الحوار المتمدن - موبايل


مدينة الثورة والاشكال الأولية للدين -القسم الثامن

صوت الانتفاضة

2020 / 9 / 19
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


تنحدر ميليشيا جيش المهدي من أوساط الطبقات الكادحة والعاملة والعاطلة في مدينة الثورة، قبل التأسيس 2003 كانوا مجموعة شباب نزلوا الى الشارع، لينظموا السير ويرفعوا النفايات، كانوا قد وضعوا شارات تميزهم، بعدها تم الإعلان عن تأسيس جيش المهدي 2004، الذي دخل حلبة الصراع بكل قوة، مع اعلان كوندا ليزا رايس عن استراتيجية "الفوضى الخلاقة".
هذه الميليشيات الإسلامية المتمثلة بجيش المهدي، والمسيطرة بشكل تام، لم تسمح بأية قوة سياسية او فكرية ان يكون لها مكان في مدينة الثورة، حتى لو كانت قوى إسلامية من ذات المنهج، فحزب الدعوة مثلا اخذ موقع في أطراف المدينة، وهو موقع شكلي جدا، اما الفضيلة او بدر او اخرون فلديهم مواقع هي أيضا في الأطراف، وهي ايضا شكلية، فيما مضى كانت لبعض هذه المقرات "وجود" ففيها حراس وتنعقد فيها اجتماعات، وتقيم الاحتفالات في المناسبات، لكن الأوضاع تغيرت كثيرا، وبدأ جيش المهدي يفرض سيطرته بالقوة، وقد انسحبت هذه القوى بالكامل، فشكل السلطة في العراق هي للميليشيات، وهذه الميليشيات كل واحدة منها استولت على مناطق معينة، وبها فرضت سلطتها، واتفقت هذه الميليشيات فيما بينها على عدم مساس أي طرف بحقوق الطرف الاخر. "نقل تجربة إقليم كوردستان".
الشيوعيون والعلمانيون واللبراليون وبقايا البعث، هؤلاء جميعا انزووا والتزموا جانب الصمت، بعد حملات دموية وعقابية بحقهم، بل ان قسما منهم بدأ يمارس الطقوس الدينية، خوفا على حياته، وإذا ما سألت عن هؤلاء فأن الناس سترشدك إليهم، تجمعاتهم معروفة، والساحات والمقاهي التي يلتقون بها معروفة، والناس هناك تصفهم بأنهم مجموعة "طيبة واخلاقهم عالية" و "ليس لديهم علاقة بأي شيء" او يقولون انهم مجموعة شاربي خمر "عرگچية"، وإذا عرف أحدهم أنك "شيوعي" فحتما سيقول لك "ها أبو نواس"، لا صراع طبقي ولا عمال وبورجوازية ولا علاقات انتاج.
الناس في مدينة الثورة لا تفرق ابدا بين "العلماني والشيوعي" فكلهم واحد بالنسبة لهم، وهذا الفهم لم يأت من فراغ، انها عملية مدروسة بدقة، فعندما يصعد رجل دين المنبر، في مجلس عزاء او جامع او حسينية، ويلقي خطبته، دائما تجده يتعرض للشيوعيين، فيسخر منهم، ويحذر الناس بأن لا يتقربوا منهم، فهم ملحدون، ويدعون للإباحية الجنسية، وان "شارب الخمر كمن يزني بأخته" وان اسئلتهم تبعدك عن الله الخ هذه الحملة المسعورة، بالتالي فأن سكان مدينة الثورة تتربى على نمط تفكير واحد محدد، لكي يضمن للميليشيات ديمومة السيطرة.
كل جوامع وحسينيات مدينة الثورة تابعة بشكل نهائي لميليشيا جيش المهدي، كانت بعض هذه الجوامع تابعة للمنافس اللدود لجيش المهدي، "جماعة السيستاني"، وكانت تلك الجوامع بارزة بسبب انهم لا يقولوا في الصلاة الكلمات التي يقولها أنصار جيش المهدي "وعجل فرجه والعن عدوه وانصر ولدهم مقتدى"، فتحولت هذه الجوامع الى ساحة صراع، كانوا "جماعة السيستاني" يصفون جيش المهدي ب "الزعاطيط" و "المسلبچية" و "النگرية" وغيرها من التسميات والتوصيفات التي كانت تستفز جماعة جيش المهدي، في مقابل ذلك فأن جيش المهدي وانصاره كانت لديهم أيضا توصيفاتهم عن "جماعة السيستاني"، فكانوا يسموهم مثلا "جماعة النايم" او "النوامه" او "جماعة المخده"، وكان هناك شارع في سوق مريدي يبيع اسرة "دواشگ اسفنج"، وقد اٌطلق على هذا الشارع تسمية ساخرة "شارع السيستاني"، لم يكونوا "جماعة السيستاني" بقوة او شراسة جيش المهدي، فانسحبوا من حلبة الصراع، وتركوا الجوامع والحسينيات ومجالس العزاء.
كانت –ولا زالت- ميليشيا جيش المهدي في مدينة الثورة تتمتع بقداسة عند أنصارها، وتعد خطا احمر، هم الى اليوم يقيمون صلاة الجمعة امام مقرهم "مكتب السيد"، ويقطعون كل الطرق، وينتشرون بشكل مكثف، لم يبدلوا مكان الصلاة او يبنوا جامعا كبيرا يستطيع تحمل كل تلك الاعداد الكبيرة من المصلين، رغم الأموال والأراضي التي يملكوها، وكان ذلك لسببين، أولهما ان الصلاة هي استعراض بشري اسبوعي، يؤكدون فيه قوتهم، وبأنهم المسيطرون على المدينة، وثانيهما ان الصلاة تشدد أكثر على تلاحمهم، فهم يخافون من انفراط عقدهم.
عندما أراد جيش المهدي فرض سيطرته الكاملة على مدينة الثورة سن مجموعة من العقوبات على المجتمع، شملت هذه العقوبات "شاربي الخمر" و "صالونات الحلاقة" النسائية، ومجموعة الشباب ذوي الاشكال الجميلة والمختلفة، والذين أطلق عليهم تسمية "جراوي"، وعقوبات للنساء "المتبرجات"، أيضا شملت العقوبات التأديبية مجموعة المقاهي التي تسمح بلعب "الدومينو" او "الشطرنج" او "الطاولي"، وعقوبات لأصحاب محلات بيع أقراص "السي دي"، بحجة انهم يبيعون أفلام "السكس"؛ كانت حملة كبيرة استمرت سنوات، حتى تم اخضاع هذه المدينة بالكامل، لكن بعد سيطرتهم عليها سٌمح لكل ذلك بالرجوع الى طبيعته، بشرط ان المدينة تكون تحت سيطرتهم، وكأن هناك عقد بٌني بين الأهالي وجيش المهدي، يقول: "تستطيعون ان تفعلوا ما شاء لكم بمقابل الرضوخ لسيطرتنا عليكم".
يتبع لطفاً.....








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ”اطلب من البابا“…العراقيون يتمنون من بابا الفاتيكان أشياء لا


.. شبيح يمثّل أنه في الجنة مفتقداً رفاقه في جهنم... و-الإخبارية


.. أفغانستان: تنظيم -الدولة الإسلامية- يتبنى اغتيال ثلاث موظفات




.. بايدن يخيِّب آمال “الإخوان” وإيران.. فما علاقة ولي العهد الس


.. العراقيون يواصلون الاستعداد لاستقبال بابا الفاتيكان