الحوار المتمدن - موبايل


تاريخ الدين: الأديان في الأمريكيتين

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 8 / 15
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


الكاتب: سيرجي الكساندروفيتش توكاريف

ترجمة مالك أبوعليا

ان الأديان بين السكان الأصليين للأمريكيتين مثير ة للاهتمام ليس فقط لانها مثل معتقدات شعوب استراليا واوقيانوسيا لم تتطور فيما يتعلق بأديان العالم القديم. استقر السكان الأصليون للأمريكيتين-الهنود والأسكيمو- منذ فترةٍ طويلة في بيئات جغرافية متنوعة ومجموعات متنوعة لم تُحقق مستويات متشابهة من التطور. عندما وصل الأوروبيون، كانت هناك قبائل متخلفة، ومجتمعات عالية التطور أيضاً، مناطق متميزة ذات ثقافة حضارية.
يمكن تصنيف السكان الأصليين في الأمريكيتين بشكلٍ ملائمٍ كما كانوا عندما وصل المستعمرون الأوروبيون، الى ثلاثة فئات: قبائل الصيادين وصيادي الأسماك وجامعي الثمار النائية الأكثر تخلفاً، ومُعظم السكان الهنود في أمريكا الشمالية والجنوبية الذين كانوا في الأساس مزارعين، وسكان المناطق الأكثر تطوراً في أمريكا الوسطى (من المكسيك الى البيرو) ببناها الطبقية ودولها. سيتم معالجة موضوع المجموعة الأخيرة في الفصل الثالث عشر، جنباً الى جنب مع المجتمعات الطبقية الأُخرى.

1- الدين بين الشعوب النائية التي ليس لديها لغة مكتوبة.
يعيش أو عاش قسم كبير من هذه القبائل في العالم القديم في مناطق من أمريكا الجنوبية يصعب الوصول اليها. لم يتم دراسة معظمها بدقة. هناك معلومات تفصيلية أكثر أو أقل عن قبائل تييرا ديل فوغو Tierra del Fuego والبورورونز Bororoans فقط.
من بين قبائل تييرا ديل فوغو، مجموعات الأوناس Onas والياغانيين Yaghans والأليكالوفيين Alikalufs، الذين انقرضوا تقريباً أو أبادهم المُستعمرون. انهم اكثر مجموعات الهنود بدائيةً.
عاشت قبائل تييرا ديل فوغو من صيد الطيور البرية وصيد الأسماك. كان لديهم ثقافة مادية فقيرة (خِيام، ملابس قليلة جداً) ومجتمع عشائري مُبكر بدون طبقات اجتماعية.
كان لدى الياغانيين، الذين عاشوا في الأجزاء الجنوبية الشرقية والجنوبية من تييرا ديل فوغو، شامانية متطورة.استخدم المعالجون الشامانيون أساليب خادعة متظاهرين باستخراج أحجارٍ غامضة من جسم المريض. كان كل شامان يدرس تحت اشراف متخصص قديم وذو خبرة. بالتوازي مع الشامانية وغير المرتبطة بها، كان لشعب تييرا ديل فوغو طقوس القبول (أي القبول في القبيلة).
كان لدى الياغانيين نوعين من طقوس القبول المُختلفة. كان أحدها هو الشكل القديم للقبول العُمري التي شَمِلَت الرجال والنساء على حدٍ سواء. كان جوهرها هو تقديم بعض المعلومات أو التعليمات السرية للأفراد حول الأخلاق القَبَلية حول تبجيل كبار السن واتباع العادات القديمة وما الى ذلك. النوع الثاني من الطقوس كان على ما يبدو نظام لاحق يُمثل الشكل الجنيني لتجمعات الذكور. يبدو أن هذا النظام يقف ضد النساء. هناك اسطورة مفادها أن النساء كانت تُسيطر على هذه الطقوس ذات مرة واللواتي أخفينها سراً عن الرجال، لكن من المُفترض أن الرجال تعلموا سرها من خلال الخداع ووجهوا هذا السلاح ضدهن. ان كلا هذين النوعين من الطقوس، وخاصةً الثاني، مُرتبطين بالعديد من الأفكار حول الأرواح والتي صورها المشاركون في الطقوس (أي صوروا الأرواح) من خلال ارتدائهم أقنعةً مخيفة. كانت حقوق القبول عند الياغانيين مُرتبطةً بالصورة الأسطورية عن كائنٍ سماوي يُفترض أنه يؤسس ويدعم حقوق القبول.
تحتوي أسايطر الياغانيين على قصص أبطال الثقافة- شقيقين واختهم. يبدو أن فكرة الأخوين التوأمين كأبطال ثقافة، نابعة من نظام المجموعات القريبة قرابة الدم والتي تعيش كلٌ منها منفصلةً عن الأخرى.
يعيش الأسكيمو في الجزء المُقابل، أقصى شمال الأمريكيتين، ولديهم ثقافة مادية متميزة. استقر الأسكيمو على طول الساحل المتجمد الشمالي لأمريكا الشمالية، من ألاسكا الى غرينلاند. وهكذا كانوا قادرين على التكيف مع أصعب الظروف البيئية وخلق اقتصاد غير اعتيادي وثقافة مادية.
ومع ذلك، فان نظامهم الاجتماعي قديم. انهم يعيشون في مجموعات صغيرة على أساس تقاسم الأراضي المُشتركة وعلاقات القُربى، وهم يُحافظون على تقاليدههم المشاعية القَبَلية. لقد تلاشت التحالفات العشائرية الأمومية بالفعل، في حين أنه بالكاد يمكن ملاحظة الانقسام الاجتماعي الطبقي. فقط الأسكيمو في غرينلاند تظهر عندهم علامات الانقسام الى فئات.
