الحوار المتمدن - موبايل


مدينة الثورة والاشكال الأولية للدين -القسم السادس

صوت الانتفاضة

2020 / 9 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ينحدر سكان مدينة الثورة من الريف الجنوبي، وتحديدا من مدينة العمارة، انشأها الزعيم عبد الكريم قاسم في بغداد بداية الستينيات من القرن العشرين، وكان السبب في انشاءها تلافي انتشار العشوائيات "الصرائف" بشكل كبير في بغداد، اطلق عليها عدة تسميات، فكان اسمها يتغير مع تغير أي نظام سياسي، وهي خاصية تمتعت بها هذه المدينة، فعند انشاءها اطلق عليها اسم "الثورة"، وبعد انقلاب شباط 1963 اطلق عليها تسمية "حي الرافدين" ثم بعد مجيء صدام للحكم اطلق عليها "مدينة صدام" وبعد احداث 2003 وسيطرة جيش المهدي عليها تسمت ب"مدينة الصدر"، هذه التسميات المتعددة تدل على وجود صراع محتدم على من يحكمها، لكن الى اليوم الناس تتداول الاسم القديم لها "الثورة"، رغم المضايقات التي تعرضوا لها من قبل البعثيين ثم الصدريين.
منذ 2003 ومدينة الثورة تأخذ بالتوسع العشوائي شيئا فشيئا، فالضغط السكاني جعل هذه المدينة في حالة انفجار، فجاءت "الانفراجة" عام 2003، غابت الدولة بكل معانيها، وسيطرة قوى مسلحة عليها "ميليشيات، عشائر، عصابات، بلطجية"، سمحت هذه القوى للأهالي بالاستيلاء على جميع دوائر الدولة ومقرات حزب البعث –بعضها احتفظت بها هذه القوى المسلحة لنفسها وجعلتها مقرات لها- وصنعت منها مساكن، بعد ذلك بدأت الناس تزحف على الساحات الفارغة والمتنزهات محولتها الى مساكن، حتى البيوت التي تقع على الشوارع الفرعية، فقاطنيها اخذوا المساحة التي امامهم، وقسمت البيوت، التي كانت مساحتها 144 مترا مربعا الى اقسام اصغر واصغر، باتت المدينة مغلقة تماما، لا يوجد فيها متنفس؛ الميليشيات المسيطرة عرقلت مشاريع بناء وحدات سكنية، مشروع ما يسمى" 10×10" ذو البناء العمودي، بحجة انه لا يتلاءم مع تقاليد وعادات سكان هذه المدينة، مع ان جوهر الرفض هذا كان يخفي امرا اخر، هو عدم تشظي وتشتت جمهورها، وبالتالي فأن هذه الميليشيات تفقد قوة جماهيرية كبيرة، تنفذ بها كل سيناريوهاتها.
سكان هذه المدينة يتكاثرون بشكل كبير، وهناك جملة أسباب لذلك، قد يكون أهمها الفكر الذكوري المسيطر عليها، والمفاهيم العشائرية السائدة، هذا التكاثر حدا بها الى الزحف على مناطق زراعية وصناعية، فنشأت مناطق (سبع قصور، الغرير، الحميدية، حي الكوفة، حي طارق، المعامل، جف تنك، شاعوره ام جدر، الرشاد، الدسيم، حي النصر) هذه المناطق لها ملحقات تسمى "الحواسم" وهي كثيرة، تبدأ من "حواسم" المناطق المحاذية ل (الحبيبية، البلديات، العبيدي، الشماعية) الى مناطق (الطالبية، ام الكبر "توزيع أبو درع"، منطقة السدة).
هذه المناطق بدون خدمات تماما، الشوارع ترابية، خطوط نقل الطاقة الكهربائية بدائية جدا، مياه الشرب متقطعة وغير صالحة للشرب تماما، يعتمدون بشكل كبير على حفر الابار، الصرف الصحي في هذه المناطق اما تصرف المياه الثقيلة على مشاريع أنهر قديمة، او وجود حفرة "بلوعه" في كل بيت، لا يوجد أي مستشفى في جميع هذه المناطق، بل ان الحميدية تخلو من اية عيادة، طب الأعشاب و"أصحاب الكرامات من الساده والشيوخ" هم المزدهرون هناك، المدارس اغلبها "كرفانات" وليست بناء، ومنظر تلك المدارس سيء جدا، بل بائسة، لا يوجد فيها أي مقومات للتعليم، مزدحمة بالتلاميذ "60 تلميذا في الصف الواحد"، هذه المناطق تغرق في الشتاء بشكل تام، ويحتجز ساكنيها في بيوتهم، وفي الصيف فأن الحياة اقسى، الحرارة العالية وسحب التراب المتطاير، تقلل نسبة الاوكسجين بشكل كبير، البطالة قد تكون العلامة الأبرز هناك، فالوضع المعيشي البائس متأت أصلا من البطالة، مما ينعكس سلبا على سلوكيات الناس، فتراهم في مزاج حاد جدا، وتكثر فيها المشاكل الاجتماعية.
هذه المناطق ومنذ سبعة عشر عاما لم تقدم لها اية خدمات ومن أي نوع كان، وهو فعل تتقصده سلطة الإسلام السياسي والميليشيات المسيطرة، فحتى يستمروا بالسيطرة عليها، وجعل هذه الناس ادوات بيدهم، فيجب بقاء هذه المناطق متخلفة ومنهارة من جميع جوانبها، لا يمكن تصور البؤس هناك، حتى لو كنت روائيا من طراز ديستوفسكي او اميل زولا، واقع يدعو للرثاء والحزن، الطفل عندما يمرض تعلق بيده او حول رقبته قطعة قماش خضراء "علگ"، والذي يشتري "تكتكا" او "ستوته" او "سايبا" يلف جزءا منها ب "العلگ"، إذا كانت في بيتك شجرة او بقرة فيحتم عليك لفها ب "العلگ"، قطعة القماش هذه تمتلك قوة سحرية في مدينة الثورة ومناطقها، تجدها معلقة في كل مكان.
في مدينة الثورة ولواحقها تلك إذا تطلب بناء مدرسة او روضة او تعبيد شارع فلن تجد إجابة، لكن إذا طلبت المساعدة في بناء "موكب حسيني" فأن القوى المسلحة تهرع اليك بشكل فوري، فترى الناس في تلك المناطق تصرف على "المواكب" أكثر من الصحة والتعليم وباقي الخدمات، ما يجعلهم الأداة المثلى بيد قوى الإسلام السياسي الفاشي.
يتبع لطفاً.....








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترقب لزيارة بابا الفاتيكان الاستثنائية إلى العراق


.. ترقب لزيارة بابا الفاتيكان الاستثنائية إلى العراق مع وعود حك


.. اشتقنا للبيت الحرام.. كيف سيحج المسلمون هذا العام.. الشروط و




.. بابا الفاتيكان يستعد لزيارة العراق لأول مرة.. تعرف على محطات


.. تعرف على أبرز الطوائف المسيحية في العراق