الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين اعتزالين

موفق الرفاعي
كاتب وصحفي

(Mowaaffaq Alrefaei)

2006 / 7 / 7
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لم يكن اعتزال واصل بن عطاء خارج حلقة شيخه الحسن البصري في جامع البصرة الكبير مجرد حدث يتناوله المؤرخون باعتباره مقدمة لظهور مذهب الاعتزال او مجرد خبر يتناقله الرواة حول إشكالية المنزلة ما بين المنزلتين وإنما كان موقفاً مبكراً ومنحازاً للعقلانية بمواجهة النقلية الاتباعية السلفية. واستباقا فكرياً برهانياً بمواجهة بدايات التمهيد للعرفانية ولم يكن لنسب أو اصل الانتماء القومي لأيٍ منهما دخل او تأثير في موقفيهما , فكليهما من موالي الفتح...!
كان هذا قبل ان يأكل الفقهاء بفقههم اللوزينج بالفستق المقشور وقبل ان تُحشى أفواههم بالدر والجواهر وحتى قبل ان يبلغ الحال مداه التراجيدي لتُفرَش الانطاع فتتلقى السنة (المتكلمين) والفلاسفة والصوفيين وربما حتى رؤوسهم ....! والغريب ان المحرضين كانوا في الغالب فقهاء وشعراء ومحدثين وإلا كيف نصدق أن شاعراً عذباً رقيقاً مثل علي بن الجهم صاحب (عيون المها بين الرصافة والجسر.. جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري) هو من يحرض المتوكل على تصفية المعتزلة جسدياً ..؟ ألم يقرأ ادوارد سعيد هذا قبل أن يعجب مما اسماه بالوعي المتغطرس لشاعر عذب ورقيق أيضاً مثل لامارتين ...؟
وكان ابن حنبل يشرع من خلال فتاواه لقتل أبي داود وزير المعتزلة في البلاط العباسي والذي كان بدوره قد اضطهد وسجن وعذب ابن حنبل قبل زمن ما أطلق عليه بــ (الانقلاب السني) فيما كان البحتري يدبج اغرب قصائد المديح لهذا الخليفة ..!!( فلو ان مشتاقاً تكلف فوق ما... في وسعة لسعى أليك المنبر).
لم تكن المشكلة في الدكتاتوريين الجديد في راهننا المعاش ولا هي نبتاً شيطانيا لتعالج باجتثاث الدكتاتوريين وباجتثاثه. ولم تكن المشكلة في أننا أغلقنا دون أنوار عصر التنوير والديمقراطية الأبواب والشبابيك وعلينا الآن فتحها ومعها صدورنا لاستقبالها بفرح غامر ولا هي ايضاً- كما يقول البعض- نتاج تخلف المجتمعات العالم ثالثية تحت تأثيرات الفقر والأمية. كل هذه ربما كانت مغالطات لفظية وتبسيط مجحف لا يلامس إلا المظاهر ويتعمد عدم الغوص داخل بواطن الأمور من اجل إدراك الأسباب الحقيقية خوفاً من انهيار المثال الجميل الذي كونته الذهنية التأملية طيلة قرون من الزمن ليصبح حاجزاً يمنع من إدراك الحقيقة . المشكلة تكمن في هذا الركام الذي يطلقون عليه "تراثا".فهو المسؤول مسؤولية مباشرة عن تشكيل هذه العقلية التي تعتقد دائما انها وحدها من بامكانه امتلاك الحقيقة المطلقة , وان الآخر دائما على باطل ,فهو اما كافر او مرتد .حتى قبل مجرد التفكير بالدخول مع ذلك الآخر في حوار حر ونزيه..!
لم تكن المشكلة في البدايات، وانما حصل انعطافاً ما أحدث كل هذه الطفرات في البنى الفكرية البسيطة لتحيله إلى مشكلاتها وتعقيداتها . فالمشكلة ليست في واصل بن عطاء الذي بمجرد ان اختلف مع شيخه وتحلّق حوله مَن يَرون رأيه اصبح له ولمن حوله ايضاً شخصية متميزة . ولا هي في الحسن البصري الذي لم يجد فيما ارتآه تلميذه الالثغ من غضاضة . فتعدد الرؤى أمر وارد ما دام البشر مختلفين فيما يرون. الذي يجب التركيز عليه وإبرازه هو ان الشيخ والتلميذ ورغم اختلافاتهما الجوهرية في الرؤى والتصورات بقيا في نفس الجامع سوية كل يتكئ على اسطوانة من اسطوانته ..!
كان الشيخ مشغولاً عن تلميذه باستعادة تعزيته لعمر بن عبد العزيز بمناسبة تسنمه الخلافة، وكان التلميذ مشغولاً عن شيخه بارتجال الخطب الطوال متحاشياً أي كلمة تتضمن حرف الراء كما يذكر ذلك الجاحظ في البيان والتبيين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سوليفان في السعودية اليوم وفي إسرائيل غدا.. هل اقتربت الصفقة


.. مستشار الأمن القومي الأميركي يزور السعودية




.. حلمي النمنم: جماعة حسن البنا انتهت إلى الأبد| #حديث_العرب


.. بدء تسيير سفن مساعدات من قبرص إلى غزة بعد انطلاق الجسر الأمي




.. السعودية وإسرائيل.. نتنياهو يعرقل مسار التطبيع بسبب رفضه حل