في كتابه (فلسفة الدين) استشهد هيغل بمعتقدات الأسكيمو كمثال على المراحل الأولى من التطور الديني. ان الشامانية نموذجية لممارسات الأسكيمو الدينية، وتضمنت جميع العناصر والأشكال الأُخرى للمعتقدات الدينية.
الشامانات هم قادة أنشطة العبادة. انهم لا يشاركون فقط في الشفاء، بل هم ايضاً مسؤولون عن طقوس الصيد، وهذا أمر مهم بشكلٍ خاص بالنسبة للأسكيمو الذين هم صيادين في الأساس.
قامت البيئة القاسية وصراع الناس المُستمر للبقاء والتهديد المُستمر بالمجاعة عندما يكون الصيد غير موفقاً، بتحديد صفات التوجه الديني للأسكيمو. ان طقوس الصيد لها أهمية أساسية للناس. يُعلق الأسكيمو أملاً كبيرةً على مُعتقداتهم وطقوسهم لانهم لا يستطيعون أن يشعروا بالأمان بشأن المُستقبل ونجاح الصيد، لانهم دائماً ما يكونون عُرضةً للجوع ويشعرون بالعجز في مواجهة الطبيعة.
يمتلئ عالم الأسكيمو بالعديد من الأرواح التي تسكن الهواء والرياح والماء والأرض. يعتمد نجاح النشاط الاقتصادي على هذه الأرواح التي ترتبط بالشامان وكأنها مُمتلكاتهم الشخصية. اذا اراد الرجل أن يُصبح شاماناً فعليه أن يجمع مُساعدين روحيين. نظراً لانه لا يوجد روح غير مرتبطة باحد الشامانات، فانه من الضروري أن يموت أحدهم ليورث أرواحه الى شامانٍ جديد. هناك طريقة أُخرى ليكتسب المرء روحاً، هي شراء واحدة.
الى جانب تلك الأرواح التي يحتاجها الشامان لعلاج الأمراض، هناك أرواح مسؤولة عن الطبيعة. يؤمن جميع الأسكيمو تقريباً بسيد البحر، الروح الأعظم. ان موضوع العبادة بين الأسكيمو الكنديين امرأة، الهة البحر، يُشار اليها على جزيرة بافين Baffin باسم سيدنا Sedna وتعيش في قعر البحر. تقوم سيدنا بارسال طرائد البحر للناس نعمةً منها.
وهكذا ملأت الشامانية وطقوس الصيد عند الأسكيمو، الطبيعة كلها، بالعديد من الأرواح. لم يمنع تطور الروحانية الأسكيمو من أن يكون لديهم فئة أُخرى من الأفكار الدينية- الايمان بالسلطة غير المُشخصة. هذه هي الفكرة غير المُشخصة Nonpersonified للقوى الخارقة للطبيعة التي تحكم الطبيعة وتُحدد نجاح الحياة الشخصية. يُسمى هذا المفهوم بالارواحية Animatism (من الكلمة اللاتينية "Animatus"). على سبيل المثال، فان أرواح الأسلاف، وفقاً للأسكيمو، تنتقل بعد الموت الى أجساد أبناءها، عادةً ما يكون الحفيد. لذلك يؤمن الأسكيمو أن في كل طفل روح جده أو جدته أو قريب آخر راحل. الشامان فقط هو القادر على تحديد روح من بالضبط، تسكن جسد الطفل. الأسكيمو لا يعاقبون أبناءهم ولا يوبخونهم حتى على أسوأ التصرفات، لان بداخلهم روح جدهم أو سلفٍ آخر يجب تكريمه. لكن روح الجد تبقى داخل الطفل فقط حتى تقوى روحه، ثم تتركه. لكن الأسكيمو لا يعرفون أين تذهب الروح بعد ذلك.
لا تختلف أشكال المدافن عند الأسكيمو كثيراً. يوضع مُعظم الناس في الأرض في صناديق خشبية خاصة.
يستشهد نود راسموسين Knud Rasmussen في كتابه بمحادثةٍ له مع شامان أسكيمو. عندما سأل راسموسين الشامان من أين أتت عاداتهم ولماذا يجب مُراعاتها، قال الشامان: "عندما نسألك لما الحياة على ما هي عليه، فهل يُمكنك أن تُفسر ذلك؟ هذا ما يجب أن تكون عليه الأمور. كل عاداتنا تنبع من الحياة وتسير معها، نحن لا نُفسر شيئاً، ولا نفكر بأي شيء. ولكن ما أظهرته لك (عن سوء حظنا في الصيد والمجاعة والكوارث الأُخرى) يحتوى على كل اجاباتنا: نحن خائفون!". "نحن نخشى سوء الأحوال الجوية الذي يجب أن نحاربه لاننا نُجبر الطعام على الخروج من الأرض والبحر. نخاف من الحاجة والجوع في أكواخٍ مغطاةٍ بالثلوج الباردة ونخاف من الأمرض التي نراها حولنا يومياً. لسنا خائفين من الموت، بل من المُعاناة. نخاف من الموتى وأرواح الحيوانات التي نقتلها من أجل الطعام. نحن نخاف من أرواح الأرض والهواء... لذلك نتمسك بعاداتنا ونُراعي المُحرمات"(1).
ان احدى سمات نفسية الأسكيمو الدينية هي الشعور بالخوف، والاعتماد على قوى خارقة للطبيعة والرغبة في استرضاءها. ان العالم الخارق للطبيعة يُحيط بالناس من جميع الجهات. حتى أكثر الأشياء شيوعاً: الحيوانات، أدوات العمل والانسان نفسه، كلها تخضع لفعل القوى الخارقة للطبيعة.
