الحوار المتمدن - موبايل


جامعة صنعاء والحرية الأكاديمية

قاسم المحبشي
كاتب

(Qasem Abed)

2020 / 8 / 15
التربية والتعليم والبحث العلمي


في زمن الانترنت والتعليم الإلكتروني عن بُعد ؛جامعة صنعاء تصدر قرارا بالفصل بين الطالبات والطلاب في أبحاث مشاريع التخرج الجامعية. قرار يذكر ببدية صعود عهد الإخوان الذين جاهدوا في سبيل الفصل بين التلاميذ والتلميذات في التعليم العام وهكذا تتلاقى الأطراف في أخر المطاف. تلك هي الإستراتيجية الوطنية المنطلقة من التفكير بالاعضاء التناسلية. حينما كنا طلابا لم نكن نفكر ابدا بهذه الطريقة الحيوانية! والله على ما اقول شهيد. ثمة فرق بين ينظر للأطفال والشباب والطلاب بوصفهم حيوانات خطرة وبين من ينظر اليهم/هن/ بوصفهم كائنات عاقلة قابلة للتعليم والتربية والتنمية والتأهيل المعرفي والأخلاقي إنسانيا. وهكذا جاء القرار بعكس التيار وعلى طرف نقيض من معنى الأكاديمية.
يعود مصطلح الأكاديمية إلى الفيلسوف اليوناني أفلاطون (427- 347 ق.م) إذ كان أول من أطلق اسم (اكاديموس) بمعنى المكان الذي كان يلقي فيه محاضراته الفلسفية ويعلم فيه تلاميذه العلوم العقلية المجردة كالرياضيات والفلك والهندسة والتربية والسياسة .الخ، تمييزا له عن أماكن وأنماط التعليم السفسطائي الابتدائي، والأكاديمية تعني بيت التعليم العقلي والحر والتأمل الفلسفي المجرد والمعرفة الرفيعة التي ليس لها من غاية أخرى غير البحث عن الحقيقة. وقد ارتبط نمو العلم وازدهاره بالحرية كمعطى إنساني وحق فطري للكائن الاجتماعي، إذ أن الحرية الشيء الوحيد الذي يستحيل إنكاره، وقد كانت الجامعات منذ نشأتها في القرون الوسطى تمتع بقدر كبير من الحرية والاستغلال الأكاديمي، والحرية هي من التقاليد الراسخة التي ورثتها الجامعات الحديثة المعاصرة ونعني بالاستقلال الأكاديمي حرية الجامعات في اختيار نظامها التعليمي وبرامجها ومناهجها وطرائق التدريس واختيار هيئة التدريس فيها، وعدم وضع قيود على ما تدرسه الجامعة وما يقوله أو ينشره أو يعبر عنه أساتذتها من الأفكار والآراء العلمية وغير العلمية.
ويعني الاستقلالية الأكاديمية للجامعة حيادها الفكري وتجردها وعدم انحيازها.والحرية الأكاديمية هي حصيلة وثمرت الاستقلال المالي والإداري للمؤسسة الجامعية.
وتجدر الإشارة إلى اننا لا نزال نستخدم كلمة (أكاديمي) و(الأكاديمية) بدون أن نمتلك فهماً واضحاً ودقيقاً لمعناها، بل جرت العادة على عدم التفريق بين الأكاديمي والجامعي، أو بين النقابة والمهنة أو بين التعليم العام والتعليم الأكاديمي. في حين أن المفهوم قد تطور وتحور منذ أفلاطون ليكتسب اليوم معنى واضح ومحدد. هو معنى التمييز المهني للمشتغلين في حقل المعرفة والعلم والتفكير المنهجي النظامي ، فالأكاديمي هو الشخص الذي يقوم بنقل المعرفة وإنتاجها بإتباع مناهج وأدوات علمية محددة، بهدف الكشف عن الحقائق وبحث الأشياء والمشكلات بموضوعية وتجرد وحيادية تامة. والأكاديمية هي الصفة التي تطلق على حقل متعدد الأدوار والقيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية،دور الأستاذ الجامعي دور الباحث العلمي، دور المثقف المتخصص، دور المشرف العلمي(أو حارس البوابة)بما تشتمل عليه تلك الأدوار من قيم مهنية أكاديمية وأخلاقية منها:الرصانة والأمانة والاستقامة والعقلانية والموضوعية والتجرد ...الخ.
كانت جامعة باريس في القرنين الثاني عشر والثالث عشر على سبيل المثال،هي التي تضع قواعد وتعليمات تنظم قبول الطلبة وطردهم وقواعد وتعليمات تحدد سلوك أعضاء هيئة التدريس؛حقوقهم وواجباتهم وتحدد المواد التدريسية وتسلسلها، وبكلمة كانت الجامعة مؤسسة للتعليم العالي تحكم نفسها بنفسها ولا تخضع لأي ضغوط أو قوى من خارجها.
إن الحرية الأكاديمية تنبع من مقتضيات الحقيقة العلمية، إذ أن العلم والتفكير العلمي والبحث العلمي لا ينمو ولا يزدهر إلا في فضاء حر ومجال مستقل وبيئة شفافة.
