الحوار المتمدن - موبايل


رأس المال: الفصل السابع عشر (72) تحول قيمة، وبالتالي، سعر

كارل ماركس
(Karl Marx)

2020 / 10 / 30
الارشيف الماركسي



قوة العمل إلى أجور
تبدو أجور العامل على سطح المجتمع البورجوازي في مظهر سعر العمل، أي كم معين من النقد المدفوع لقاء كمية معينة من العمل. هكذا يتحدث أولاء، هنا، عن قيمة العمل، ويسمون التعبير النقدي عنها بالسعر الطبيعي أو الضروري. ويتحدثون، من ناحية أخرى، عن أسعار العمل في السوق، أي الأسعار التي تتقلب فوق السعر الطبيعي ودونه.

ولكن ما هي قيمة السلعة؟ القيمة هي الشكل الشيئي للعمل الاجتماعي المنفق في إنتاجها، وكيف نقيس مقدار قيمة السلعة؟ نقيسها بمقدار العمل الذي تحتويه. كيف إذن تتحدد قيمة يوم عمل مؤلف من 12 ساعة مثلا؟ بالإثنتي عشرة ساعة عمل التي يحتويها يوم العمل المؤلف من 12 ساعة. وما هذا إلا تكرار لا معنى له (1).
فلكي يباع العمل في السوق، كسلعة، ينبغي لهذا العمل أن يكون موجوداً قبل بيعه، في كل الأحوال، ولكن لو كان العامل يستطيع أن يعطي لعمله وجوداً مستقلا لباع سلعة لا عملاً(2).

وبصرف النظر عن هذه التناقضات، فإن مقايضة النقد، أي العمل المتشییء، بالعمل الحي، ستفضي إما إلى تقويض قانون القيمة الذي يتطور بحرية على أساس الإنتاج الرأسمالي بالضبط، أو تفضي إلى نقض الإنتاج الرأسمالي نفسه، الذي يرتكز مباشرة على العمل المأجور. لنقل إن يوم العمل المؤلف من 12 ساعة يتجسد، مثلا، في قيمة نقدية مقدارها 6 شلنات. وهنا، إما أن يجري تبادل مقادير متساوية، وعندها يتلقی العامل 6 شلنات لقاء عمل 12 ساعة، وسيكون سعر عمله مساوياً لسعر ما ينتجه. وفي هذه الحالة لن ينتج فائض قيمة الشاري عمله، ولن تتحول الشلنات الستة إلى رأسمال، فينهار بذلك أساس الإنتاج الرأسمالي نفسه. ولكن العامل إنما يبيع عمله على هذا الأساس بالذات، وعلى هذا الأساس فإن عمله هو عمل مأجور. أو أنه يتلقی، مقابل 12 ساعة عمل أقل من 6 شلنات، نعني أقل من 12 ساعة عمل. إن الإثنتي عشرة ساعة عمل تُبادل بعشر أو ست ساعات عمل. إن مساواة مقادیر غیر متساوية لا تلغي فقط تحديد القيمة، فمثل هذا التناقض الذي ينقض ذاته بذاته، لا يمكن أن يصاغ أو يحدد كقانون، بأي حال (3).
ولا فائدة ترتجى أيضا من السعي لاستنتاج التبادل لعمل أكثر بعمل أقل، من الفارق في الشكل بين العملين، على اعتبار أن الأول عمل متشیئ، والآخر عمل حي (4). فهذا أكثر عبثاً، نظرا لأن قيمة السلعة لا تتحدد بكمية العمل المتشیئ فيها فعلية، بل بكمية العمل الحي الضروري لإنتاجها. لنقل إن ثمة سلعة تمثل 6 ساعات عمل. لو أن اختراعا ما جعل إنتاجها يتطلب 3 ساعات، فإن قيمة السلعة المنتجة من قبل، تهبط أيضا إلى النصف. إنها تمثل الآن 3 ساعات من العمل الضروري اجتماعياً بدلا من الساعات الست الضرورية في السابق. فما يحدد مقدار قيمة سلعة من السلع هو كمية العمل اللازمة لإنتاجها، لا الشكل المتجسد شيئياً من ذلك العمل.

إن ما يواجه، واقعية، مالك النقد وجها لوجه، في سوق السلع، ليس العمل بل العامل، وما يبيعه هذا الأخير هو قوة عمله. ومنذ أن يبدأ عمله فعلا، فإنه يكون قد كفّ عن أن يكون ملكا له، لذلك لم يعد بوسعه أن يبيعه. العمل هو جوهر القيم وهو مقياسها الملازم، ولكنه بذاته لا قيمة له (5).

