الحوار المتمدن - موبايل


نجيب عازوري: العالم العربي والمسألة الشرقية

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 8 / 25
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إن حصيلة هذه الرؤية التاريخية الثقافية والسياسية قد دفعت نجيب عازوري صوب توسيع مدى الرؤية القومية من خلال البحث عن الصلة المفقودة بين تاريخ الأسلاف والمستقبل، عبر إرساء أسس الدولة القومية (العربية). فقد كان الاستنتاج الأكبر، الذي توصل إليه نجيب عازوري يقوم في تقريره للحقيقة القائلة، بأنه لولا السيطرة التركية لكانت الأمة العربية في قمة الحضارة العالمية. وذلك لأن "الأتراك لم يكتفوا بعدم العطاء، بل ومنعوا الآخرين من العطاء" ، وبالتالي لولاهم لكن العرب في قمة الحضارة العالمية. وفيما لو جرى وضع هذا الاحتمال النظري ضمن معايير الرؤية المستقبلية، فإنه يعني ضرورة استعادة العرب لتاريخهم السياسي والحضاري المستقل، مع ما يترتب عليه من استنتاج خاص بضرورة بناء الدولة القومية المستقلة. وبدون ذلك يتبقى حالة العالم العربي تتأرجح بين مستنقع التخلف والانحطاط، وفي أفضل الأحوال تبقى حالته قلقة ومرتبطة بدورانها في أفلاك القوى الخارجية.
إن الاستنتاج النظري الذي يمكن التوصل إليه من وراء العبارة السياسية المباشرة لنجيب عازوري بهذا الصدد تقوم في أن الاحتمال المعقول بفعل طاقة الثقافة الكامنة للعالم العربي وتاريخه السياسي المبتور، هو السبب القائم وراء حالته القلقة في السياسة الأوربية آنذاك. لهذا نراه يتوصل إلى استنتاج مفاده أن العالم العربي هو رديف ومكافئ المضمون الفعلي والواقعي لما يسمى بالمسألة الشرقية. فقد توصل عازوري إلى أن عقدة المسالة الشرقية تقوم في العالم العربي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "البلاد العربية تشكل العقدة الحقيقية في لغز المسالة الشرقية" .
إن تحول العالم العربي إلى بؤرة المسألة الشرقية، يعني تحوله إلى مضمون وجود أو انعدام الدولة العثمانية. فالمسألة الشرقية التي ارتبطت بحالة وآفاق "الرجل المريض" وممتلكاته، كانت تعادل من حيث مضمونها الفعلي حالة وكيفية وجود وآفاق العالم العربي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن القضية العربية هي جوهر المشكلة، ومن ثم ينبغي أن تتمتع باستقلاليتها في السياسة العالمية بوصفها فعالا مستقلا. واتسمت آراءه بهذا الصدد بأبعاد مستقبلية عميقة، رغم أنها كانت محكومة بالحالة التابعة للعالم العربي في فلك الدولة العثمانية الآيلة للسقوط. من هنا نراه يؤسس لرؤيته المستقبلية عن علاقة العالم العربي بالدول الأكثر شراسة في صراعها مع الدولة العثمانية آنذاك من أجل اقتسام "غنيمتها" الكبرى، بمعايير الرؤية السياسية والثقافية المستقلة.
فهو يحدد ثلاثة محاور لثلاث قوى فاعلة آنذاك في سياستها تجاه العرب، بما في ذلك من وجهة النظر المستقبلية وهي كل من القوة الروسية والبريطانية والفرنسية. ومن خلال ذلك حاول رسم ملامح الرؤية السياسية تجاهها. فقد نظر إلى روسيا باعتبارها الدولة التي تسعى للتدخل في العالم العربي من خلال الكنسية الأرثودوكسية. من هنا دعوته إلى مواجهة ومحاربة السياسة الروسية، وذلك لأنه وجد فيها نموذجا وأسلوبا لإعادة تكريس النمط التركي. فقد كان نموذج الحكم والدولة الروسية بالنسبة له تعني تفشي الأوتوقراطية المطلقة وغياب الحرية، وغلبة نظام التعصب الطائفي. لهذا نراه يجد في التغلغل أو المساعي الروسية للسيطرة في العالم العربي أشد خطورة من السيطرة التركية، وذلك لأنها أقوى. فهي إلى جانب شبهها بالسياسة التركية، تنشر الجهل والتعصب. وفي معرض مقارنته إياها بالسياسة الإنجليزية، فإنه وضعها على طرف نقيض شأن خطوط سكك الحديد. إذ اعتبر السياسة الروسية تيارا رجعيا وبربريا ومتعصبا وأنانيا، بينا السياسة الانجليزية عادلة وإنسانية ومتحررة ونبيلة. ومن هذا المنطق يمكن فهم تقييمه للسياسة البريطانية تجاه