الحوار المتمدن - موبايل


مجتمع ابو البكرة وتاريخية الاستغلال والموت (٥)

وليد المسعودي

2020 / 9 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مجتمع ابو البكرة وتاريخية الاستغلال والموت (٥)

المشكلة العشائرية والسلاح المنفلت

لا يمكن ان تتجاهل اي سلطة في العراق طبيعة المسألة العشائرية ، لما فيها من طبيعة متمردة ، صراعية حول الملكية والاراضي وبالتالي تشكل السيطرة على العشائر هم ومسعى السلطة مهما اختلف تكوينها ، قديم أو حديث وبمختلف الوسائل كالترهيب والترغيب والقمع والافقار ولم تستطع اي سلطة في العراق منذ تكوين الدولة العراقية الحديثة عام ١٩٢١ الى وقتنا الحاضر حيث دولة العرق طائفية الفاسدة ، لم تستطع :

١_ تحسين الأحوال الانسانية المعيشية للفلاحين وللعشائر
٢_ دمج العشائر المهاجرة من الريف الى المدينة ضمن مجتمع حديث قابل للتطور مع مرور الزمن
٣ _ عدم التخلي عن سياسة " كسب الرؤوس " وجذبهم بوسائل الترغيب والترهيب
٤ _ انهاء الصراعات والعادات والتقاليد العشائرية البائدة

الانكليز والاقطاع

مع دخول الانكليز الى العراق شكلت المسألة العشائرية اهمية وقلق كبيرين للمحتل ، وبالتالي لم تستطع السيطرة على العشائر إلا من خلال استمالة " رؤوس صغيرة " من شيوخ العشائر لا يتمتعون بالحضور والمركزية داخل عشائرهم حيث تم منحهم اراض واسعة وسلطات كبيرة وبالتالي نشأت لدينا اقلية مالكة للأراضي من شيوخ الاقطاع مع ابعاد الشيوخ الاصليين ومعاملتهم معاملة سيئة للغاية ، هذه السياسة كانت بمثابة " الكرباج " أو السوط المسلط على ظهور الفلاحين الفقراء ، دعمت حكم البريطانيين في العراق ونظامهم الملكي فيما بعد ، وكانت ايضا احد الاسباب المباشرة لاحداث ثورة العشرين التي وقفت فيها العشائر العراقية وقدمت التضحيات والبطولات الباسلة ضد سياسة الجور البريطانية ، ولم يستتب الامر إلا بعد وصول الملك فيصل الاول ودعم نظامه بمساندة الاقطاع ، ومع ذلك ظل الملك فيصل يعاني من سلاح العشائر وقوتها حيث عبر في مذكراته " ان العشائر تملك اسلحة أكثر مما يملك جيشه وقواته الامنية حيث يبلغ عدد سلاح العشائر ٧٥ الف بندقية بينما لا تملك قواته سوى ١٥ الف بندقية "

ارضية خصبة للتمرد

لقد اصبحت المسألة العشائرية في ظل الحكم الملكي تحت قيادة الاقطاع وبالتالي ديمومة مباشرة لعوامل الاضطهاد والقمع والصراع والهجرة من الريف الى المدينة ، وبذلك اصبحت الارضية الفلاحية سواء تلك الموجودة في الريف أو المدينة بحكم الارتباط القرابي ، اصبحت ارضية خصبة للتمرد بقيادة الشيوعيين حيث استطاعوا استغلال هذا الافقار والبؤس والعوز والاهمال من قبل الملكية واقطاعها البغيض ، الامر الذي مكنهم من سرعة الانتشار ، ولأن البيئة الفلاحية كانت خالية من التحريض من قبل رموز التقليد الاجتماعي الدين ومؤسساته " السادوية " من رجال الدين السادة الذين يكسبون الخمس من رموز العشائر من الاقطاع ولم يهمهم على الاطلاق ظلم الفلاح واضطهاده ، ولم يشاركوا في اي تحريض ضد النظام الملكي الجائر ونصرة الفلاحين الفقراء ، لذلك استغل الشيوعيون هذه الفرصة وعبأوا الناس واستطاعوا الانتشار وكسب العشائر مع شيوخها الغير مولين للاقطاع والنظام الملكي حيث التأييد والمشاركة في وثبة حزيران عام ١٩٤٨ ، من خلال ابناء الفلاحين الفقراء من عمال السكلجية ، وصولا الى دعم ومساندة ثورة ١٤ تموز تحت قيادة الزعيم عبد الكريم قاسم لانه انصفهم كثيرا من خلال اعادة توزيع الأراضي للفلاحين وسن قانون الاصلاح الزراعي وانشاء الجمعيات التعاونية الفلاحية التي كان للشيوعين الدور الكبير في المشاركة فيها ودعمها .