إن تعبير قيمة العمل لا يلغي مفهوم القيمة كلياً وحسب، بل يقلبها أيضا رأسا على عقب. فهو تعبير خيالي کالحديث عن قيمة الكرة الأرضية. لكن هذه الأقوال الخيالية تنبع من علاقات الإنتاج نفسها. فهي مقولات تعبر عن الأشكال الظاهرية لعلاقات جوهرية. أما أن الأشياء كثيراً ما تظهر في شكل معکوس، فأمر معروف تماما في كل العلوم، عدا الاقتصاد السياسي كما يبدو(6).

لقد استعار الاقتصاد السياسي الكلاسيكي مقولة “سعر العمل” من الحياة اليومية العادية، من دون أي نقد وتمحيص، وبعد ذلك تساءل: كيف يتحدد هذا السعر؟ وسرعان ما أدرك أن تغير علاقة العرض والطلب لا يفسر شيئا من سعر العمل، شأنه شأن سعر أي سلعة أخرى، سوى التغيرات التي تطرأ عليها، أي ارتفاعه وانخفاضه في السوق عن مقدار معین. فلو توازن الطلب والعرض، لكفت الأسعار عن التقلب، شريطة أن تبقى الظروف الأخرى على حالها. ولكن في حالة كهذه يكفّ الطلب والعرض عن تفسير أي شيء. ذلك أن سعر العمل في لحظة توازن الطلب والعرض، هو سعره الذي يتحدد بصورة مستقلة عن علاقة الطلب بالعرض، أي سعره الطبيعي. وموضوع التحليل هو بالضبط كيف يتحدد هذا السعر الطبيعي. أو إذا أخذنا فترة أكبر من تقلبات أسعار السوق، كأن تكون سنة، لوجدنا أن الفروقات تلغي بعضها بعضا، مخلفة وراءها مقداراً وسطياً ثابتاً إلى حد ما. وبالطبع ينبغي أن يحدد هذا المقدار بصورة تختلف عن تحديد تقلباته المعوّضة لبعضها بعضا. فسعر العمل هذا الذي يهيمن، دوما، وفي آخر المطاف، على أسعار سوق العمل العرضية وينظمها، إن هذا “السعر الضروري” (بتعبير الفيزيوقراطيين)، أو “السعر الطبيعي” (بتعبير آدم سميث) لا يمكن له أن يكون، كما بالنسبة لسائر السلع الأخرى، سوى قيمة العمل معبرة عنها بالنقود. لقد كان الاقتصاد السياسي يرى في ذلك سبيله إلى مكنون أسعار العمل العرضية، وصولا إلى قيمة العمل نفسه. فهذه القيمة، شأن قيم السلع الأخرى، تتحدد بتكاليف الإنتاج. ولكن ما هي كلفة إنتاج العامل، أي ما هي تكاليف إنتاج أو تجديد إنتاج العامل نفسه؟ لقد حل هذا السؤال، بصورة عفوية في الاقتصاد السياسي محل السؤال الأصلي، لأن البحث عن تكاليف إنتاج العمل بما هو عليه، ظل يدور في حلقة مفرغة ولم يتحرك من مكانه فيد أنملة. وبالتالي فإن ما يسميه الاقتصاد السياسي “قيمة العمل” (value of labour)، هو في الواقع قيمة قوة العمل، وهي موجودة في شخص العامل، وتختلف قوة العمل هذه عن الوظيفة التي يؤديها، أي العمل، اختلاف الآلة عما تنجزه من عمليات. لقد انشغل الاقتصاديون بالفارق بين أسعار العمل في السوق وبين قيمته المزعومة، وانشغلوا بعلاقة هذه القيمة بمعدل الربح، وبقيم السلع الأخرى التي يتم إنتاجها بواسطة العمل، إلخ، ولكنهم لم يكتشفوا قط أن مجرى التحليل لم يقدهم من أسعار العمل في السوق إلى “قيمته” المزعومة فحسب، بل قادهم أيضا إلى إرجاع قيمة العمل هذه، بدورها، إلى قيمة قوة العمل. ولم يع الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، بالمرة، هذه النتيجة التي أسفرت عنها تحليلاته بالذات، فارتضى لنفسه بمقولات قيمة العمل و”السعر الطبيعي للعمل”، إلخ، دون تمحيص انتقادي، باعتبارها تعریفات نهائية وافية لعلاقات القيمة قيد البحث، وهكذا سقط هذا الاقتصاد، كما سنرى لاحقا، في تخبطات وتناقضات لا فكاك منها، وقدم في الوقت نفسه للاقتصاديين المبتذلين، قاعدة مأمونة لنشاط عقولهم الضحلة التي لا تقدس، من حيث المبدأ، سوى المظاهر السطحية.
دعونا نرى قبل كل شيء كيف تعرض قيمة وسعر قوة العمل نفسها بشكل محور، بهيئة أجور.
كما نعرف فإن القيمة اليومية لقوة العمل تحسب على أساس أن حياة العامل تدوم أمداً معيناً، يطابقها، بالمقابل، طول معين ليوم العمل. لنفترض أن يوم العمل المعتاد هو 12 ساعة، وأن القيمة اليومية لقوة العمل 3 شلنات، وأن هذا المبلغ هو التعبير النقدي عن القيمة المتمثلة في 6 ساعات عمل. فإذا أخذ العامل 3 شلنات فإنه يتلقى قيمة قوة عمله التي يبذلها على مدى 12 ساعة. والآن، إذا جرى التعبير عن القيمة اليومية لقوة العمل، باعتبارها القيمة اليومية للعمل، فسنحصل على الصيغة التالية: إن 12 ساعة عمل قيمتها 3 شلنات. وبهذا فإن قيمة قوة العمل تحدد قيمة العمل، أو تحدد سعره الضروري، عند التعبير عن ذلك بالنقود. وإذا اختلف سعر قوة العمل عن قيمتها، فإن سعر العمل يختلف هو الآخر عما يسمى قيمته.