لكن في مُعتقدات الأسكيمو، العالم الطبيعي والعالم الخارق للطبيعة مرتبطانٍ بشكلٍ لا ينفصم وهما يجاوران بعضهما البعض. الانسان مُحاط من جميع الجهات بقوىً غامضة. يجب على المرء الذي يريد أن يُخالف المُحرمات أن يتوقع العقوبة في الحياة الحاضرة، وليس في الحياة الأخرى. لا يهتم الأسكيمو حقاً بالحياة بعد الموت. يرتبط الدين بحياتهم اليومية، انه يؤثر على كل ما يفعلونه.
مجموعة اثنية اُخرى معزولة الى حدٍ ما، وهي من بين أكثر المجموعات بدائيةً في أمريكا الشمالية، هم هنود كاليفورنيا. لم يكن لدى الكاليفورنيين أرض. كانوا بشكلٍ رئيسي جامعين للنباتات (خاصةً الجوز) ويعتمدون على الصيد البري وصيد الأسماك. عاش مُعظمهم اسلوب حياةٍ شبه متنقل. صار الكاليفورنيين، ابتداءاً من منتصف القرن التاسع عشر ضحايا نهب الاستعمار الغربي. تم القضاء على مُعظمهم، ونسي من تبقى منهم اسلوب حياتهم ومعتقداتهم القديمة.
مارس هنود كاليفورنيا، الشامانية. كانت الوظيفة الأساسية للشامان هي المداواة. كانوا يعتقدون أن المرض ناتج عن بعض الأشياء المادية التي تدخل الجُسم ويُشار اليها بالانجليزية "Pain" الألم. الطريقة الوحيدة التي يُمكن بها علاج المرض هو شفط أو سحب هذا "الألم" من الجسم. وفقاً لهنود كاليفورنيا، يُمكن لهذا "الألم" نفسه أن يجعل الشخص شاماناً اذا كان قادراً على التغلب عليه واخضاعه. وبالتالي، لم يكن لدى الناس بعد فكرةً ارواحيةً بحتة حول الأرواح كمُسببةٍ للمرض، أو ارواح يكون الشامان وصياً عليها كما هو نموذجي للشامانية في شكلها المُتطور. كانت الشامانية عند الهنود الكاليفورنيين في أولى مراحل تطورها. لم تتقدم أبعد من الرجل المُداوي بنظريتها عن المرض وطُرق التعامل مع أسبابه الجسدية.
كانت طقوس القبول العُمري شكلاً آخر من أشكال الدين بين هنود كاليفورنيا. هذا النظام كان مُختلفاً بين سكان كل مجموعة قَبَلية.
كان لبعض القبائل طقوس عبادة الكوكسو Kuksu (الرأس الكبير). انه شخصية اسطورية يُمثلها أشخاص يرتدون أقنعة في الاحتفالات. تم تعيين وقت الطقوس في الشتاء وتُقام في كوخ دائري كبير خاص. جميع من يشاركون هذه الطقوس هم من الرجال وفقط اولئك الذين تم قبولهم عُمرياً، وبهذا تكون هذه الطقوس مثل المرحلة الثانية من طقوس القبول. يُمكن أن يُطلق عليه شكلاً مُبكراً لمُجتمع الذكور.
كان هناك نظام قبولٍ آخر في جنوب كالفورنيا. كان أساس الحفل كله هو شُرب سائلٍ مصنوعٍ من عُشبٍ محلي. كان لكل شخص الحق في شربه مرةً واحدةً فقط في حياته. عندما يشرب الشخص بما فيه الكفاية ويُصبح في حالةٍ من السكر ويفقد الوعي، تصير لديه رؤيا تُصبح فيما بعد هدفاً للعبادة الدينية لبقية حياته، بعد هذا، يكون على الشاب أن يتبع صياماً صارماً لمدة ثلاثين يوماً ويتعرض لمِحَنٍ جسدية كثيرة، مثل عددٍ من طقوس المرور Passage الاسترالية.
لم تكن أساطير هنود كاليفورنيا مُتقدمةً. لكن يوجد لدى هذه القبائل أساطيراً حول الخلق وأبطال الثقافة. هناك شخصيات كثيرة عندهم، منها ذات سمات انسانية، ومنها ذات صفات حيوانية، تُمثّل خالق العالم، أو أبطالاً اسطوريين.
كان لدى هنود كاليفورنيا شكلين من المدافن: الحرق، والدفن تحت الأرض.

2- الدين عند الغالبية العُظمى من الهنود
وصل مُعظم هنود أمريكا الشمالية- قبائل السهول الشرقية وقبائل الغابات الكندية، الخ- الى مستوىً مُرتفعٍ نسبياً من التطور الثقافي بحلول عصر الاستعمار الحديث. كانت، خصوصاً في المناطق الشرقية، شعوباً تعمل في مزيجٍ من الزراعة والصيد، وكان مُعظمهم مُستقراً وصنعوا الفُخّار. كان النظام الأمومي سائداً بين مُعظمهم، ولكن كان الانتقال جارياً الى النظام الأبوي في بعض الأماكن وبين قبائل السهول والمجموعات الاقليمية المُتنقلة.
فقدت العديد من القبائل الهندية ثقافتها المُميزة تماماً. بقيت مجموعات صغيرة فقط من القبائل الفعلية بعد أربعة قرون من الاستعمار. تم اجبار العديد من القبائل على ترك اراضيها وتم نقلهم الى ما سُمّي بالمحميات Reservations. ومع ذلك، في بعض المناطق، بتذكر كبار السن المُعتقدات السابقة.
