الحوار المتمدن - موبايل


مجتمع ابو البكرة وتاريخية الاستغلال والموت (٦)

وليد المسعودي

2020 / 10 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مجتمع ابو البكرة وتاريخية الاستغلال والموت (٦)

العشائر العراقية .. وفوضى الدم المطلوب

بعد سقوط الصنم انفجرت وتشظت وتبعثرت المؤسسة العشائرية حالها حال المؤسسات الحزبية والدينية والمدنية ، فالعشائر انقسمت الى عشائر اخرى وافخاذ وزعامات ورئاسات وصراعات ، وبالتالي فقدان السيطرة عليها وعلى الواقع المتشظي بدوره بفعل التأسيس السياسي للتشظي والتبعثر والانقسام المحاصصي الطائفي العرقي ، هذا الواقع انتج فردا ضعيفا عاجزا عن الاحتماء بالدولة ، لابثا ضمن كياناته الضيقة الاولى داخل العشيرة والطائفة المسلحتان ، هذا الواقع سمح بادامة الفوضى والصراع وتغييب عناصر التمدن الانساني في التعامل مع أكثر القضايا العشائرية سواء من قبل " الدولة " الضعيفة كسلطة عاجزة عن الحضور أو من قبل المؤسسة الدينية كفاقد للتوجيه والسيطرة على انفلات العشائر وصراعاتها المتتالية ، ومن قبل زعامات العشائر الذين أصابتهم حمى التكاثر والاستنساخ لذات التعامل مع قضايا الصراع العشائرية حيث ارتفاع أسعار الديات والفصول ، وشراسة ودموية التعامل مع الخصوم بعيدا عن القانون باساليب

١_ الحرق

فحرق المنازل اصبحت ظاهرة متنامية في حضورها داخل المدن والارياف اما لجهل في طبيعة التعامل مع الاخر ، الخصم أو لعقد دفينة في اللاوعي الاجتماعي وكيفية التعامل مع الخصوم بهذا القدر من العنف والتخريب والا ما فائدة الانتقام من المكان والارض والشجر والمزروعات والملكية الشخصية ، والذي يتقدم الواجهة دائما هو " الدم المطلوب "

٢ _ القتل الجماعي العشوائي

والدم المطلوب لا يقع على ذات المجرم بل يشمل صلات النسب والانتماء والتواصل مع الدم الواحد المطلوب ، وهنا ترسيخ متزايد لذات الانتقام ، ليأتي القتل العشوائي والجماعي كحل عنفي بدائي ومتخلف إلى حد كبير ، يبقى يلاحق ذوي القاتل ، المجرم وإن لم يمارسوا أثر الاجرام وسحب خطيئته بهم جميعا ، وهذا الأمر لا يقع الا في المجتمعات البدائية التي ترسخ هوية الانتقام في تعدد جذورها وانتمائاتها الشخصية

٣_ التهجير واخلاء البيوت

ومن يفشل في تحقيق المطالبة بالدم المهدور أو المطلوب يتم اللجوء الى التهجير الجماعي للعوائل والمنازل وهذه ايضا من صفات اجتماعية بدوية قديمة كانت تمارسها القبائل فيما بينها عندما كانت تعيش في ظروف اقتصادية واجتماعية ومكانية داخل الصحراء والمدن القريبة والمتأثرة بكيانها من قيم قائمة على النهب والسلب والغزو ،

وعبارة " مطلوب عشائريا " اصبحت ذات صيت مرئي ومحسوس بشكل متواصل داخل المدن الشبحية الجامعة بين الريف والمدينة بسبب الصراعات العشائرية المتواصلة ، وبالمقابل هنالك الضعف في المؤسسات الامنية والقضائية في التعامل مع قضايا الصراع العشائري حيث التنازلات المستمرة تلك التي تفضي إلى إطلاق سراح القتلة والمجرمين وتغيير افاداتهم ومعاملاتهم في حالة التسوية بين الأطراف المتصارعة بمجرد دفع الدية ذاتها أو الفصل العشائري ، وبالتالي لا حق ولا معالجة لافعال جرائم لا تتوقف عن المباشرة في الحضور والتأثير على الواقع الاجتماعي ، ولا توجد قوانين اجتماعية ودينية من الممكن ان تؤثر على ارتفاع الفصول العشائرية المتزايدة هنا وهناك وخصوصا لدى العشائر الساكنة في الشرق والجنوب أو التابعة لها في المناطق الوسطى تلك التي تمارس وتفرض الفصول العشائرية المرتفعة على اتفه جريمة واعقدها ولا وازع اخلاقي وديني يوقف هذه الغرامات التي تثقل كاهل المجتمع العراقي العشائري .

