الحوار المتمدن - موبايل


لبنان من استعادة الذات إلى استدعاء الآخر

حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)

2020 / 8 / 11
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


تختلف دول الموجة الثانية من الثورات العربية الكبرى في القرن الجديد (لبنان- العراق – الجزائر – السودان)، عن دول الموجة الأولى (مصر- تونس – لبييا- سوريا – اليمن) في عدة نقاط، لكن تلتقي جميعاٌ في أزمة الأنظمة السياسية والاجتماعية التي نشأت في القرن الماضي، نتاجا لـ"دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي في العالم العربي بتوازناتها وتناقضاتها التاريخية، حيث نشأت في معظم البلدان العربية "دولة ما بعد الاستقلال" التي تتكون عادة من قلب عسكري في السلطة ومعارضة يمينية ويسارية مدمجة لحد ما في النظام، مع وجود تداخلات لعوامل الهوية الأخرى كالعرق أو المذهب او الدين في بنية تلك الدولة وتراتباتها الاجتماعية.

ما المشكلة الآن؟

لكن المشكلة أننا أمام معادلة صعبة الآن في العالم العربي؛ تتمثل في ظهور أبنية تحتية وشعبية متعددة وهادرة في الوطن العربي تحلم بالتغيير، في مقابل وجود أبنية فوقية تسيطر على السلطة والسلاح والمال ترفض وتتشبث، والمشكلة الأكبر أن الأبنية الفوقية تتضمن المعارضة التاريخية العربية التي تريد احتكار الحديث باسم الحرية والثورات والتغيير سواء يسارا أو يمينا، وتساهم بموقفها هذا في تكريس النظام السياسي القديم إرث "دولة ما بعد الاستقلال"، والنتيجة خسارة الذات العربية، وزيادة فرص الآخر في الحضور ودعاة الاستلاب له (استدعاء الانتداب في لبنان نموذجا).


لبنان: ثورة استعادة الذات الكلية وتغيير مكوناتها

في الثورة اللبنانية خرجت الأبنية الشعبية/ التحتية؛ تطالب في حقيقة الأمر - مثل كل الدول العربية - باستعادة "الذات الكلية" المعبرة عن الروح الجماعية للبنان وشخصيتها القومية، وتغيير كافة الطبقة السياسية سلطة ومعارضة يمينا ويسارا، وإعادة إنتاج "ذات جماعية" جديدة تمثل إلهاما للبنانيين عبر وجوه وأسماء جديدة، لكن اصطدم الحلم اللبناني الشعبي بتمسك تمثلاته السلطوية الفوقية الحزبية والاجتماعية المتنوعة، ورفضها أن تتم إزاحتها سلما وتشبث كل منها بمكتسباته المادية والمعنوية، المادية أي مكانته في التراتب الاجتماعي اللبناني، والمعنوية أي مكانته النفسية والروحية التي ربطها باحتكار مجموعة من الشعارات، لنصل لنقطة الانسداد السياسي ومحاولة كسر إرادة الأبنية التحتية بأنها لن تستطيع تغيير معادلة التناقضات الموروثة، وأن كل الأبنية الفوقية ستحرق الأرض وتشيع الفوضي قبل أن تترك مكانها.


تكتيك "الصدمة السيكولوجية العامة"

في كل دولة عربية من دول الموجة الأولى أو الثانية، وبعد وصول المسارات السياسية للثورة لانسداد الأفق السياسي، واستمرار الأبنية التحتية والشعبية في حراكها طمعا في استعادة "الذات الكلية" لها وتجديد الدماء فيها، كانت الأبنية الفوقية السلطوية تلجأ لتكتيك عنيف مناظر بالقوة نفسها، وهو تكتيك إحداث "الصدمة السيكولوجية العامة" التي ترسل رسالة بأن اللعبة السياسية لن تكون عادلة، هذه الصدمة السيكولوجية العامة تكررت في كل دول الثورات العربية بلا استثناء بشكل مباشر أو غير مباشر..
لكن في الحالة اللبنانية كان يجب أن تأتي "الصدمة السيكولوجية العامة" بشكل غير مباشر، لأن بنية السلطة الفوقية في لبنان لها طبيعة خاصة، من جهة أنها تستند لأبنية خارج مؤسسات الدولة، ومؤسسات الدولة ربما مجرد تمثل لتلك الأبنية خارجها (وهي سمة المجتمعات الطائفية أو القبلية أو العرقية)، لذا ما كان لصدمة مباشرة من الأبنية السلطوية أن تمر تحت مرأى ومسمع العالم كله، من ثم كان تفجير ميناء بيروت هو الصدمة السيكولوجية العامة، والرسالة بان اللعبة غير عادلة، وعليكم – يا اهل لبنان - البحث عن بدائل أخرى.


نقطة التحول
من "استعادة الذات" إلى "استدعاء الآخر"

على أثر لجوء الأبنية الفوقية لتكتيك "الصدمة السيكولوجية العامة"، بدأ بعض الناس كما حدث في النموذج اللبناني في البحث عن بدائل أخرى للحياة والنجاة، واضطروا للخروج من البحث في نطاق " استعادة الذات" بعد انسداد الأفق الخاص بها، ولجأوا للبحث في احتمالات "استدعاء الآخر" وبحث احتمالات الحياة معه، حتى ولو كان ذلك على حساب "الذات" واستعادتها، وهو ما تمثل عندما تبنى بعض اللبنانيين دعوات لعودة "الانتداب الفرنسي" واستدعاء الآخر الأجنبي، لأن الأبنية الفوقية أغلقت أمامهم طريق استعادة الذات وإمكانية تغيير الأبنية الفوقية للبلاد بشكل طبيعي وسلمي وتلقائي.