كان النظام الأمومي أساس البُنية الاجتماعية للعديد من شعوب أمريكا الشمالية، وانعكس ذلك في الدين. حافظ الكهنة على الايمان وكانوا مُجرد مُمثلين للعشائر. اختارت كل عشيرة عدداً معيناً من الكهنة الذيم كانوا يُشكلون مجموعةً من زعماء الطقوس القَبَلية. صرنا نعلم، على أساس الأبحاث اللاحقة، أن قبائل أمريكا الشمالية لديها بعض أشكال العبادة العشائرية. كان الناس يؤمنون بوراثية الأرواح الراعية (من خلال العشيرة) والتي كانت لديها أحياناً خصائص طوطمية. وجد الباحثون أضرحةً عشائرية على شكل أشياءٍ مادية- فيتيشات: حفنة من الريش، غليونات تبغ، أكياس تحتوي على تمائم الحظ، الخ. لم يكن لدى الهنود الأمريكيين-باستثناءاتٍ قليلة- عبادات أسلاف اناث أو ذكور. لذلك كانت آثار الطوطمية، التي بقيت موجودةً عند العديد من القبائل الأمريكية، مُرتبطةً بعناصر العبادة العشائرية. تم التعبير عنها في مختلف الرُموز التي كانت تُرسم على أسلحتهم، وشعارات العائلة الطوطمية على الملابس والمنازل. لم تكن الطوطمية، في الأمريكيتين، موجودةً في شكلها الكلاسيكي: كانت سمةً من سمات مرحلة أبكر من التطور. استمرت بعض القبائل الأمريكية فقط في عبادة الحيوانات المُرتبطة بعشيرة مُعينة، وفقط كشكلٍ ثانويٍ من الدين. تُعرَف الطوطمية بهذا الشكل بين الشعوب في شرق وجنوب شرق آسيا وعدد من القبائل حول خليج المكسيك. كانت الطوطمية شبه معدومة في الغرب. فقط القبائل الواقعة على الساحل الشمالي الغربي لديها نظام طوطمي ومحفوظ جيداً.
ومع ذلك، في أمريكا الجنوبية، كان الايمان بطقوس التحولات مُنتشراً، ويمكن اعتباره كبقايا للطوطمية، ولكن لم يعد له أية صلة بالمُجتمع العشائري. اعتقدوا أن الشامان يُمكن ان يتحول الى نمرٍ مُرقط Jaguar أو أسد الجبل Puma أو حيوانات أُخرى، وتُصبح روح الشامان بعد الموت واحدةً من هذه الحيوانات.
تتجلى بقايا الطوطمية بين قبائل أمريكا الشمالية في الأساطير حول أبطال الثقافة في شكل حيوانات. كانت الأرانب، عند بعض القبائل في شرق وجنوب شرق أمريكا الشمالية، أبطالاً للثقافة، وحتى في بعض الأحيان كان هنالك أساطير عن خالقٍ للكون. كان القيّوط، عند قبائل جبال الروكي والسهول الوسطى، بطلاً للثقافة.، والقبائل على الشمالي الغربي اعتبرت الغربان كذلك. في جميع الحالات، كان بطل الثقافة على ما يبدو طوطم قرائبي قديم. هذا صحيح بلا شك بالنسبة للغراب، لانه كان أحد طواطم القرابة للقبائل الشمالية الغربية.
لم يكن أبطال الثقافة حيوانات، عند بعض الشعوب، بل مخلوقاتٍ ذات سمات انسانية، على سبيل المثال، توأم ذكور. هذان التوأمان موجودان في أساطير الايروكوا التي تصف الصراع بين توأم-شخص طيب خلق البشر وكل شيء خير، وشخص شرير كان مسؤولاً عن كل شيء يُضر بالناس (الوحوش، الثعابين، آخر الربيع وصقيع أول الخريف، وصقيع الشتاء المرير). هذا نموذج كلاسيكي من اسطورة التوائم المُنتشرة بين شعوب أجزاء أُخرى من العالم.
كانت العبادة القَبَلية هي العبادة المُهيمنة بين الهنود الأمريكيين، وليس العبادة العشائرية. أخذت العبادة العشائرية شكلاً أوسع، وتطورت الى عبادة قَبَلية. وهكذا، كانت القبيلة عند هنود أمريكا الشمالية هي الأساس الرئيسي للأنشطة الدينية.
تكونت العبادة القَبَلية بشكلٍ أساسي من عبادة قوى الطبيعة والعناصر. كانت العديد من القبائل، خاصةً تلك الموجودة في السهول، تعبد الشمس. كانت الاحتفالات السنوية الرئيسية لمجموعات سيوكس Sioux الهندية، التي كانت تُقام في منتصف الصيف، مُخصصةً للشمس، وكانت تُسمى احتفال رقصة الشمس. تتم دعوة الضيوف من القبائل المُجاورة الى الاحتفالات التي تستمر بضعة أيام. يتم ترتيب الخيام في دائرة ضخمة ويقع في مركزها كوخ طُقسي خاص يتوسطه عمود كبير. كان جزءاً من تلك الطقوس هو الفعل القاسي المُتمثل في أن يُعلق المرء نفسه على العمود المركزي بواسطة أحزمة مُعلقة بالجلد والعضلات. كان مهرجان رقصة الشمس مُهماً للغاية في حياة قبائل الهنود الاجتماعية. يتم تسجيل الأخبار لهذا الاحتفال: يقوم الهنود بتسجيل أحداث احتفال كل سنة (شفهياً او برسم رموز على جلود الجاموس) وفقاً لشيء ما مُميز حدث فيه، أو حدث غريب او جديد تزامن معه، ويعتبرونه (أي الحدث المُتزامن أو المُميز) علامةً لتلك السنة بالذات. يتم الاحتفاظ ببعض الأشياء المُقدسة المُرتبطة بهذه الطقوس وتُحفظ في أماكن خاصة وتُستخدم خلال الاحتفالات. كان القمر والرياح والعالم السُفلي وما الى ذلك موضوعاتٍ أُخرى للعبادة، ولم يكن هناك وجود لأنسنة متطورة لهذه الأشياء. كانت قوة الطبيعة نفسها تُعبد، وليس سيدها او الهها، على الرغم من أن بعض القبائل لديهم بعض المفاهيم الارواحية حول قوى الطبيعة هذه.