السياسة والعشيرة بعد ٢٠٠٣

حاولت السلطة السياسية بعد ٢٠٠٣ التقرب إلى العشائر ، وهنا السلطة السياسية بجميع مدياتها المتعددة من حزبية وطائفية ، وبالفعل نجحت في كسب زعاماتها ورموزها ، في دعم العملية السياسية الفاسدة من خلال جذب الزعامات في أكثر من عملية انتخابية ، والنتيجة تواصل سياسي في سرقة اصوات الفقراء من العشائر في صناديق مقسمي الوطن والمجتمع لهذه الطائفة أو تلك ، و مع سيئة الصيت " مجالس الاسناد العشائري " التي كان مكمن الهدف من تأسيسها هو فرض الامن والانتصار السياسي العسكري على الارهاب هذا في الظاهر السطح ولكن ما هو حقيقي وباطني هو تكملة الاضافات المتتالية للمؤسسة العشائرية باعتبارها داعمة للسلطان والحاكم تمثلت في تعزيز الولاء الشخصي لرئيس الوزراء نوري المالكي حيث استغل هذا الفاسد ابشع استغلال للعشائر من خلال تقديم الولاء وايصال الفاسدين الى مناصب سياسية رفيعة فضلا عن الجزل في الاموال والعطايا لمشاريع وهمية لم تخدم وتطور واقع الارياف والعشائر بل استمرارية متواصلة لذات النزوح بفعل آثار الفقر والفساد والارهاب المتواصل على أكثر المناطق الجنوبية المنكوبة .

عشائر في ساحة التحرير

ولم تكتف السلطة بتجييش العشيرة لدعم فاسديها وايصالهم إلى السلطة بل تم استخدامهم كصوت معارض لاي مطالب جماهيرية تدعو الى التغيير ، وهنا اعادة نفس سياسات الدكتاتور صدام في تسيير التظاهرات المدافعة عنه هنا وهناك في هذه المدينة أو تلك لتكوينات اجتماعية مختلفة عشائرية ، طلابية ، نسوية .. الخ ولم يصل الامر عند هذا الحد بل تعداه الى الإستخدام المباشر للعشائر داخل " مجالس الاسناد " كادوات للقمع والمواجهة وخصوصا مع المتظاهرين في ساحة التحرير عام ٢٠١١ وكلنا نتذكر جماعات العصي والاكف والصدور العريضة المنفوخة بشكل عدواني متعمد لقمع اي اصوات معارضة لسلطة الفساد العرق طائفية بقيادة نوري المالكي الذي عاث بالبلاد فسادا وتدميرا

هكذا وصل حال الاستغلال للعشائر من قبل السلطة السياسية ، ولم يدخل المالكي وحده حلبة الصراع على امتلاك العشائر بل هناك ايضا بقية الزعامات الدينية والسياسية في العراق من هذه الطائفة أو تلك قبل دخول داعش الارهابي وذلك للاستخدام المباشر كادوات للمقاومة ، مقاومة المحتل الامريكي ، ومقاومة السلطة الطائفية ، بشكل طائفي ايضا تمثل في وقوف ابناء العشائر اما عنوة أو رهبة أو بدافع الانتماء الطائفي البعثي من انصار النظام الدكتاتوري السابق ، تمثل هذا الوقوف في قتل وتفجير وذبح الكثير من الجنود والمواطنين العراقيين بشكل عام والذين ينتمون إلى الطائفة الشيعية بشكل خاص .

هذا الاستخدام السياسي اضعف قوة العشيرة ومركزيتها وجعلها مطية السياسة التي يتحكم فيها الزعماء السياسيين الطائفيين ، الدينيين ولما سقطت المدن العراقية تحت قبضة الارهاب انقسمت العشائر ايضا في ولائها وتبعيتها هناك من ذهب مع الإرهاب الداعشي لاسباب كثيرة وهناك من ذهب وانتمى إلى " الدولة " دفاعا عن الارض والعرض والملكية الخاصة ، من الاستيلاء الداعشي ، وفي المقابل هناك الحشد العشائري كتكوين سياسي عسكري جمع جميع العشائر لمواجهة داعش الارهابي في حرب ذات صناعة دولية طائفية بامتياز قوضت المدن والارياف بالرغم من واجهة التحرير والدفاع عن الوطن والارض هناك ايضا الانتهاكات والاخطاء الكارثية التي فرضتها طبيعة الصراع السياسي والضعف الامني الحكومي وتعدد وكثرة الفصائل المسلحة وعدم القدرة على السيطرة عليها تمثل في سرقة الكثير من الثروات والاملاك الخاصة للمواطنين بعد تهجيرهم بفعل الحرب مع داعش أو بفعل عدم الانصياع لاساليب وسياسات وانظمة داعش الارهابي وفي الحالتين تحمل هذه الاملاك والثروات تسمية الغنائم وذلك بفعل التكوين العقائدي للأطراف الطائفية المتصارعة .