العربي، عندما اعتبرها نموذجا لسياسة العدل والإحسان والحكمة والحرية. ومن ثم وجد فيها نموذجا مضادا للسياسة الروسية. أما موقفه من السياسة الفرنسية فمبني على أساس فهمه لدورها التاريخي الحديث في مجال بناء النظام السياسي المدني وفكرة الحرية. فقد نظر إلى فرنسا باعتبارها مهد الحرية ومركز الحضارة الحديثة. من هنا موقفه الداعم لما اسماه بالإقرار بفضلها بهذا الصدد. بحيث جعله ذلك يقول أيضا، بأن فرنسا أكثر من غيرها، وربما لوحدها تتمتع بحق "حب الشرقيين" إياها. وأعتقد، بأنه ليس هناك من قوة تستطيع استمالة عاطفة العرب إلى جانبها غير فرنسا، بعد تجزئة الإمبراطورية العثمانية.
إننا نقف هنا أمام تقييم سياسي ثقافي مستقبلي مبني على فكرة الاستقلال، أي أنه نظر إلى سياسة الدول الكبرى والاحتمال القائم في تحلل الدولة العثمانية وخروج العالم العربي منها نظرته إلى النموذج وليس إلى بديل للاستعاضة لحالته في ظل الهيمنة التركية العثمانية. بعبارة أخرى، أنه نظر إلى هذا الاحتمال بوصفه طريقا للتحرر الفعلي وإعادة بناء الدولة العربية الحديثة استنادا إلى فكرة قومية متجانسة. فهو الطريق الوحيد الواقعي والفعلي لبلوغ الشعرات الكبرى عن العدالة والمساواة والإخاء. ونعثر على هذه الفكرة الدقيقة والعميقة في عبارته القائلة، بأنه "لا يمكن تحقيق الإخوة بين الدول، والمساواة الاجتماعية بين الناس إلا عندما تصبح كل الشعوب على مستوى واحد من التمدن والحضارة. وإلا فإن أي عمل مخالف لذلك سيهدم عمل السابقين".
احتوت الفكرة السابقة بوصفها استنتاجا سياسيا تاريخيا ومستقبليا على مهمة تأسيس الفكرة العربية القومية الحديثة. وربط هذا التأسيس بالإمكانية الكامنة في العالم العربي بوصفه لب المسألة الشرقية آنذاك. من هنا فكرته عما أسماه ببروز أهم ظاهرتين في آسيا المعاصرة، التي أعتبر أحدها هي ظاهرة "يقظة العرب".
وجعل من فكرة "يقظة العرب" المضمون الفعلي والمستقبلي للفكرة القومية العربية. فإذا كان الأتراك فيما مضى، كما يقول عازوري، قد "حافظوا على سيطرتهم في العالم العربي من خلال استغلال الخلافات الطائفية والدينية"، فإن الأمر أخذ بالاختلاف نوعيا من خلال بروز "ظاهرة جديدة هي الظاهرة القومية العربية"، التي يقف العرب على أعتاب تكاملها. ووجد في هذه الظاهرة نتيجة طبيعية وحتمية للمعاصرة. وذلك لأنه وجد في الشعور القومي الحديث ظاهرة لا يمكن الوقوف ضدها. وانطلق في توسيع مدى هذه الفكرة من أن ما يحرك الشعوب في العالم المعاصر هو الشعور القومي لا التعصب الديني. وقد كان تركيزه على جوهرية الشعور القومي يرمي إلى تذليل الصراع الديني وأولويته في النفسية والذهنية الاجتماعية السائدة. من هنا قوله، بأن "التعصب الديني ليس سوى طور في المصلحة الشخصية". أما "التعصب القومي فشعور عفوي فطري تقريبا". وبهذا يكون عازوري قد جعل من الشعور القومي المقدمة الملازمة لوجود وإرتقاء الأمم.
فإذا كانت المرحلة السابقة لخمول العرب، كما يقول عازوري، لم تكن معزولة عن بقاء الأغلبية ضمن معايير الرؤية الأخلاقية وقيمها، ومن ثم خمولها القومي وانعدام تاريخها السياسي المستقل بعد ذوبانه أو ابتلائه بأوهام "الخلافة الإسلامية" التي لم تكن أكثر من مجرد سيطرة وسطوة قومية تركية، فإن الأمر قد أخذ بالتحول صوب إدراك أهمية وجوهرية الفكرة القومية. من هنا قوله، بأن كل ما هو حول العرب من ترك وروس ويونان وغيرهم يرغبون ويسعون إلى إبقاء العرب على حالة التجزئة. إلا أن هذه الجهود عرضة للفشل. فالعالم العربي (من وادي دجلة والفرات حتى السويس، ومن البحر المتوسط حتى بحر عمان) سوف يدهش العالم بسرعة الثورة القومية فيه وطابعها السلمي، كما يقول عازوري. وهذا بدوره ليس معزولا، أو أنه محكوم ومحدد ببوادر الوعي المتعاظم للعرب "بتجانسهم القومي والتاريخي والعنصري" . بمعنى نمو وتكامل الوعي العربي القومي الذاتي بمعايير الانتماء التاريخي للنفس. ومن ثم سعيهم المترتب على ذلك بإقامة دولة مستقلة لهم. وإذا كان نجيب عازوري قد حدد الإطار الجغرافي السياسي للقومية العربية بحدود منطقة الشام والعراق والجزيرة – من وادي دجلة والفرات حتى السويس، ومن البحر المتوسط حتى بحر عمان، أي المشرق العربي ككل وشبه الجزيرة العربية، فلأن ذلك مرتبط أساسا بحدود الدولة العربية المفترضة، أكثر مما لها علاقة بفكرة القومية العربية العامة والمجردة، تماما كما سيقوم به لاحقا انطون سعادة في نظريته عن القومية العربية وفكرة القومية السورية.