تضمنت عبادة الطبيعة 4 عناصر: الأرض والنار والمار والرياح كل منها يتم أنسنتها. كان هنود السهول هم الأكثر تميزاً. ارتبط كل عنصر من هذه العناصر الأربعة بمنطقة معينة في العالم وزهرة مُعينة: على سبيل المثال ارتبط تونكان Tunkan اله الحجر بالشمال واللون الأزرق، واكينيان Wakinyan اله الرعد ارتبط بالشرق واللون الأحمر، اما تاكوسكانسكان Takuskanskan اله الحركة فقد ارتبط بالجنوب واللون الأسود، اونكتيهي Unktehi اله الماء بالغرب واللون الأصفر.
تُشكل الاتجاهات الأربعة اذا رُسِمَت على الأرض تقاطعاً (صليباً). لهذا كان للتقاطع أهميةً رمزيةً مُهمةً في الطقوس الهندية حيث ارتبطت رؤوسه الأربعة بالعناصر الأربعة. كان الرقم 4 عند مُعظم الهنود مُقدساً: عبادة العناصر الأربعة، والمناطق الأربعة، وما الى ذلك. اتخذت المفاهيم حول العالم الخارق للطبيعة شكل الايمان بنوعٍ من القوة المجهولة التي تملأ الطبيعة وتُساعد الناس على الفعل. يعتقد الهنود أن حظ الفرد السعيد ونجاحه في الصيد والحرب يعتمد على مدى تملّكه لهذه القوى الغامضة. كانت الرقصات الدينية هي أكثر ما يُميز أشكال العبادة الواضحة. كان لكل قبيلة رقصاتها الخاصة، وكانت دائماً ما تحوز على أهمية دينية أو طُقسية. بالاضافة الى الرقصات في الطقوس الدينية، استخدم الهنود الأدوية. على سبيل المثال، كان تدخين التبغ عمل طُقسي أصيل، وكان التبغ نفسه موضوعاً للعبادة.
لم يكن لدى أي من الهنود في أمريكا الشمالية والجنوبية أُضحيات حقيقية بالمعنى الدقيق للكلمة. وبدلاً من ذلك، مارسوا تعذيب الذات على نطاقٍ واسع، وهو فعل كان يُنظر اليه على أنه تضحية للاله. كان التعذيب الذاتي الأكثر قسوةً في بعض الأحيان جزءاً من طقوس استرضاء الأرواح. والأكثر نُدرةً كانت الحالات التي كان هنود أمريكا الشمالية يُضحون فيها للعناصر والظواهر الطبيعية (الشمس والرياح والنجوم وما الى ذلك) ليس فقط بممتلكاتهم، ولكن بأُناسٍ آخرين أيضاً.
كانت التضحية البشرية مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بالطقوس الزراعية، حيث كانت تهدف الى تعزيز الخصوبة. تم تناقل وصف لامرأة قُتِلَت على يد قبيلة أمريكية شمالية، حيث تم تقطيع جسدها الى أشلاء نُشِرَت في الحقول وغُمِرَت في الأرض وتم رش دمها في منطقة البِذار. اعتقد الهنود انه يمكن ضمان حصادٍ جيد من خلال التضحية بالدم البشري. كان لدى قبيلة اُخرى في أمريكا الشمالية عبادة امرأة تعيش على القمر. كان من المُفترض أنها هي راعية الزراعة وخاصةً الذرة. كان الهنود يقيمون طقوساً دينية من أجل تشريفها عندما كانوا يزرعون الذرة. اجتمعت نساء القرية المُسنات ولَعِبن دور هذه المرأة الاسطورية. كان عدد كبير من الطقوس الدينية مُرتبطة بالصيد كذلك.
بالاضافة الى الطقوس ذات التوجه الاقتصادي، كان للهنود الأمريكيين طقوس مُهمة تتعلق بالحرب. كان لبعض القبائل كهنةً أو سحرة خاصون ويفقهون طقوس الحرب. كان على كل شاب، من أجل أن يُصبح مُحارباً أن يتم قبوله في القبيلة ويحصل على سلاحه من شخصٍ يمتلك قوةً سحريةً لجعل السلاح أقوى. أكثر الطقوس والعادات الحربية شُهرةً هو نزع فروة الرأس. كانت هذه العادة تُمارس في الأصل من قِبَلِ عددٍ قليلٍ من القبائل. انتشرت في جميع أنحاء قارة أمريكا الشمالية نتيجةً للاستعمار الأوروبي. قام الأوروبيون بتأليب القبائل ضد بعضها البعض وكطريقة لتشجيع الحروب بينها دفعوا مكافآت فروة الروس. كان سلح فروة الرأس في السابق مُرتبطاً بالمعتقدات الدينية: يُحاول المُحارب أن يسلخ فروة رأس عدوٍ ميت من أجل امتلاك روحه مُجبراً اياها على خدمة روحه الخاصة في الحياة الأُخرى، او حرمان روح عدوه من أن تذهب بسلام مُجبراً اياها على أن تهيم في الأرض.
جميع أشكال الطقوس والمُعتقدات المذكورة أعلاه مُتعلقة بالقبيلة بأكملها. ومع ذلك، كان اضفاء الطابع الفردي على المُعتقدات الدينية نموذجياً ايضاً لهنود أمريكا الشمالية. كان لكل فرد من أفراد القبيلة علاقته الشخصية الخاصة بالعالم الخارق للطبيعة. كان لكلٍ منهم روحه الحارسة التي يراها في الرؤى أثناء طقوس القبول. ولتحقيق الرؤية، يصوم الشاب فترةً طويلة ويبقى وحيداً، يتعرق في حمام بُخار ويتعاطى العقاقير. وعند اصابته بالدوار، أثناء النوم أو في وسط هذا المعمعان، يُمكن أن يعتقد فجأةً أن حيواناً أو اي شيء آخر كان يتخيله هو في الواقع الرؤيا المنشودة التي يبحث عنها، وبذلك صار ما رآه روحاً راعيةً له لبقية حياته.
