الحوار المتمدن - موبايل


إنصاف المعلم وإنقاذ التعليم

ناجح شاهين

2020 / 8 / 26
التربية والتعليم والبحث العلمي


التعليم مهنة صعبة جداً جداً؛ معقدة جداً؛ وتتضمن أبعاداً متشعبة تتطلب استعدادات ومهارات لا تتوافر لدى معظم البشر. لكن الملاحظ أن مجتمعنا تعود على النظر إلى مهنة المعلم وكأنها مهنة سهلة لا تحتاج أكثر من قضاء بضع سنوات في الجامعة يخرج منها المرء معلماً لا يشق له غبار.
دعونا نذكر بسرعة العناصر الثلاثة التي نتصور ضرورتها لأي معلم:
1. لا بد أن يكون المعلم إنساناً حساساً ومتعاوناً ومتفهماً، قادراً على التواصل السلس الفعال، ملماً بواقع مجتمعه وشعبه وأمته إلى حد كبير. من الضروري في هذا السياق أن يكون المعلم قارئاً مدمناً. ولو كان لنا تقرير طريقة تعيين المعلم لاشترطنا التحقق من أن المعلم المرشح قارئ متذوق للشعر والرواية، وأنه يستمع بشغف للموسيقى العظيمة التي تحتاج الكثير من الدربة والإحساس المرهف. ونود أن نؤكد هنا قناعتنا أن هذه السمات مهمة لمعلم الرياضيات والفيزياء بمقدار أهميتها لمعلم اللغة والتاريخ.
2. لا بد أن يكون المعلم مدرباً على مستوى عال على مهارات التدريس المختلفة بما فيها إدارة الصف الدراسي، وتوزيع الوقت، ووضع الأسئلة وتصحيحها، وتحفيز الدافعية ...الخ كذلك لا بد أن يكون ملماً بمهارات التفكير العامة كلها مع معرفة عميقة بمهارات البحث والتفكير المتصلة بالتخصص الذي يدرسه.
3. يجب بطبيعة الحال أن يكون المعلم خبيراً بتخصصه الذي يقوم بتدريسه، وهو أمر يمكن لبعضنا أن يظنه تحصيل حاصل لولا أن الوقائع تثبت أن الكثير من خريجي جامعاتنا لا يتدرب كثيراً على محتوى تخصصه. وهو ما ينذر بأسوأ كارثة يمكن أن تحل بالتعليم.
من حق المعلم فوراً أن يزعق في وجهي: "لماذا أفعل ذلك كله؟ من أجل 3000 شيكل لا تكفي لإطعام الأولاد خبزاً، ثم اختصروها إلى النصف وأحياناً إلى الصفر؟"
بالطبع لا يمكن لأي شخص "طبيعي" أن يحقق الشروط المذكورة أعلاه من أجل "البريستيج" والمرتب المتدنيين في بلادنا. سيقول لنا المدرس محقاً إن الصيدلاني الذي لا يفعل أكثر من بيع الدواء يحقق احتراماً ودخلاً يفوقه بأضعاف وأضعاف.
مرة أخرى نؤكد أن معظمنا لم يفكر في هذه الأمور كثيراً. وعندما نذكر تخصص الصيدلة على سبيل المثال فإننا ننظر إليه باحترام ورهبة مع أن خريج الصيدلة لا يفعل شيئاً أكثر من فتح "بقالة" لبيع الأدوية التي يمكن لأقاربه وأصدقائه أن يقوموا بدوره فيها بسبب أن "البيزنس" بقالة أدوية ومواد زينة لا أكثر ولا أقل. وحتى مهنة الطب لا يمكن أن تكون بصعوبة مهنة التعليم، ولكن كما تعلمون، هيهات، هيهات أن يفكر أحدنا في المقارنة بين الطبيب "العظيم" القدر والدخل والمعلم المتواضع التقدير الاجتماعي، الفقير مالياً إلى حد الركض طوال العمر بحثاً عن وظيفة أخرى تسند ميزانيته البائسة.
سيقول أحدنا: أنت تبالغ، لا يمكن أن تكون مهنة التعليم أصعب من الطب، إذ ما الذي يجعل من هب ودب قادراً على دراسة تخصص تربوي والتحول إلى مدرس بينما لا يدرس الطب إلا الطلاب المبرزون من أوائل التوجيهي أو ما يعادلها؟