العشيرة والمدينة .. اندماج مؤقت

مع ثورة ١٤ تموز تم دمج العشائر المهاجرة من الريف الى المدينة في بيوت ومدن حديثة استطاعت ان تستوعب اعداد كبيرة منهم ، مثل مدن الثورة والشعلة والحرية وغيرها من الدور الحديثة الموزعة على العمال والموظفين والمعلمين والمهندسين والضباط ، وهكذا دخل المجتمع العشائري لاول مرة واختلط مع المجتمع المنظم المديني الى درجة الاندماج ولو بشكل مؤقت وسطحي ظهر من خلال الاقبال على مباهج الحياة الدنيا وحداثتها خصوصا بعد ظهور الاجيال التعليمية الاولى ، ومع مرور الزمن نشطت داخل المدن الشبحية العشائرية نزعات مدينية ، سياسية ، ثورية ، تقدمية ، دنيوية مختلفة اشد الاختلاف عن اجيال التقليد الاجتماعي " ديني عشائري " ، وكان المهيمن على هذه الاجيال تيارات السياسة المعروفة من الشيوعيين والقوميين الناصريين والبعثيين ، نقول ظهرت الى السطح طبقات التحديث الاجتماعي الجديد وشكلت اثرا بنيويا ليس على ولادة الاشكال الحديثة نسبيا فيما بعد بل حتى على الجيل التقليدي القديم *

اذ بدأت تتراجع طبقة التقليد الاجتماعي ( ديني عشائري ) لتمكث خلف الحديث ولو بشكل مؤقت ، وبالطبع هذا التغيير مدعوم أيديولوجيا من قبل النسق السياسي السلطوي الجديد ، تحالف ( البعث والشيوعيين ) في السبعينيات حيث تطور وظهور موجات حداثية متقدمة رافضة للرجعية في شكلها الديني والعشائري ، اذ تم رفض والغاء اي ذكر للالقاب العشائرية في مناصب الدولة والمجتمع في هذه الفترة " الهجومية " دون اي بناء تحتاني حقيقي يذكر للحداثة والحرية والعلمنة ، بدأت بوادرها بالتناقض بين دعوات ايديولوجية للتقدم والحداثة ورفض التخلف والرجعية من جهة و بالقمع وكثرة السجون للمختلف السياسي وخصوصا من الشيوعيين والقوميين الناصريين من جهة أخرى ، وبذلك انكشفت الاوهام على هذا التحديث الانفجاري المؤقت مع صعود صدام حسين إلى السلطة وحربه مع ايران وحاجته الى العشيرة لضبط الامن ولكسب الرؤوس الكبيرة بواسطة الترغيب والترهيب وعودة الالقاب من جديد بشكل يدعم " الرأسي " العقال لما فيه من قيمة رمزية محركة للمجتمع وقامعا للجسدي الحداثة تلك التي سوف تتسع مع مرور الزمن ليعود إلى السطح حليف الرأسي العشائري غطاء الدين والطائفة الذي كشف عن وجهه القبيح هو الاخر بعد حرب عاصفة الصحراء وتحرير الكويت .

