الحوار المتمدن - موبايل


مدينة الثورة والاشكال الأولية للدين-القسم الثالث

صوت الانتفاضة

2020 / 8 / 17
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


((كل العناصر الأساسية للفكر الديني والحياة، على الأقل في أشكالها الأولية،
موجودةً في أكثر الديانات بدائيةً)) دوركهايم.

يعتقد عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركهايم بأن الطوطمية هي أولى اشكال الحياة الدينية، و"الطوطم" هو رمز او شعار للقبيلة البدائية، كأن يكون حيوان او نبات او ظاهرة طبيعية، دوركهايم يعتبر الطوطم "مصدر المقدس" فهو يعرّفه بأنه "الشيء الذي يفيد في الإشارة الى العشيرة إشارة جمعية، وطوطم العشيرة هو طوطم كل فرد من افرادها"، كما ان فرويد يؤكد هذه الحقيقة بالقول بانها "الطوطمية" " يمكن أن تعد فعلا صيغة أولى للدين في تاريخ البشرية" وهي عنده ديانة انبثقت من رؤية الاب القوي المستحوذ على كل شيء؛ تنتشر الطوطمية في المجتمعات البدائية في ماليزيا والهند، والقبائل الافريقية، وسكان أمريكا وأستراليا الأصليين، وهي ديانة بدون الهه، كما يراها دوركهايم.
عندما تسير في شوارع مدينة الثورة ترى جداريات صور لرموز دينية، بعض هذه الصور تاريخية "الإباء المؤسسون"، وبعضها حديثة، تنتشر في كل الشوارع والساحات وامام الدوائر الحكومية وفي الأسواق وملاعب كرة القدم وحتى المقاهي، بل قد لا تدخل بيت في هذه المدينة دون ان ترى صورة هنا او هناك لهذه الرموز، وقد تحولت صور بعض هؤلاء الرموز الى مزارات، وحيكت حولها الاساطير، فقد رأينا الناس تتجمهر حول جداريات معينة، يشعلون البخور عندها، ويتبركون بها بوضع "الحنا" عليها، ويقدمون لها الاضاحي، القوى المسيطرة من الميليشيات تديم هذه السلوكيات وتنتج أشياء جديدة وتعيد انتاج القديم، فمثلا عملوا إشاعة لبعض الصور لرموزهم المقدسة في أماكن مختلفة، هذه الاشاعة تقول بأن أصحاب هذه الصور "بدأت بالبكاء على الواقع المرير الذي تعيشه المدينة"، واذا بجمهور مدينة الثورة وحواشيها بدأت تزور وتتبرك وتقدم النذور امام هذه الصور، والزائر لهذه المدينة يرى النسوة يتجمعن تحت هذه الجداريات، ليطلبن امانيهن، او ليبكين على واقعهن المرير، فالحزن هو العلامة المميزة للمرأة هناك.
لم تنحصر تلك المقدسات بالأشخاص، فظهرت اشكال جديدة من المقدسات، فقد سرت إشاعة عن شجرة في أحد البيوت المتهالكة، قيل انها "بكت دما على الحسين"، تحول هذا البيت الى مزار، تأتي له النسوة من كل مكان، أصبح محجا وقبلة في ليلة وضحاها، صاحب البيت عٌرض عليه بيع البيت مقابل مبالغ عالية، الا انه رفض. https://www.youtube.com/watch?v=54pY8VkHplg&feature=youtu.be
وانتقلت هذه الاشكال البسيطة من العبادات الى أنواع اخرى، فمثلا بئر الماء في منطقة سبع قصور، وهي احدى لواحق مدينة الثورة الرئيسية، وقد احيط هذا البئر بقداسة مهولة، وبدأت الناس تأخذ منه الماء للشفاء، رغم تلوث مياهه بشكل واضح:
https://www.youtube.com/watch?v=RkszJqhsHuM&feature=youtu.be
ان الذي يزور مدينة الثورة يجدها قابعة في المقدس، غارقة فيه، وهذه حال المجتمعات التي تعيش حالة بدائية، فالإنسان في هذه المدينة سلبت منه الإرادة على التغيير، بسبب تشبيعه بالقدسي، والعمل على ادخال وعي على انه انسان "ناقص" بدون ذلك الطوطم المقدس، فيجب عليه الاستمرار في المعاناة من اجل ذلك الطوطم، وهو ما تعمل القوى المسيطرة عليه ليل نهار، في محاولة لتأبيده، فقد لا تجد مستشفيات كافية لتعالج الناس، لكنهم يعوضوها مثلا "ببصاق السيد" في فم المريض، او شد قطعة خضراء "علگ" من الشجرة المقدسة او من صورة المقدس على مكان الألم؛ وقد لا تجد مدارس او رياض أطفال كافية، وهذا جيد، بل افضل شيء للميليشيات، لديمومة السيطرة، وبالفعل قد حولوا المدارس الى مكان لتعيلم الطقوس، وضخ الفكر الديني والطائفي، بل قد هدموا بعض المدارس وحولوها الى ساحات لإقامة الطقوس.
أن ماكس فيبر على حق عندما يقول ((فالإلهة والمقدسون هم بمنزلة الهة الدولة ومقدسي الدولة، وتقديسهم هو شأن الدولة، وصاحب السلطة هو الذي يسمح بوجود الهة جديدة وعلوم دين وطقوس حسب رغباته او ان يمنعها)).
يتبع لطفاً..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زيارة وزير البترول المصري لإسرائيل تشعل نار -الإخوان-.. وإير


.. «الفلسفة مش كفر وفلاسفة اليونان أول ناس عرفوا التوحيد .. «صا


.. البرلمان الكندي: أقلية الإيغور المسلمة تتعرض لإبادة جماعية




.. محمودالتهامي: تعاملت مع عمارالشريعي وكنت هموت ويديني لحن حلو


.. محاكم خاصة لليهود في دولة عربية