الحوار المتمدن - موبايل


ركائز التضليل الإعلامي في المشرق العربي

نعيمة عبد الجواد
أستاذة جامعية، وكاتبة، وقاصة، وشاعرة، وروائية، وباحثة، ومكم دولي

(Naeema Abdelgawad)

2020 / 9 / 27
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ركائز التضليل الإعلامي في المشرق العربي
تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي حالياً – وخاصة في دول العالم الثالث - دراسات غريبة تدور حول أمور عجيبة تنافي مع العقل والمنطق. وعند الاستشهاد بها، يدلل أنها دراسات أجنبية، كانت عن طريق إجراء تجارب علمية أو عمل استطلاعات رأي. وعلى هذا، تطرح نتائج تلك الدراسات بكل ثقة في لقاءات إعلامية، وصحف محلية، وتفرد لها صفحات في وسائل الإعلام المقروء؛ لأنها دللت على صحة أقوال كان يرفضها العقل والعلم، وأحياناً الأخلاق. وبالطبع، لن يكذب أو يخالف أحدهم تلك الدراسات؛ لأنها من مصادر أجنبية. فعلى سبيل المثال، من القضايا الشائكة التي تهدد كيان المجتمع العربي التقليدي حالياً قضية ميل الرجل الشرقي للتعدد في علاقاته النسائية بالزواج أو خلافه. فالمرأة المستنيرة تمج هذا السلوك، ويرفضه العقلاء من الرجال، أو قد يبررونه على استحياء. لكن، ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات تؤكد أن ميل الرجل للتعدد والخيانة شئ فطري لا يد له فيه لأن الخالق أودع به هرمونات وإنزيمات خاصة يفرزها مخه، أو يضخ الدم بجسد الرجل بطريقة معينة تجعله أكثر شهوانية. الغريب، أن الجهة التي تجري مثل تلك الدراسات الغير منطقية غير معلومة، لكن ما يعلمه المجتمع المتداول به نتائج تلك الدراسة أنها صدرت عن مركز أمريكي، أو إنجليزي، أو أوروبي؛ أي ينتمي لجهات غربية يكن لها وطننا العربي الولاء ويعزو لها المصداقية المطلقة. وأخيراً، تزييل النتائج بعبارة دينية حتى تغلق الأفواه المتشككة وتصدق على المصداقية.
وعلى نفس المنوال، عندما يحل بالعالم حدث هام، نهرع لمحطات الأخبار الأجنبية لتحري صحة الحدث، ولمعرفة المزيد عما يدور وراء كواليس الحدث. ومن ثم، تسنح لنا الفرصة لسماع تحليلات للموقف، مع بضع من التكهنات عما سوف يؤول إليه الوضع في المستقبل. وقد نفسر ذلك منطقياً بأن موقفنا اللا إرادي إزاء الأحداث على ساحة العالم الغربي ينجم من يقين بأن ما يحدث على الصعيد العالمي خارج حدود وطننا، لسوف يتحدث عنه الغرب أفضل؛ لأنه يحدث في عقر دارهم، وهم على دراية بما يدور في فلك دولهم. لكن غير المقبول هو تكرار نفس الموقف عند إندلاع حدث في وطننا العربي أو حتى داخل حدود دولتنا. وتكمن المشكلة ليس فقط في الأفراد، بل أيضاً في وسائل الإعلام التي تهرع لنقل تغطية الإعلام الغربي لكشف خبايا واقع نعيشه نحن. وتفسير ذلك الوضع الغريب لا يعزى لتغلغل آثار الاستعمار في بلادنا فقط، بل أيضاً لأن الدول النامية التي قهرها التضليل الإعلامي، والإعلام الموجه -- تسم الإعلام الغربي بمصداقية كبرى؛ لأنه وبكل شجاعة يكشف حقيقة الأوضاع بلا زيف – كما هو شائع – ولأن الغرب لا ينبري للتطبيل والتهليل لأحدهم خشية غضبته، أو رغبةً منهم في الحصول على بضع من عطاياه.
وكلما وجد الفرد قناة إعلامية - سواء مكتوبة، أو مسموعة، أو مرئية - تتمييز بالنزاهة وكشف المسكوت عنه من الأحداث، يتبين له بعد وهلة قصيرة أنها تخدم أهداف فصيل سياسي أو أيديولوجي معين، وأن نسبة الحقيقة فيما يذكره المنبر الإعلامي من وقائع وأحداث حقيقية وجريئة تعد هامشية عند مقارنتها بكيفية تطويع الحدث المذكور لخدمة أهدافها الخاصة، وإقناع الآخرين بمدى صحة موقفهم ووجهات نظرهم، مما يزيد من تضليل وتخبط شعوب المنطقة. وإمعاناً في التضليل، عند إذاعة الخبر، تأخذ القنوات الإعلامية في الاستشهاد بجرائد ومجلات إخبارية أجنبية لتوكيد صحة ما تسرده من وقائع. لكن المفارقة أن تلك الصحف الغربية مصدر أخبارها الفريد هو النزول للشارع وتوجيه أسئلة عن حقيقة الوضع لأفراد من أبناء تلك الدول. لأن تفاخر القنوات الإعلامية العربية بالمصادر الأجنبية عار سببه الانبهار بكل ما هو غربي. ولقد كان من الأحرى ستر ذلك العار بنزول الصحفيين المحليين بأنفسهم للشارع بدلاً من الحصول على معلومات من مصدر أجنبي. لكن، لو نفذت القنوات الإعلامية العربية تلك الاستراتيجية، لحرمت نفسها التعبير عن رأيها بكل قوة؛ لأن تمجيدها للغرب يمنحها الشعور بأن لها ظهير ونصير قوي يسندها وقت الهجوم على آرائها المغلوطة.