العشيرة والدكتاتور بين الترهيب والترغيب

لقد احتاج صدام حسين إلى العشيرة لمساعدته على فرض الهيبة وخصوصا في المناطق الوسطى والجنوبية ، لذلك تم اعادة الاعتبار لرمزية اللقب بعد أن توارى عن الاذهان سلطويا على الأقل في فترة السبعينيات ، تم اعادة الاعتبار مع احاطة المجتمع برهبة وخوف لا يستطيع تجاوزهما .

ساعدت العشيرة على تضخيم صورة القائد بواسطة الاناشيد والاهازيج والتملق المتزايد عن حده لشخص قائد الضرورة ، وبالمقابل هناك الاشتغال المستمر ضمن خطين اولهما الترغيب لرؤوس العشائر الكبيرة بواسطة الجزل في العطايا والهبات والتقريب لذاتية السلطة ورموزها من حزبية وسياسية وشخصية لحزب البعث وللدولة الشمولية ولشخص قائد الضرورة وهذه الثلاثية متحدة في اطار الاستبداد الطويل المستمر في استغلال المجتمع العراقي ، وثانيهما بواسطة الترهيب الذي تمثل بالتخويف والقمع الوحشي والابادة ، مع المعارض والرافض لسلطة الشمول العقائدي ، وبالفعل هناك الكثير من من العوائل التي تنتمي إلى عشائر معروفة هربت من العراق إلى ايران وتركيا من العرب والاكراد ، والاخيرون ذات ارتباط وتكوين عشائري سواء للمعارضين أو الموالين عمقيا وما يظهر للسطح احزاب وتشكيلات سياسية حديثة .

طيلة عمر الدكتاتورية الصدامية لم نكن نسمع عن صراعات عشائرية تحدث هنا وهناك ، وقد كان الضامن لهذا الاختباء هو بالطبع عوامل الترغيب والترهيب للرموز الكبيرة من هذه العشائر ، وليس التطور المديني للارياف ، حيث هذه الاخيرة استمرت طيلة ثلاثة عقود تصدر للمدن الايدي العاملة والفقر المتزايد والسكن في مدن شبحية جامعة في تكوينها الفكري بين الريف والمدينة خصوصا مع تجفيف الاهوار وموت الكثير من التجارب والمشاريع الزراعية في الجنوب ، لم نكن نسمع عن صراعات عشائرية إلى أن زال الخوف وسقط الصنم وحينها عاد المجتمع وما يزال إلى مجتمع اللادولة المحتمي بالكيانات القديمة ذات التأسيس الاولي للفرد كيان القبيلة وان لم يتوفر فهناك كيانات اخرى قابعة داخل العصبة المسلحة من الجماعات الإسلامية الميليشياتية فهي حامي وضامن لمن يفتقد او يضعف لديه الكيان العشائري المنقسم هو نفسه في الولاء لهذا الحزب أو ذاك لهذا الزعيم أو ذاك ضمن حدود النسبي .

* عين جدي على كبر حارسا في الاصلاح الزراعي ، وجدي من مواليد بابل ١٩٠٩ ، وهو فلاح في الاصل ، بالرغم من ارتدائه بدلة كاملة حديثة لم يستطع نزع العقال لما فيه من قيمة معنوية لديه وبذلك شكل هو وانصاره من جيله المندمج داخل الدولة الحديثة عامل ارتباط مزدوج يجمع لباسين في آن واحد بين الريف " الرأسي" العقال وبين المدينة " الجسدي " البدلة الحديثة ، ويا له من تناقض لم يدم طويلا .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لوري واتكينز: إعلان إيران زيادة تخصيب اليورانيوم أمر مقلق لل


.. رئيس الحكومة اللبنانية يدعو الدول العربية لمساعدة لبنان


.. وزير الخارجية المصري يبدأ جولة إفريقية لتوضيح موقف القاهرة م




.. فيتشسلاف ماتوزوف: أعتقد أن الرد الروسي سيكون مناسب على كل دو


.. المعارضة التركية تسأل أردوغان: أين الـ128 مليار دولار المفقو