الحوار المتمدن - موبايل


بابا الإِسْكَنْدَرِيَّةُ والأساقفة

صفوت سابا

2020 / 9 / 8
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


عندما أُخْتِير قداسة البابا تواضروس الثاني بطريركاً للأقباط الأرثوذكس في عام 2012، لم يرث فقط الكرسي المرقصي بَلْ باقةً من المشاكل الجِسَام التي ظَلَّتْ تَنخُر في شئون الكنيسة منذ عشرات السنين حتى سَوَّسَتْ في السنوات الأخيرة التى عاني فيها قداسة أبينا المتنيح البابا شنودة الثالث من مرض عضال.

فبالإضافة إلى مسئولياته الروحية كبابا الأقباط، واجه قداسته عدة ملفات شائكة منها : تدهور مستوى مدارس التربية الكنسية، وانحدار معايير إعداد الخدام والكهنة في الكنيسة، تراجع المكانة الأكاديمية للمؤسسات التعليمية الكنسية مثل المعاهد اللاهوتية والكليات الإكليريكية، تفاقم أزمات الرهبنة وتصحيح المسار الرهباني في مصر، تقهقر مستوى الرعاية وسوء العلاقة بين الإكليروس والعلمانين، هشاشة البناء المؤسسي والإداري والمالي في الكنائس والحاجة لإعادة تشكيلها، تفاقم مشاكل الأحوال الشخصية للأقباط و إصدار لائحة أحوال شخصية جديدة، توتر العلاقة بين الكنيسة والنظم السياسية في الدولة وغياب المشاركة السياسة للأقباط، عشوائية الخدمة الإجتماعية وضرورة التطوير الاستراتيجي لبرامج الخدمة الاجتماعية والتنموية في الكنيسة، سطحية خدمة أقباط المهجر وتنظيم امتداد الكنيسة خارج مصر، وغيرها من المشاكل التي مازال يعمل قداسته على الوصول لحلول لها.

وتعتبر علاقة قداسة البابا تواضروس ببَقيَّة أساقفة الكرازة - ومايتوقف عليها من إدارة شِئُوْن الكنيسة خلال المجمع المقدس - من أصعب الأمور التي واجهها قداسته منذ رسامته بطريركاً حتى الآن. والمُتابع لهذه العلاقة يدرك أن غالبية الأساقفة يكنِّنون لقداستة عظيمَ الحب و جَمّ التقدير، إلا أن بعض الأساقفة الذين يُغَرِّدُون خارج السِّرْب، صاروا مصدر متاعب لا حصر لها لقداسته. وغًنَيّ عن الذكر أن علاقة بابا الإسكندرية ببقية أساقفة الكرازة المرقصية لا تستقيم إلا في وجود المحبة والشركة المتبادلة بين البابا وبقية الأساقفة في إطار الرعاية والتدبير.

والقوانين الكنسية (أنظر على سبيل المثال: قوانين الرسل رقم 20 & 34، قوانين إكليمندس رقم 25، قوانين مجمع نقية رقم 6 & المجموع الصفوي لابن العسال ص 423) قد أكدت على هذا المفهوم، وحددت وبشكلٍ لا يقبل الشك رئاسة بابا الإسكندرية علي أساقفة الكرازة المرقصية. فالكنيسة القبطية ترى أن رئاسة الكهنوت لبابا الإسكندرية ليست رئاسة بالمعني الوظيفي التَّسلَّطِي الشّمولي الذي يدور حول الزعامة المطلقة للبابا، لكنها رئاسة روحية كعلاقة "أخ بين أخوة متساويين"، حيث يكون للبابا "تقدم في الكرامة" و "رئاسة بالمحبة" في إطار الكينونيا والشركة المسيحية.

إلا أن هذا المفهوم ليس واضحاً في أذهان بعض الأساقفة، وهذا يتضح في تصرفاتهم وأقوالهم التي تطفو على السطح بصياغةٍ ذَات نَبْرَةٍ حادة وَدَلاَلَةٍ عِدائيّة تهدف إلى إضعاف خطاب قداسته وعرقلة خطواته في تدبير شئون الكنيسة المَنُوطُة به . وتأتي هذه الروح العِدائيّة على حساب روح الوحدة والشركة التي من المفترض أن يتحلى بها مثل هؤلاء الأساقفة. ومن وجهة نظري، فإن الأسباب وراء هذا التَوَجَّهَ الضار مركبة ومعقدة جداً، وترتبط بالإنحدار العام الذي تعاني منه أدبيات العلاقات والحوار الكنسي، فالأساقفة هم أبناء مخلصون لهذه للمرحلة الحالية، والمرحلة التي سبقتها بما فيها من ضياع الهوية وفساد القيم وشكلية التّدَيَّن.