وقد كان الفتح الجديد الذي أوجد حرية البحث العلمي هو من اخطر الثورات الفكرية والاجتماعية في تاريخ البشرية، ولقد أعطى العلم بصفته الشكل النموذجي للبحث الحر، مهمة وضع مجالات الفكر كلها في الوضع الصحيح لذا فإن العلم هو العدو الطبيعي للمصالح القائمة كلها سواء منها الاجتماعية أو السياسية أو الدينية بما فيها مصالح المؤسسة العلمية ذاتها، ذلك أن الحرية ترفض التسليم ببقاء الأشياء على حالها. والشك المنظم الذي تتصف به الطبيعة العلمية أمر دائم الحضور ودائم التشكك بأخر الاقتناعات الفكرية، بما فيها تلك التي طال أمد التسليم بها. وكما يقول توبي أ. هف » بما أن العلم قد أعطى هذه المهمة الفكرية لفحص صور الوجود وأشكاله كلها فانه غدا العدو الطبيعي للنظم التسلطية بشكل خاص وهذه النظم لا تستطيع أن توجد حقاً إلا إذا كبتت أشكال البحث العلمي التي تظهر الطبيعة الحقيقية للنتائج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الخطيرة والمدمرة لتسلطها وحكمها. ولما كانت الجامعة هي المؤسسة التي تنهض برعاية العلم وتنميته وتقدمه وازدهاره، فلابد لها من أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة، إذ أن الحرية هي الشرط الجوهري لوجود العلم والفكر العلمي، كما يقول كروبر "إن حاجة العلم إلى الحرية، مثل حاجة النباتات التي تنمو في البيوت الزجاجية إلى الشمس والأكسجين، أما إذا طليت النوافذ بالسواد كما في الحروب، فلا تنمو إلا الأعشاب الطفيلية الضارة، والإبداع العلمي يتيبس في البيئات الاستبدادية والتسلطية"10، وتلعب الحرية الأكاديمية دوراً حاسماً في تنمية المجتمع وتغييره وتقدمة وازدهاره.وهذا ما أوضحه امارتيا صن في كتابه (التنمية حرية)(مؤسسات حرة و إنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر) بقوله"أن الحرية هي الغاية والهدف الأسمى لكل تنمية ذلك أن الحرية تعني المقدرة على الفعل والاختيار و التفكير والإبداع " وبدون أن تأمن الجامعة بيئة مناسبة للأساتذة والطلبة في ممارسة نشاطهم التعليمي والعلمي، فلا يمكن لها النمو والتطور والازدهار.هكذا نلاحظ أن حرية الجامعة واستقلاليتها المالية والإدارية والأكاديمية ليست من الأمور التكميلية والثانوية، بل هي أس الأسس ولب المسألة برمتها.لكن كيف يمكن للجامعة أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة؟!
هذا هو التحدي الحاسم الذي يجب أن يستفز كل عضو من أعضاء الهيئة التدريسية والتدريسية المساعدة في جميع الجامعات اليمنية الحكومية الأهلية ويستثير فيهم استجابة فعاله وفاعله.
وختاماً علينا أن نتذكر أن الفساد هو انتهاك القواعد والقوانين المعتمدة في المؤسسة من اجل تحقيق مكاسب شخصية، وقد لاحظ أفلاطون أن الحس القوي بالواجب يساعد على منع الفساد وهذا يجعل سلوك الأكاديميين بخاصة مهما غاية الأهمية لترسيخ معايير مؤسسية ثابتة نسبياً وهذا ما جاء في كتاب هوى رنان تسوكي الصين عام122ق.م بالقول:أذا كان خط القياس صحيحا فان الخشب سيكون مستقيما لا لان المرء بذل جهدا خاصا،بل لان أداة القياس التي التزمنا بها جعلته كذلك، وبالمثل إذا كان الحاكم مخلصا ومستقيما فان الموظفين الأمناء هم الذين سيعملون في حكومته بينما يختفي الأنذال والأشرار والفاسدين ،وإذا لم يكن الحاكم مستقيما فان الأشرار يجدون سبيلهم ممهدا أما المخلصون الأمناء فسوف ينسحبون إلى حيث يعتزلون متوحدين. على هذا النحو تعلمنا الحكمة القديمة بان السلوك الفاسد في المستويات العليا يحدث أثارا تتجاوز النتائج المباشرة لهذا السلوك.كما أن السمات المميزة للحرية لها جوانب متباينة تتعلق بمجموعة مختلفة من الأنشطة والمؤسسات والدلالات المتنوعة. بيد أن هذا التنوع هو الذي يمنح التنمية خصبها كما قال وليام كوبر: الحرية تزهر بألف وجه من الجمال والفتان لا يعرفها العبيد مهما كانوا بحياتهم قانعين".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قرار إغلاق المطاعم والمقاهي في رمضان.. مع أم ضد؟ | #نقاش_تاغ


.. بدء تنفيذ إجراءات الحجز التحفظي على السفينة -إيفرغيفن-


.. مجموعات الشارع وأحزابها تجتمع لطرح مشروع لإنقاذ لبنان




.. أمريكا.. توصيات بإيقاف استخدام لقاح جونسون أند جونسون


.. تايوان تدشن أول سفينة حربية برمائية