كان الهنود يؤمنون بشدة بأهمية الأحلام. أشارت احدى الكتابات التبشيرية عن الهنود، في وقتٍ مُبكرٍ من القرن السابع عشر، الى أن الأحلام كانت بالنسبة لهم قوانين وقراراتٍ لا جدال فيها، وأن انتهاكها يُعتبر جريمة. لقد اعتبروا الحلم بمثابة وَحيٍ راعوا مُتطلباته، وكنبيٍ ومُتنبئٍ بأحداث المُستقبل.
تربط مُعظم قبائل الهنود في أمريكا الشمالية الشامانية بصفات الحيوانات الخارقة للطبيعة. كان لدُب الشامان، روحاً راعية على شكل دب. كانت الدببة، وخاصةً الدببة الرمادية، المصدر الأكثر شيوعاً لقوة الشامان، لذلك ارتدى العديد من الشامانات جلود الدب كملابس لهم.
كانت الوظيفة الرئيسية للشامان في كل مكان هي علاج المرضى. عمل بعض الشامانات بمفردهم، وعمل آخرون في مجموعات. يُدير أعضاء المجموعة الاحتفالات ويوجهونها بشكلٍ مُشترك. يكون مؤسس المجموعة الشامانية، مينابوجو Minabozho (الأرنب العظيم) كبطل ثقافي وربما حتى خالق للعالم.
كانت (المُجتمعات السرية) Secret Societies في أمريكا الشمالية مُنتشرةً على نطاقٍ واسع واتخذت أشكالاً مُختلفة. كانت في بعض القبائل مُجرد تجمعاتٍ للشامانات. وفي قبائل أُخرى كانت هذه المجموعات تتألف من رجال من نفس العُمر. ان حقيقة أن هذه المُجتمعات الذكرية تشكلت على أساس العُمر، يعني أن لها أصولاً في طقوس القبول القديمة. ربما كان هذا النوع من المجموعات، هو النوع الذكري الأكثر بدائيةً في أمريكا. في حالاتٍ أُخرى، يتم دمج مبدأ العُمر بعوامل أُخرى، وفيها يكون الأشخاص الوحيدون المقبولون في المُجتمعات هم رؤساء المُحاربين الذين تميزوا بشكلٍ خاص. كانت المُجتمعات السرية بين القبائل في السهول والمناطق الأخرى مُكونةً من أشخاص لديهم نفس الرؤى، وبالتالي كانو مُرتبطين بشدة بعبادة الأرواح الشخصية الراعية: على سبيل المثال، كان اولئك الذين كان لديهم رؤىً عن دب ينضمون الى مُجتمعٍ واحد، واولئك الذي رأوا القندس كانوا في مُجتمعٍ آخر.
ارتبطت مُمارسة المداواة الشامانية ارتباطاً وثيقاً بالطب الشعبي. ومع ذلك، اكتسبت بعض أنواع العلاج التي كانت عقلانيةً في أصلها، أهميةً طُقسية. كانت الطريقة الرئيسية هي طُقُس التطهير Purification- السحر التطهيري Cathartic Magic. كان أي مرض، وأي مصيبة، وكذلك بداية أي عملٍ مهم يتطلب تطهيراً. كان لهذا التطهير أهميةً طُقُسية، على الرغم من أن أساسه كان فعلاً عقلانياً. تم استخدام ثلاث وسائل رئيسية من طقوس التطهير في الأمريكيتين. أما حمام البُخار فهو الوسيلة الوحيدة تقريباً للتطهير بين القبائل في كندا والولايات المتحدة. لعب سفك الدماء نفس الدور بين القبائل في أمريكا الوسطى والمكسيك ويوكوتان وفي الجنوب حتى البيرو. كان للتقيء أهميةً طُقُسيةً بين قبائل أمريكا الجنوبية وُجزر الهند الغربية وخليج المكسيك.
كانت المدافن في الأمريكيتين متنوعة تماماً: الدفن في الأرض، وفي المواقع المُرتفعة، التحنيط، حرق الجُثث، الخ، وكانت جميعها مُرتبطةً بمفاهيم متنوعةٍ عن الحياة الأُخرى. في بعض الأماكن (على سبيل المثال على الساحل الشمالي الغربي) آمن الهنود بتقمص الأرواح. كان الاعتقاد السائد، أن الناس في حياتهم الأُخرى سيستمرون في عيش نفس نوع الحياة التي عاشوها قبل الموت. اذا كان الشخص صياداً جيداً، فسيكون بعد الموت سعيداً ليواصل الصيد في الحياة الأُخرى. على الفرد الذي لم يتبع العادات القَبلية أو ان كان جباناً أو صياداً سيئاً أو فقد فروة رأسه أو مات ميتةً مُخزية أن يتوقع حياةً سيئةً في العالم الآخر.
كان لدى الهنود في أمريكا الشمالية مُعتقدات دينية لم تكن موجهة الى المُستقبل، بل الى حياتهم الحالية. كان الهدف الأول لممارسة العبادة هو ضمان النجاح الآن وفي اللحظة.