ولا يعني ذلك أن النقل عن مصادر أجنبية يتم حرفياً وبكل أمانة؛ لأنه يحدث على نحو انتقائي. وغالباً ما يتم تحريف المحتوى إذا لم يتوافر به ما يخدم وجهات نظر يشوبها العوار. فعلى سبيل المثال، بضع الحكايات المنقولة عن بطولات وإخفاقات الحرب العالمية الأولى والثانية، ومقولات الزعماء غالباً إذا لم يجد به الإعلامي العربي ما يثبت وجهات نظر – والتي في كثير من الأحيان يشوبها عوار- يشرع في تطويع الحدث لخدمة أغراض آنية، فيبدأ نسب وقائع أخرى للحدث من وحي خياله الإعلامي؛ وذلك لإثبات وجهات نظر لا تمت للواقع بصلة.
وفي بعض الأحيان، يكون التدليس بالغ جداً عند تناول موضوع شائك، يتناول مثلاً أوضاع أمنية وعسكرية. ويدمغ الإعلامي آراءه بأنه نقلاً عن مصدر أجنبي ذو اسم رنان، وغالباً ما يكون هذا المصدر موقعاً إخبارياً مشكوك فيه، لكن اسمه طنان؛ لأنه مزيجاً من أسماء مصادر إعلامية شهيرة موسومة بقدر عالي من المصداقية - مثل الهيرالد تريبيون، والنيويوركر، والتايمز- وضعت جميعاً دفقة واحدة كاسم للموقع الأجنبي لكي تدمَغه بالمصداقية. وعند التحري عن تلك المواقع، تبين أنها تنتمي لمجموعة من الطلاب الهواة الذين يعبرون عن وجهات نظرهم، أو كان مجرد مشروع تخرج توقف الموقع عن العمل بعد التخرج. ومن المضحك، هو محاولة بعض الإعلاميين النقل بأنفسهم عن مصادر أجنية، دون وجود دراية كافية بطبيعة المصدر المنقول منه. فعلى سبيل المثال، هناك بعض وسائل الإعلام التي تهوى الأخبار الساخنة وجدت ضالتها في النقل من موقع أخباري متأجج الآراء؟، ويهوى كشف المستور. موقعاً ساخراً، تقوم فكرته على وضع المشاهير من الزعماء والساسة في مواقف تعلق على عالمنا المعاصر في إطار ساخر، مما يجعل الشخصية تتفوه بأقوال تتناسب والتعليق على تلك المواقف، ليس إلا. والمحزن، أن الإعلام قام بنقل ما تتفوه به هذه الشخصيات وجعل منها حقيقة ثابتة تترسخ في ذهن المتلقي. والمحزن هنا التكاسل عن تقصي طبيعة الموقع، الذي هو برئ مما ينسب له. والمضحك، أن هذا الموقف تسبب في حالة من اللغط والاستنكار للمادة الإعلامية بالموقع، والتي أفضت إلى تعرض الموقع لهجوم موحش، في حين أن السبب هو تكاسل الجهة الإعلامية الناقلة عن القيام بالتحري عن طبيغة الموقع.
ويصل التضليل الإعلامي لذروته عند جهل الإعلامي بالترجمة الصحيحة لبضع المصطلحات، وخاصة المصطلحات الدارجة التي يتغيير معناها حسب السياق المذكورة فيه. فعلى حسب السياق، قد يتحول مصطلح عادي إلى سب قاذع. وعلى هذا، بسبب جهل في الترجمة، تتحول عبارات دراجة إلى ألفاظ نابية أو شتائم موجهة. وقد تقتبس جهات أخرى تلك الترجمة المغلوطة، مما يحيل الصديق لعدو، والعكس صحيح . فالجهة الإعلامية تجنح للترجمة الإنتقائية لإثبات وجهة نظر خاصة أو موجهة. مما يعني أنه أكبر الآفات التي يعاني منها الإعلام هي الاستماتة لإثبات وجهات نظرغير صحيحة.
وقد يقوم الإعلام الراغب في التطبيل والتهليل والتضليل بوصف أحداث عادية بعبارات فخمة، تم شيوعها مؤخراً لتعطي للأشياء وهج زائف. فتصف – مثلاً – جهة إعلامية أن زيارة شخص أو قائد ما قد صارت نصب أعين زعماء العالم، أو أن شعوب العالم تنتظر وتترقب كلمة قائد ما، أو أن كلمات هذا السياسي لم يستطع أحد مضاهاة بلاغتها، إلى ما شابه ذلك من أساليب المبالغة والتفخيم. فعندما فقدت الأحداث العادية رونقها لدي الفرد العادي، أخذ التهليل منحي التفخيم لحدث معتاد. ومن ثم، صار حتمياً استبدال المصطلحات المعتادة بأخرى فخمة وأنيقة. فثلاً كلمة "هام" اختفت من الساحات الإعلاميةو حيث تبوأ مكانها مصطلحات رنانة مثل "تاريخي"، أو"غير مسبوق"، أو"عالمي".
الحديث عن التضليل الإعلامي المتعمد للقارئ والمشاهد العربي طويل، وشائك. لكن يمكن إيجازه في أن "عمليات النصب" تتطلب إجراء تجميل مفتعل ومستمر للضحية؛ حتى تقبل على استبدال كل ما هو نفيس بالخسيس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تنافس بين عدة شركات لتسويق اللقاح ضد كورونا


.. في حوار مع نائب رئيس مجلس النواب اليمني: اليمن تحول إلى ساحة


.. تونس..الدستوري الحر سيتقدم بلائحة لوم ضد الحكومة




.. تشديد الإجراءات الأمنية في بغداد


.. كورونا في أوروبا.. بين مطرقة الإغلاق وسندان إعادة فتح الأعما