فبعض الأساقفة الحاليين قد رُسموا بيد المتنيح البابا شنودة الثالث، لهذا لا يشعروا نحو البابا تواضروس بنفس الولاء أو التلمذة أو البنوة الروحية التي شعروا بها تجاه البابا شنودة. فالبابا تواضروس قد رَسَم خمسة وأربعين أسقفاً بالإضافة إلى ترقية تسعة عشر خور إيبسكوبوس، أما بقية أساقفة المجمع المقدس ( أقل من مئة وثلاثين أسقفاً) قد رُسِمهم المتنيح البابا شنودة الثالث. وبسبب تداعيات المرحلة والظروف التي مرت بها الكنيسة في بطريركية البابا شنودة، رَسَمَ قداسته الكثير من الأساقفة من أهل الثقة، وليس من أهل الكفاءة أو الخبرة أو الإستحقاق أو حتى الروحانية التي ظهرت في تصرفاتهم وتعاملاتهم العملية والواقعية التي لاحظناها في كنائسنا. فكان البابا شنودة الحبل الواصل بينهم، وكانوا هم أتباعه، يحبون ما يحب ويكرهون ما يكره في مناخ ضاعت فيه هويتهم وشخصيتهم أمام شخصية قداسة البابا شنودة الشديدة الكريزماتية. لهذا رأيناهم يفقدون توازنهم عندما إكتشفوا قدراتهم الحقيقية بعد نياحته، حيث اضطروا إلى أن يأخذوا قراراتهم بأنفسهم دون إرشاداته، فتفرقوا إلى عدة جبهات عضدت بعضها البعض أحياناً، كما تصارعت في أحيانٍ أخرى. وصار لكل جبهة نفوذها وعلاقاتها المتعددة والمتشعبة داخل الكنيسة وخارجها، يقودها ويقود خطابها أساقفة لم نسمع عنهم في أيام بطريركية البابا شنودة. الأمر الذي أظهر الخلافات الكنيسة كَوَضَح الشمس في كَبِدِ السَّمَاءِ على ألسنه هؤلاء الأساقفة الذين لا يَمَلُّوا من إعادة تدوير محاضرات البابا شنودة دون إبداع أو تمييز أو تحقيق أو تفكير في الظروف والمُلَابَسَات التي قيلت فيها هذه المحاضرات. وقد اِستَفحَلَ إحساس هؤلاء الأساقفة بعدم الأمان والتَّخَبُّطِ حينما تنيح فجأة نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوي - سكرتير المجمع المقدس السابق والرجل الأقوى في الكنيسة - الذي كان يمثل دعامة من دعائم القيادة والتدبير في أيام قداسة البابا شنودة.

والذي يزيد الأمر تعقيداً أن الرهبنة - وهي المَعِينُ الذي يُخْتَارُ منه الأساقفة - تمر في وقتنا الحالي بحالة ضعف لم تمر بمثلهِ من قبل حتى في أسوء عصورها. والذي يقرأ تاريخ الكنيسة القبطية يعلم أن نهضتها مَمْسوكة في علاقة طردية مع نهضة الرهبنة، فالرهبنة هي قلب الكنيسة النابض إن صحَّ صحَّت الكنيسة، وإن مَرِضَ مَرِضَت معه الكنيسة. بالإضافة، فإن بعض الأساقفة الحاليين قد رُسِموا أساقفة قبل أن يترهب قداسة البابا تواضروس أو يرسم أسقفاً، لهذا نلمح في خطابهم الإمتعاض والاستياء وأحياناً الحَطّ من شخص قداستة - ويهيأ لي أن البعض منهم يعاني من مرارة الشعور بأنه أجدر من قداسته بمكانة بطريرك الأقباط بحسب الأقدمية. ولهذا نجد بعضهم لا يُفَوَّت فرصة للمزايدة على قداسته، أو التقليل من أرثوذكسيته أو حرصه على الكنيسة وعقائدها. فنراهم يهاجمونه إما بشكل مُعْلن من خلال خطاب شخصي لا يعبر عن رأي كنيستنا القبطية، لِيُلْحِقَوا بسمعته شَرّاً، أو من خلال الجيش الإليكتروني الذي لهم على مواقع السوشيال ميديا ليل نهار.

هذا الجيش الإلكتروني يحتاج إلى مقالات بمفرده، لعلَّي أستطيع أن أكتب عنه في الأيام المستقبل القريب - فإلى اللقاء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عامان بعد حريق مهول... كاتدرائية نوتردام في باريس تسعى لاستع


.. عامان بعد حريق مهول... كاتدرائية نوتردام في باريس تسعى لاستع


.. تجارة الوهم / قناة الانسان / حلقة 84




.. خواطر رمضان ... الشهر الكريم حدث كونى يفتح خلاله أبواب الجنة


.. قناة الانسان