كانت المُعتقدات الدينية لقبائل الساحل الشمالي الغربي للولايات المُتحدة غير عادية الى حدٍ ما. كان لهذه القبائل اقتصادات وثقافات متشابهة تعتمد على تقنيات الصيد المتطورة واسلوب حياة مُتسقر. يوجد في البنية الاجتماعية لهذه القبائل، سماتٍ قديمة بعمق (الانقسام الى عشيرتين قرابيتين من جهة الأم، الخ) مصحوبةً بأشكال اجتماعية متطورة (العبودية، المنزلة الاجتماعية بين الرؤساء الأحرار والأشراف والعوام. وقد طورت هذه القبائل التبادل، وعدم مساواة مادية كبيرة). كما انعكس هذا النظام الاجتماعي المُتناقض في الدين. كانت بقايا الطوطمية عند هذه القبائل أكبر من أي مكانٍ آخر في الأمريكيتين بسبب حفاظهم على الأمومية القديمة. كان هناك مجموعتين قرابيتين لديها رموز طوطمية: الغُراب والذئب (أو الغراب والنسر)، وكانت هناك العديد من الأساطير مُرتبطةً بهذه الطيور، وخاصةً الغراب. كان الغراب العظيم هو خالق العالم وبطل الثقافة. كان لدى الهنود أساطير حول قتال الغراب ضد الذئب (رمز الشر). انقسمت المجموعات القرابية الى عشائر طوطمية. كان الدليل الواضح على الطوطمية هو الحكايات الأسطورية عن النساء اللائي يَعشن مع الحيوانات. كان لكل عشيرة شعارها الحربي الذي كان يُرسم على المُمتلكات الشخصية والمنازل والمقابر، كما رُسِمت بالوشم على الجسم. كان من المُثير للاهتمام بشكلٍ خاص الأعمدة الخشبية الطوطمية الطويلة التي يبلغ ارتفاعها 20 متراً أمام المنازل أو في المقابر. كان هذا العمود من أعلاه الى أسفله مُغطىً بأشكالٍ منحوتة بشكلٍ منمقٍ للغاية لأشخاص وحيوانات: انهم أسلاف العشيرة ويقع في الأعلى صورة أو شكل لعضو العشيرة الأول وشعارها.
تطورت وراثة الشامانية في شمال غرب الولايات المتحدة بشكلٍ كبير. كانت مُرتبطةً بالايمان بالروح الراعية. هذه الأرواح كانت مُساعدةً للشامان. وآمنوا أيضاً بالأرواح الشريرة التي كانت تُسبب الأمراض. لعبت ثغالب الماء Otters دوراً خاصاً في معتقدات الشامان. كان على الشاماني المُستقبلي أن يقتل ثعالب الماء ويحتفظ بألسنتها كضريحٍ خاص. كان لثعلب الماء مكانةً بارزةً في الأساطير. كان من المُحرّم على الصيادين العاديين أن يقتلوا هذا الحيوان.
توجد العديد من التابوهات الأُخرى بين الهنود الشماليين الغربيين، وهي مُحرمات تتعلق بالأرواح الراعية للحِرَف والأشغال المُختلفة. ومع ذلك، فقد تطورت عبادة الأرواح الراعية بدرجة أقل بكثير مما كانت عليه القبائل الأُخرى في الأمريكيتين. يوجد في المُجتمعات السرية للهنود على الساحل الشمالي الغربي آثار لانقسامات طبقية وعشائرية. كان لكل مُجتمع روحه الراعية، غالباً على شكل حيوان. تمتع أعضاء المُجتمعات السرية، خاصةً الأشراف والرؤساء بامتيازاتٍ مُعينة أكثر من اولئك الذين لم يجتازوا مرحلة القبول. على سبيل الاستنتاج، كانت مُعظم القبائل الهندية تؤمن بقوةٍ خارقة للطبيعة مُصاحبة لكل شخص، ولكنها مُختلفة تماماً عن العالم المادي. كان الدافع الرئيسي للأنشطة الدينية هو الرغبة في استرضاء واسترحام القوى الخارقة للطبيعة، وكان يتم ذلك من خلال الصلوات والصوم والتعذيب الذاتي الذي كان يهدف الى استجلاب شفقتها وتعاطفها.
كان الطابع العام للدين بين شعوب الأمريكيتين ديمقراطياً الى حدٍ كبير. كان هذا بسبب نمط الحياة القَبَلية. لم يكن الدين يُقدس ويُبرر الامتيازات الاجتماعية للمجموعات الفردي بعد. لكن الدين تأثر فعلاً بحقيقة أن النظام العشائري بدأ بالانحلال. ومن هنا تنعكس الفردية الدينية في عبادة الأرواح المُتعلقة بالأشخاص. يكتسب الشخص روحاً راعية له على أساس فردي وطوعي، وان كان في اطار العبادة القَبَلية، ومن هنا يأتي البحث عن الرؤيا (شكل بدائي من التصوف) والايمان الأعمى بالأحلام. ارتبطت الشامانية ونظام الجماعات السرية، الى حدٍ ما، بعبادة الأرواح الشخصية الراعية.
كانت أنسنة القوى الخارقة للطبيعة غير متطورة نسبياً في نظام مُعتقدات الهنود، وكانت الأفكار حول القوى غير المُشخصة سائدة. لم يؤنسن الهنود الأرواح والآلهة أبداً، لذلك لم يصور الناس الآلهة والأرواح في شكل رسوم. كما لم تكن هناك أية معابد أو مزارات رسمية ودائمة. تم استخدام الأكواخ والخِيَم المؤقتة للعبادة بشكلٍ دوري لأداء الاحتفالات. لم يكن هناك كهنوت مُحدد، فقد لعب الشامان والسَحَرة (المداوون) هذا الدور، وتولى الناس هذا الدور طواعيةً. لم تكن هناك عبادة رئيسية (على عكس الديانات التي مارستها شعوب اوقيانوسيا وافريقيا)، كان هذا أيضاً بسبب الطبيعة الديمقراطية الخاصة لنمط الحياة الهندي. تمتع الزعماء بامتيازاتٍ طُقُسية فقط بين قبائل منطقة الساحل الشمالي الغربي. كان السحر الحربي سائداً، ولم يعد السحر الأسود مهماً كما كان في المرحلة التاريخية السابقة.
