الحوار المتمدن - موبايل


الفكرة القومية عند نجيب عازوري

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 8 / 20
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إن الفكرة الكبيرة لا تظهر بين ليلة وضحاها، رغم أن عنفوانها أشبه ما يكون بتيار الحدس المعرفي. وفي هذا يكمن سرّ جبروتها المثير والمحير. وذلك لأنها تحتوي بقدر واحد على قوة الإثارة والاندهاش. وليس هذا في الواقع سوى الوجه الملطف لخشونة المعاناة المختبئة وراء تحول الزمن إلى تاريخ، وتراكم القيم في منظومات عملية، وتبدّل القواعد الخربة بنحو القلوب العامرة، وانتظام الأفكار المتنوعة والمتضاربة في فكرة، أي كل ما يتوافق في عرف اللغة والواقع مع الاستفاقة والنهضة. فكلاهما حلقات لعملية واحدة. وليس مصادفة أن تتحول الصيحة التي أطلقها إبراهيم اليازجي للمرة الأولى في قصيدته البائية الشهيرة (أيها العرب!) (1878)، والعنوان الذي وضعه نجيب عازوري لكتابه (يقظة الأمة العربية) (1905) في الوعي الذاتي العربي إلى بداية الوجدان القومي ونهاية تكامله النظري الأولي في فكرة سياسية واضحة المعالم والغاية.
غير أن لكل بداية ونهاية وسط يحتمل ويحمل في جوفه ما انتهت إليه قصيدة اليازجي في حدسها الشعري العميق عندما قال، بأن "من يعش ير والأيام مقبلة، يلوح للمرء في أحداثها العجب". وما بين العيش أو الوجود الحالي وما يلوح في الأفق، كانت تتراكم كمية ونوعية الفكرة العربية الناهضة، أي الوجه الآخر أو التكملة النظرية والعملية لفكرة النهضة الأدبية والإصلاحية.
فقد أحتوت فكرة النهضة الأدبية العربية والإصلاح الإسلامي والسياسي في العالم العربي على مقدمات ومكونات الفكرة العربية (القومية). فقد كانت هذه الأخيرة الصيغة الأكثر احترافا ووعيا وتجسيدا وتخصيصا لوحدة النهضة والإصلاح. وذلك لأن فكرة النهضة والإصلاح كانت تتمحور من حيث همومها، وتستند من حيث مادتها، وترمي من حيث غاياتها، إلى كيان عربي غير واضح الهوية، لكنه كان يسري فيها بوصفه كينونة ما وراء الحس والعقل والحدس. ومأثرة التيار القومي العربي الصاعد كانت تقوم في تحويل هذه الكينونة إلى كيان سياسي. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التراكم الخفي لفكرة التجمع والتجميع والترابط والتوحيد الذي نعثر عليه في ظهور ونمو الجمعيات والروابط والعصب والمنظمات والأحزاب، أي التراكم الذي يعكس من حيث تنوع الأسماء وكميتها نوعية التحول الخفي في وعي الفكرة العربية القومية. فقد ظهرت (الجمعية السورية) التي أسسها بطرس البستاني وناصيف اليازجي عام (1847)، و(الجمعية السورية) التي أسسها سليم البستاني ومنيف خوري في بيروت عام (1868)، والجمعية العربية السورية عام (1875)، و(جمعية حقوق الملة العربية) التي سعت إلى توحيد العرب بغض النظر عن الإنتماء الديني عام (1881)، و(جامعة الوطن العربي) التي أسسها نجيب عازوري عام (1904)، و(جمعية الوطن العربي) التي أسسها خير الله خير الله عام (1905).