نظن أن جواب السؤال أعلاه سهل ومعروف لمن لا يريد أن يغطي عيونه وبصيرته: إن نظام "الهيلمة" و"تسليك الحال" الشائع في بلادنا في مستوى التعليم بمراحله المختلفة يمرر الفضائح التي يعرفها القاصي والداني. بل إننا لن نغالط الحق إن توسعنا بالقول إن معظم أصحاب المهن ينجون من أية عقوبة في حال ارتكبوا الموبقات بما فيها موت الإنسان على يد طبيب جاهل أو مستهتر.
فيما يتصل بالمعلم نروي الحكاية المختصرة التالية للتدليل على مستوى "الهيلمة" المريع في بلادنا: "سألني أحد الأساتذة في جامعة محلية عن معنى كلمة "سميوطيقا" فذكرت له بعض المعلومات القليلة التي أعرفها. بعد أسبوعين "فوجئت" أن الرجل يقوم بتدريس مساق لطلبة الماجستير عنوانه "دراسات في السميوطيقا"! يا لخزي الفضيحة من نفسها! إن رجلاً لا يعرف معنى عنوان التخصص يتقدم بثقة تامة لتدريس طلبة الدراسات العليا. بالطبع انتهى الفصل بحصول الطلبة جميعاً على علامات التفوق والامتياز، ولم يواجه الأستاذ صعوبة تذكر في "شرح" المادة، ولم يتعب الطلبة في الدراسة كثيراً ولا قليلاً. ترى هل بقي من أمل في أن تخرج الجامعات أشخاصاً "يفكون" الخط في أي جانب معرفي؟
لكن هذا السؤال يحيلنا بالطبع إلى تساؤل صريح: ماذا نريد من التعليم؟ جوابنا المستند إلى الواقع الفلسطيني هو: نريد حملة شهادات يحتلون وظائف عامة أو خاصة لا تحتاج إلى أي تدريب جاد.
لكن ماذا يفترض في التعليم أن يقدم في سياق الظروف "النموذجية"؟
يهدف التعليم إلى توفير الظروف والتدريبات والتجهيزات التي تسمح بتفتح طاقات الأطفال/المتعلمين على نحو يراعي فرحهم وإبداعهم ونموهم السليم ليكونوا مواطنين فعالين منتمين وقادرين على تمثل المعرفة والمشاركة في التعامل الذكي معها وصولاً إلى المساهمة في إنتاجها وعدم الاكتفاء بمهارات استهلاكها.
من أجل بناء عملية تعليمية من هذا القبيل لا يمكن أبداً الاعتماد على تقييم السوق للعلم. السوق الفلسطيني –وربما الأسواق العربية الشقيقة- لا تحتاج العلم ولا خبرائه في أي مجال من مجالات المعرفة. لذلك كان القرار السياسي هو المفتاح لكي نبني عملية تعليمية مبدعة وممتعة وفعالة ومنتجة. وهذا لا يتأتى عن طريق تحويل المناصب التعليمية إلى جوائز لمن يدينون بالولاء للحزب الحاكم سواء في مناطق السلطة أو الآردن أو أنى شئتم، كما أنه لا يتأتى بدون إعطاء حصة الأسد لميزانية التعليم لكي نتمكن من مده بالتجهيزات الضرورية، ومن اجتذاب أذكى العقول وأكثرها انتماء وحساسية إلى مهنة التعليم. أما جعل المهنة مهنة من لا يتقن شيئاً آخر بدرجة أن نجد في الحقل التعليمي في بعض الأحيان أشخاصاً من الفئات الأقل موهبة وانتماء، فإنه وصفة للخراب والدمار سواء كنا نعاني من حصار الغباء بمفرده أو حصار الغباء مقروناً بالكورونا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تركيا: رجب طيب أردوغان.. -السلطان الأخير-!!


.. المغربي نبيل غايل يتسلق أعلى قمم الجبال في أفريقيا


.. ما هو أرق كورونا وكيف نتغلب عليه؟




.. كلمة الشيخ محمد بن راشد أمام قمة المناخ


.. التربية الإيمانية .. ما أسس التنشئة السليمة؟ | #كأنك_تعيش_أب