لم تكن عبادة الأسلاف، في اطار العبادة العشائرية، موجودة. ولم تكن فكرة الجحيم والجنة موجودةً بعد، فقد كان يُنظر الى الحياة بعد الموت على انها استمرار لحياة المرء على الأرض.
كانت القبائل الهندية الأكثر تقدماً هم هنود بويبلو Pueblo الذين يقطنون الآن جنوب غرب الولايات المتحدة-أريزونا ونيومكسيكو. كانوا يعيشون (ولا يزالون) في مدن مُتراصة في منازل مصنوعة من طوب طيني مُجفف. استندت زراعتهم على نظام ري جيد التنظيم. كانت لديهم حِرَف متطورة-النسيج، الخزف الفخاري المُزخرف، الخ. عاش الناس في مجتمعات عشائرية مُتراصة انتقلت فيها من الأمومية الى الى العلاقات الأبوية تدريجياً. كانت مُجتمعات الذكور السرية تُسهل عملية التحول هذه. كانت المُجتمعات السرية نموذجيةً لهنود بويبلو، كما كانت بالفعل بالنسبة للقبائل الأُخرى في أمريكا الشمالية. لكن من بينهم كان هناك مجموعات تعتمد على التنظيم العشائري. فقط الأشخاص من عشيرة معينة كانوا مؤهلين للانضمام الى المُجتمع السري. على سبيل المثال يمكن فقط للأشخاص في عشيرة الظباء الانضمام الى مُجتمع الظباء، وكذلك الأمر بالنسبة للثعابين. لعب الثُعبان دوراً مهماً في أساطير وطقوس قبائل بويبلو.
كان لدى هنود بايبلو، على عكس الشعوب الأُخرى في الأمريكيتين، بسبب مُجتمعهم الأكثر تطوراً، عبادة أسلاف، نموذجية الى حدٍ ما. كانت أرواح الموتى راعيةً للعشائر والناس ككل. كان أهم عنصر في الطقوس بين هنود بويبلو، كما هو الحال عن الشعوب الأخرى، الرقص أثناء وضع الأقنعة، والهدف الرئيسي من الطقوس هو ضمان حصادٍ جيد وجلب المطر وعلاج الأمراض.
أثارت وحشية المُستعمرين الأمريكيين، الذين طردوا الهنود من أرضهم وارتكبوا أعمال عنف ضدهم، أثارت مقاومة قبائل عديدة، وان لم تكن مُنسقة. اتخذت هذه المحاولات خلال القرن التاسع عشر، أشكالاً كثيرة، منها حركات اصلاح دينية مُثيرةً للاهتمام. أراد الناس في هذه الحركات احياء الطقوس الهندية القديمة باضافة بعض الأفكار المُستعارة من المسيحية والديانات الأُخرى. كان محور هذه المعتقدات أن المسيح سيأتي ليخلص القبائل الهندية من النير الأجنبي. صار عدد من الهنود، في كثيرٍ من الأحيان، يؤمنون ايضاً بالقيامة، التي تم تبنيها من المسيحية.
وُجِدت أوسع هذه الحركات الدينية الهندية بين عامي 1889-1892 وكان زعيمها ووفوكا Wovoka وهو واعظ بين هنود كاليفورنيا. لقد كانت أكبر بكثير من أي حركةٍ سابقةٍ من نوعها.
عانى الكاليفورنيين، في بداية منتصف القرن التاسع عشر خلال حمى الذهب، الكثير، بسبب المُستَعمِرين. تم ارتكاب أعمال عنف مروعة ضد هنود كاليفورنيا، وكان الرد على ذلك هو الحركة المسيحية التي انتشرت في أعوام 1869-1873 بين عددٍ كبيرٍ من هنود كاليفورنيا الشمالية. لقد كانت محكومةً بالفشل، وتم سحقها بوحشية.
بدأ ووفوكا بالوعظ في ثمانينيات القرن التاسع عشر. تبنت عدة قبائل الحركة التي بدأها وانتشرت في جميع المحميات الهندية تقريباً في الولايات المتحدة. تختلف عقيدة ووفوكا عن تعاليم الأنباء السابقين له من نفس النوع. كانت فكرته المركزية هي تحرير جميع الهنود من مضطهديهم الأجانب. استعاروا من المسيحية تعاليم القيامة. أطلق ووفوكا على نفسه اسم المسيح، وكان يُعبَد على أنه كذلك. ظاهرياً، كانت هذه العبادة تحريفاً لأشكال قديمة من الطقوس الهندية. كان الشكل الرئيسي للعبادة هو الرقص، وسُمي هذا الدين في الواقع: رقصة الشبح. اجتمع الهنود معاً وأقاموا رقصات ذات طابع مُماثل لتلك الخاصة بالشامان.
كانت هذه المُحاولة لبناء حركة احياء ديني بطابعٍ سياسيٍ ميؤوسٌ منها. لكنها مُثيرة للاهتمام كظاهرة نموذجية ليس فقط في الأمريكيتين. اتخذ الاحتجاج العفوي ضد الاضطهاد الاستعماري في مراحله الأولى شكل حركة احياء ديني. ظهرت حركات مُماثلة لها، في القرن التاسع عشر، في بولينيزيا وافريقيا، وفي العصر الحديث في ميلانيزيا.

1- Knud Rasmussen, Den Store Slaederejse, Nordisk Verlag, Copenhagen, 1954, p. 55

ترجمة للفصل الخامس من كتاب:
History of Religion, Sergei Tokarev, Translated From Russian To English by Paula Garb, Progress Publishers, Published 1986, Translated 1989.
Chapter Five: Religion in the Americas








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حفل منظمة بريطانيا للحزب الشيوعي العراقي لذكرى تأسيس الحزب 8


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا




.. لقاءات الاشتراكي: 9: آدم هنية


.. موسى شيخو: لا تمويل دولي لسد النهضة إنما محلي من جيوب الفقرا