تحددت حدود الفكرة القومية في آراء ومواقف نجيب عازوري بالفكرة السياسية، أكثر مما بالفكرة النظرية للقومية. لهذا نراه لا يدخل الشمال الأفريقي ومصر خاصة في القومية العربية. ومن الممكن تفسير ذلك بالانطباع المحتمل القائم آنذاك بين المصريين أنفسهم والنخب الفكرية والثقافية المصرية التي كانت ترفض الفكرة العربية، بل وتستبعد حتى انتمائها الصميم للعرب والفكرة العربية القومية. مع أن مفارقة الظاهرة الجلية تقوم، بما في ذلك في المجال السياسي، هو أن مصر كانت آنذاك ملجأ أصحاب فكرة النهضة العربية والقومية العربية. إلا أن البعد السياسي نفسه يمكنه أن يكون هو نفسه الفاعل هنا أيضا، بمعنى عدم انعزال ذلك أو تحرره من ثقل الصراع القائم آنذاك بين مصر والسلطنة العثمانية على الزعامة، إضافة إلى الأصول غير العربية للنخبة السياسية الحاكمة في مصر، أو ما دعاه نجيب عازوري نفسه ببقايا المماليك والشراكسة.
غير أن هذه التأويلات المعقولة بواقع المرحلة وطبيعة الصراع فيها بما في ذلك ضعف مستوى تطور الوعي القومي السياسي، تشير بدورها إلى المضمون السياسي الواقعي للفكرة القومية العربية بوصفها فكرة سياسية في آراء وواقف نجيب عازوري. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن تأثره بالتقاليد الفرنسية في الموقف من الدولة والأمة (القومية). ومن الممكن تحقيق هذا الاستنتاج من خلال النظر إلى حقيقة حصر نجيب عازوري القومية العربية بمعايير الجغرافيا السياسية والدولة الموحدة. ليس ذلك فحسب، بل وأنه يضع ضمن شروط وإمكانيات قيام الدولة العربية القومية الجديدة (الإمبراطورية العربية) أن "يمنح عرش الإمبراطورية إلى أمير العائلة الخديوية المصرية" على أن لا يستلزم ذلك أدنى ارتباط بين هذه الدولة العربية الجديدة والدولة المصرية الخديوية، أو كما قال "لا تجمع مصر والإمبراطورية العربية، لأن المصريون ليسوا عربا" . أما النظام السياسي للدولة المفترضة فهو "حكم عربي ملكي دستوري متحرر" .
إن تطابق القومية العربية مع فكرة الجغرافيا السياسية ليست إلا المظهر الخارجي للفكرة العربية القومية الجديدة، بوصفها فكرة أولية محتملة. بمعنى أنها أحتوت على العناصر الجوهرية لوعي الذات العربي القومي ولكن بمعايير الفكرة السياسية المكافحة آنذاك من أجل إرساء أسس الدولة الحديثة. فقد كان العراق والشام وبعض الجزيرة وحدة جغرافية جلية وخاضعة للحكم التركي المباشر، على خلاف مصر والشمال الإفريقي عموما. وبالتالي فإن الدولة المتحررة من النير التركي تعني الدولة العربية القومية الجديدة. وضمن هذا السياق فقط يمكن فهم إخراجه نصف العرب (مصر والسودان والمغرب) من فكرة الدولة العربية الحديثة التي دعا إليها. ونعثر على هذه الصيغة المائعة نسبيا والواقعية في الوقت نفسه في تحديده لفكرة الأمة العربية وحدودها، كما وضعها في عبارته:"أنها أمة واحدة هي الأمة العربية التي تتحدث بلغة واحدة، وتمتلك تقاليد تاريخية واحدة، وقدّست الأدب ذاته، وكل فرد يعتز بالانتماء إليها".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شكرية.. لم ترض لنفسها النزوح، وحصلت على شهادة الصيدلة.


.. أماني الطويل: لا أحد يعلم إلى أين يمضي ملف سد النهضة وهناك ت


.. الدراما المصرية والأغاني الشعبية بين فكي مقص الرقابة | #السؤ




.. إسرائيل تسمح لسكانها بنزع الكمامة في الأماكن المفتوحة


.. وثائقيات الجزيرة - جريمة ضد التاريخ