وسبقت هذا الاتجاه العملي السياسي محاولات عديدة وتراكم فكري ومواقف سياسية أخذت بالتمحور حول فكرة العرب، والعروبة، والعربية، والعالم العربي، والوطن العربي، والأقطار العربية، وتراث العرب، ودين العرب، وأمة العرب، والقومية العربية، والعنصر العربي، والعنصرية العربية، والجنسية العربية، وما شابه ذلك، أي كل الأجزاء الآخذة في الترابط والتكامل في ما يمكن دعوته بالفكرة العربية الناهضة. وإذا كانت قصيدة اليازجي (1878) تمثل الصيغة الأولية الأكثر وضوحا وبروزا فلكونها كانت أقرب إلى النشيد الأدبي الأكبر لصيرورة وعي الذات القومي بوصفه هوية سياسية. فقد كانت قصيدة اليازجي الصيغة الأكثر تطرفا وغلوا للوجدان القومي، والأكثر صدقا من حيث اللهجة والمهجة والوجدان. بل وكانت أيضا الصيغة الأكثر مباشرة في النقد الذاتي. فالهجوم العنيف فيها كان موجها أساسا صوب العرب ومن أجلهم في الوقت نفسه. فقد احتوت القصيدة على (48) بيتا شعريا، (35) منها مخصصة للعرب، توزعت بين (17) بيت قاسية اللهجة في نقدها للخمول والذل والاستكانة والمهانة والعبودية العربية في ظل السيطرة التركية. بينما تدعو البقية الباقية (14) العرب للاستفاقة، أي إلى اليقظة والنهوض والتحدي، بينما تتضمن (4) أبيات التذكير بعظمة الماضي التي ينبغي أن تقف أمام أنظار العرب المعاصرين باعتباره مصيرهم المحتوم. أما الأبيات الشعرية القاسية في موقفها من الأتراك فهي (12) بيتا، ليست من حيث الجوهر سوى الوجه الآخر والمكمل لنقد الذات. أما البيت الأخير (من يعش ير والأيام مقبلة، يلوح للمرء في أحداثها العجب)، فإنه تكثيف لمضمون هذا النشيد القومي العربي الأول والأكبر آنذاك. ففيه نعثر بصورة واضحة وجلية على مستوى الحس والعقل والحدس لحالة جمع وتجميع وتكثيف الهموم العربية الكبرى (الهوية والحرية والاستقلال) في همّ عربي واحد يجمع هموم الأنا (العربية). وليس مصادفة أن يظهر بعد ذلك سيل المقالات التي تحتوي على صدى فكرة الاستفاقة، أي النهضة والإصلاح وأشباهها من خلال تركيزها على واقع العالم العربي وماضيه، وبروز كلمات "نحن" و"العرب" و"الأمة العربية" و"القوم العربي" وما شابه ذلك. ومع أن أغلب هذه الكلمات لم تكن واضحة الهوية في بداية الأمر، إلا أنها كانت تحتوي على مستوى الحس والوجدان معنى الشعور القومي، ومن ثم بداية الأفكار الكبرى للفكرة القومية، أي صيغتها العقلية وتأسيسها النظري اللاحق.
إن ظهور الأفكار الكبرى هو الوجه الآخر أو الصيغة المنطقية لمعاناة كبرى وتاريخ أكبر ومستقبل يتسم بقدر واحد من الجلاء والغموض، أي الأكثر إثارة للاجتهاد، ومن ثم لاختلاف الرؤية والمناهج. وحالما تبلغ هذه الأفكار مستواها النظري، بوصفها الصيغة المنطقية لإدراك صيرورة التاريخ الواقعي للفكرة نفسها، عندها تأخذ في التراكم والتجسّد على قدر ما فيها من تجانس ووضوح، وعلى قدر ما فيها من استجابة للواقع وإمكانياته الفعلية، إضافة إلى أثر المصادفات المثيرة للزمن والأحداث.