هرمية التخلف العشائري في الازمنة الراهنة

إن واقع العشائر اليوم في العراق لا يشير إلا الى حالة العدمية في التطوير الوجودي للمجتمع العشائري ، من حيث بقاء وثبات الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على حالها دون تغيير يذكر ، فقط هناك الاجترار والاعتماد الذاتي على نظامية وسلوكية هذه العشائر أو تلك ، فالتي تميل إلى الهدوء السلام الاجتماعي ، والتي تميل إلى العنف والعدوانية وفقدانها للنظام واحترام القوانين ، كل ذلك لابث في طبيعة تأثير عوامل كثيرة تبدأ وتنتهي بالظروف المحيطة والمنتجة سلطويا من اقتصاد وسياسة واجتماع ودين شعبي فضلا عن تأثيرات عوامل اخرى متداخلة في جينات الوراثة للسلام الاجتماعي أو للعدوانية والعنف والتربية والسيطرة المحلية لزعماء العشائر سواء تلك التي تميل إلى الانقسام ونسخ تجاربها العنفية أو تلك التي تبث السلام والهدوء والتعاون مع بقية نظيراتها من العشائر الاخرى .

ان التحليل السياسي والاقتصادي غير كاف لثبات المجتمع العشائري على نموذج معين هناك ايضا كما اسلفنا عوامل الوجود والتكوين الوراثي والتربوي المحيط بهذا المجتمع أو ذاك ، وكثيرا ما تظهر مؤثرات التحليل السياسي والاقتصادي ذات ارتباطات زمنية طويلة الامد خصوصا مع العشائر المعرضة إلى الاهمال والافقار والقمع والتهجير والحيف واضفاء التخلف كصفة جامدة على سلوكها الوجودي الاني والمستقبلي .

فالمجتمعات التي تعيش في الجنوب والشرق تعرضت إلى الاهمال والفقر والاستبداد أكثر من غيرها في الشمال والغرب والوسط ، ذلك مركز تاريخيا والنتيجة هي ما نشهده اليوم من تخلف أكثر العشائر وبمستويات وتدرجات مناطقية وكأننا أمام هرم له قاعدته ويبدأ بالصعود إلى اخر هرم التخلف ، والاخير صفة لابثة داخل هرمية المجتمع العشائري حيث نستطيع تصور القاعدة في الهرم تبدأ من عشائر الجنوب والشرق لتصعد قليلا الى الغرب والوسط والشمال في كردستان وهنا هرمية التخلف تشمل عناصر كثيرة تبدأ بالتعليم والتربية وطبيعة ممارسة العنف والسلام الاجتماعي واثر الفقر والاهمال والقمع والتهجير والحيف عليها ، وهذا الهرم قد تتداخل فيه نسبية التخلف في بعض الممارسات وخصوصا تلك المتعلقة بالتضييق على الحريات وطبيعة ممارسة العنف ضد المرأة والاطفال ، وبالتالي تتساوى العقلية العشائرية في تعاملها مع الحريات أو الانتهاكات للتقليد الاجتماعي فمثلا ظاهرة غسل العار تنتشر في كردستان مثلما تنتشر في الوسط والجنوب ضمن حدود النسبي كذلك الحال مع بقية محددات ومناطقية الهرم .

إن واقع العشائر اليوم لا يشير إلا الى العدمية سواء من خلال

١_ تعامل المؤسسة السياسية في ظروفها ومشاكلها وعدم السيطرة عليها فضلا عن عدم محاولة تطويرها المدني الانساني لمحددات ومحركات وجودها اليومي والمستقبلي على حد سواء

٢_ تعامل المؤسسة الدينية مع المؤسسة العشائرية واخضاع الاخيرة لها طقوسيا فسحب دون محاولات التأثير عليها من خلال نزع ( العصبي والعرفي ) من جذورها باعتبار ان الدين مؤسسة متقدمة على مؤسسة العشيرة من حيث الظهور والبروز وما يتقدم الاثنين مؤسسة الدولة بوجودها المدني والانساني

٣ _ تعامل المؤسسة الحزبية مع المؤسسة العشائرية ايضا ذو طابع اخضاع ومصلحية انتخابية سياسية دون محاولات الجذب المدني الانساني ونزع جذورها العرفية العصبية المتخلفة

٤_ تعامل المؤسسة المدنية مع المؤسسة العشائرية ايضا ذو طابع لا يشي بالتأثير والتغيير ، هناك الجانب الشكلي الداعم للسلطة السياسية أكثر مما هو داعم لتغيير ظروف وحياة المجتمع العشائري ، وذلك باعتبار ان أكثر مؤسسات المجتمع المدني ضمن حدود النسبي هي مؤسسات ذات ارتباطات وجذور حزبية ودينية وسياسية سلطوية وبالتالي تخليها عن الحياد والجرأة في النقد وتعرية الاخطاء والانتهاكات الممارسة هنا وهناك داخل هرمية المجتمع العشائري .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصر: قتلى وعشرات الجرحى جراء انقلاب عربات قطار في محافظة الق


.. الدراما العربية.. طموحات نحو العالمية في زمن المنصات الرقمية


.. العراق يشترط أخذ اللقاح على الراغبين بالسفر إلى الخارج




.. 11 قتيلا وعشرات الجرحى بحادث قطار المنصورة في مصر


.. نجم القصاب: إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر القادم يعط