معضلة ظهور تمثل سياسي للثورات
في ظل تشبث السلطة ودور المعارضة القديمة

واقعة استدعاء الآخر في النموذج اللبناني ومناداة البعض بعودة "الانتداب الفرنسي"، تشير لأزمة الثورات العربية الكبرى في دول الموجة الأولى والثانية حتى الآن، وهي عجز الأبنية التحتية والشعبية عن تطوير تمثل أو بديل سياسي يعبر عنهم، لأن الأمر يحتاج لأجواء عمل واضحة وشرط سياسي مناسب وموضوعي.
من جهة.. المعارضة القديمة -يسارا ويمينا - تزايد على الأبنية الشعبية وتريد تأميم ثورتهم باسم الماركسية أو فرق الدين السياسي (شيعة أو سنة) على السواء، ومن جهة أخرى السلطة المركزية لـ"دولة ما بعد الاستقلال" -ونظامها السياسي ببنيته الأمنية- تعمل بسياسة التفكيك وتغييب القواعد العادلة للعمل السياسي العام، كي لا تحدث عملية "الفرز الطبيعي" وتنتج الثورة العربية كوادرها عبر التجربة والاختبار وتطور "كتلة جامعة" متوحدة مع "مستودع الهوية" العربي ومتطلبات الدفاع عنه.


النموذج المصري واللبناني
طرق مختلفة في استدعاء الآخر وعجز الذات

تلتقي الحالة اللبنانية في لجوء البعض لاستدعاء الآخر من خلال المناداة بعودة "الانتداب الفرنسي"، مع ظاهرة أعمل على رصدها منذ فترة في الحالة المصرية تقوم على ما أسميته "الاستلاب للآخر" و"الانسلاخ عن الذات" في الوقت نفسه.
تختلف الحالة المصرية عن اللبنانية في جوانب متعددة منها أن ظهور "خطاب الاستلاب" المصري جاء عبر نخب ثقافية فوقية شهيرة مثل: يوسف زيدان، ومراد وهبة، وسعد الدين إبراهيم، كما أن طرحه يأتي في سياق قهر المطالب الشعبية المصرية بـ"استعادة الذات" في ملفات مهمة مثل القضية الفلسطينية، ومحاولة قطاع ما في أبنية السلطة المصرية الفوقية إحداث "صدمة سيكولوجية عامة" من نوع آخر، بتكرار ظهور هذا الخطاب في الإعلام المصري والإلحاح عليه، لكن هذا القطاع في مقاربته لاستدعاء الخضوع للآخر على حساب الذات وقع في حرج وحيرة الآن، حيث يضعط الآخر/ شبكة العلاقات الدولية على مصر من خلال ملف "سد النهضة" لتمرير بنود صفقة القرن، وكسر إرادة مصر على المدى الطويل، ليكون خضوعها للآخر فرضا وليس اختيارا.


هل من حل ما؟
سردية عربية كبرى تنقذ اللحظة التاريخية

ما بين محاولات الأبنية التحتية والشعبية المطالية بتجاوز تراتبات "دولة ما بعد الاستقلال" عن الآخر/الاحتلال في القرن الماضي، ومحاولات الأبنية الفوقية المسيطرة على المال والسلطة والسلاح في لبنان ومعظم دول الوطن العربي التشبث وسد الأفق السياسي، يمكن القول أن المسار التاريخي للثورات العربية الكبرى في القرن الجديد وصل لمحطة فارقة ومفصلية للغاية..
إذا لم تتطور بعض الدول العربية ولا أقصد النموذج اللبناني وحده، بل قد يقع الأمر على عاتق دولة المركز القديمة مصر، بتجاوز المعادلات الحدية التي تقوم على التشبث وربط وجود الذات العربية بالأبنية الفوقية القديمة وتمثلاتها نفسها، أو سياسة الأرض المحروقة والفوضي، وتتطور إرادة تتصالح مع مطالب الأبنية التحتية في تجديد الذات العربية واستعادتها بشعارات وتصورات جديدة، فإن القادم قد يكون مؤشرا للاضمحلال الحضاري للذات العربية في مواجهة الآخر المتعدد.
يمكن إذا تبنت دولة المركز القديم/ مصر سردية كبرى جديدة، أو مشروعا عربيا جديدا، وقدمت النموذج بقواه الناعمة الجاذبة في مقاربة تتفهم علاقة الذات بالآخر، وتستطيع ضبط الآخر في حدوده وتحميله مسئوليته التاريخية وتبعاتها، وتتصالح مع مطالب الأبنية التحتية.. يمكن هنا القول بقوة أنه تم استعادة الأمل من جديد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دايالوك - العجز التام لحكومة الكاظمي في حمل الملف الامني وحل


.. بمناسبة الاول من آيار : افقار حكومة الكاظمي للجماهير العمالي


.. ميري لنش هايم: اهتمام الدول الكبرى بملف التغير المناخي ليس ب




.. منشق عن قسد يكشف: نفط سوريا لتمويل إرهاب حزب العمال الكردستا


.. 2021:10 يحدث في العراق