فالانعطافات التاريخية الكبرى للوعي الاجتماعي والسياسي، التي أنتجت في مجرى معاناته المتنوعة فكرة النهضة والإصلاح في الدولة العثمانية، كانت تحتوي في أعماقها على تراكم الفكرة العربية ذاتها. وذلك لأن النهضة كانت تحتوي في أعماقها على ضرورة الرجوع إلى الماضي، بينما كان توجهها صوب المستقبل يحتوي على إنهاض للعقل والضمير والوجدان. وكلاهما كانا يؤديان إلى فكرة النهضة على أنها استرجاع لتاريخ سالف أو تطوير له. والشيء نفسه ينطبق على الإصلاح. وذلك لأنه كان يحتوي على مهمة وطاقة تحريك البنية المتخلفة والراكدة. مما كان يلازمه بالضرورة إثارة الأسئلة المتعلقة بالأسباب والنتائج، أي الاحتكام إلى فكرة السببية والعمل بموجبها. وكان هذا يتضمن أيضا على فكرة الاعتماد على النفس وقواها الذاتية. وكلاهما كانا يضعان رجل العلم والمعرفة والثقافة العامة والخاصة والتاريخ واللغة والأدب والسياسة أمام الحالة الخربة للدولة العثمانية، أي أمام الحالة المزرية التي انحطّ إليها العرب والتاريخ العربي.
ومن تداخل هذين التيارين برزت ملامح النقد والمواجهة والتحدي والصراع واختلاف الرؤى. وليس مصادفة أن نعثر على كل هذه الملامح في دهاليز العوالم الخفية للنهضة الأدبية، بوصفها نهضة الروح اللغوي والمعنوي (الأدبي) العربي. فإنهاض اللغة العربية والأدب العربي يعني إنهاض الضمير والوعي التاريخي العربي وما يلازمهما من استعادة أدبية نقية وصافية وتهذيب للقيم القومية المباشرة. ومع كل تهذيب وتشذيب لهما، تتوقد وتنبري شدة النقد الذاتي وشدة النقد العربي. بينما كانت الفكرة الإصلاحية تقف أمام مهمة تجاوز وتذليل عقبات الانحطاط والتخلف من أجل مستقبل يوازي في صداه عظمة الماضي وفي مداه انجازات الحداثة العالمية (الأوربية آنذاك). وهذا بدوه يستحيل التحقيق دون نهضة من طراز جديد تتجاوز نهضة الروح الأدبي إلى نهضة الروح السياسي. وقد حصل هذا التجاوز على تعبيره الأول في كلمة اليقظة، بوصفها استفاقة ونهوضا من سبات الخمول السياسي القومي، كما هو جلي في كتاب نجيب عازوري (يقظة الأمة العربية) المطبوع عام 1905 .
ولم يعن هذا من الناحية التاريخية الملموسة والنظرية المجردة سوى تنظيم الرؤية السياسية بالشكل الذي يجعلها مقدمة التاريخ السياسي المستقل، أي تأسيس فكرة دولة عربية لأمة عربية تصلح ما تعرضت له في مجرى السيطرة التركية العثمانية من ضمور شبه تام لكيانها السياسي القومي وكينونتها الثقافية التاريخية. فإذا كانت اليقظة هي الوجه الآخر للنهضة، فإن الفرق أو الخلاف بينهما يقوم في تحوّر فكرة اليقظة إلى الفكرة العربية بوصفها فكرة قومية. وقد كان ذلك تحوّلا نوعيا في توجيه مسار فكرة النهضة، بمعنى نقلها من ميدان الصراع بين الجديد والقديم في الأدب (العربي) إلى ميدان الصراع من أجل الفكرة القومية. من هنا تحوّل الفكرة الأدبية إلى فكرة سياسية، كما هو جلي في فكرة نجيب عازوري عن مهمة وضرورة اليقظة السياسية القومية للأمة العربية، واستكمالها اللاحق في (المؤتمر العربي)، بوصفه الصيغة المنظمة للفكرة القومية السياسية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عن عمر ناهز 166 عاما.. رحيل أكبر معمرة أمريكية


.. النووي الإيراني.. طهران ترفض بالكامل مبدأ خطوة بخطوة


.. شاهد: فرق الإطفاء تحاول السيطرة على حرائق الغابات في جنوب إف




.. الصين والولايات المتحدة تتعهدان بالتعاون المناخي | #رمضان_ال


.. أندية الدوري الانجليزي تعلن انسحابها من دوري السوبر الأوروبي