطلب من الإخوان إيقاف نشاطاتهم ضد مصر قبل زيارة رسمية


.. تركيا تطلب من الإخوان إيقاف نشاطاتهم ضد مصر قبل زيارة رسمية


.. يسوع .. ابن الله !! / قناة الانسان / حلقة 91




.. الشريعة والحياة - محمد ولد الددو: مقومات علماء الدين في الإس


.. قناة الانسان