وبما أن قيمة العمل ليست سوى تعبير لاعقلاني عن قيمة قوة العمل، يترتب على ذلك، بالطبع، أن قيمة العمل ينبغي أن تكون دائمة أقل من القيمة التي يخلقها هذا العمل، لأن الرأسمالي يجعل قوة العمل، دوما، تشتغل مدة أطول مما هو ضروري لتجديد إنتاج قيمتها الذاتية. وفي المثال الوارد أعلاه، رأينا أن قيمة قوة العمل التي تزاول وظيفتها لمدة 12 ساعة، تبلغ 3 شلنات، وهي قيمة يتطلب تجديد إنتاجها 6 ساعات. ولكن القيمة التي تخلقها قوة العمل مجددة تبلغ 6 شلنات، لأنها تعمل، في الواقع، مدة 12 ساعة. والقيمة التي تخلقها هذه القوة مجدداً لا تتوقف على القيمة الذاتية لقوة العمل، بل تتوقف على مدة نشاطها. هكذا نبلغ نتيجة تبدو عابثة للوهلة الأولى وهي أن العمل الذي يخلق قيمة تبلغ 6 شلنات، يمتلك هو نفسه قيمة تبلغ 3 شلنات(7).

ونلاحظ أيضا: إن القيمة البالغة 3 شلنات، التي تدفع لقاء جزء واحد من يوم العمل، أي 6 ساعات عمل، تبدو بوصفها قيمة أو سعر كامل يوم العمل المؤلف من 12 ساعة، والذي يضم، على هذا النحو، 6 ساعات لم يدفع مقابلها شيء. لذا فإن شكل الأجور يزيل كل أثر لانقسام يوم العمل إلى عمل ضروري وعمل فائض، إلى عمل مدفوع الأجر وعمل غير مدفوع الأجر. فالعمل جميعه يبدو وكأنه عمل مدفوع الأجر. وفي ظل عمل السخرة كان عمل القن لأجل نفسه، يتميز عن عمله الإجباري لأجل السيد الاقطاعي، من حيث المكان والزمان بصورة محسوسة. أما بالنسبة لعمل العبيد، فحتى ذلك الجزء من يوم العمل الذي لا يفعل خلاله العبد شيئا غير أن يعوض عن قيمة وسائل عيشه، أي يعمل خلاله، في واقع الأمر، لنفسه، يبدو وكأنه عمل لأجل سیده. فمجمل عمل العبيد يبدو وكأنه عمل غير مدفوع الأجر (8). أما بالنسبة للعمل المأجور، فالحال مقلوب، إذ حتى العمل الفائض، أو حتى العمل غير مدفوع الأجر يبدو وكأنه مدفوع الأجر. واضح أن علاقة الملكية تخفي، هناك، عمل العبد لأجل نفسه، والعلاقة النقدية، هنا، تخفي العمل الذي يؤديه العامل المأجور بدون تعويض.

من هنا، يمكن لنا أن نفهم الأهمية الحاسمة لتحول قيمة وسعر قوة العمل إلى شكل الأجور، أو إلى قيمة وسعر العمل نفسه. إن شكل تجلي الظاهرة الذي يموه العلاقة الفعلية، بل يظهرها معكوسة تماما، إنما يؤلف أساس كل التصورات الحقوقية للعامل والرأسمالي على السواء، وكل ما يكتنف نمط الإنتاج الرأسمالي من غموض، وكل ما يخلقه من أوهام عن الحرية، وكل ما يصدر عن الاقتصاد السياسي المبتذل من أحابيل تبريرية.

وإذا كان التاريخ العالمي قد استغرق زمناً مديداً لكي يصل إلى حل لغز الأجور، فليس ثمة، من جهة أخرى، أيسر من أن نفهم ضرورة أو علة وجود (raison d’étre) شکل تجلي الظاهرة هذا.

فالتبادل بين رأس المال والعمل يتراءى للعين، بادئ الأمر، بالصورة ذاتها تماما التي يتخذها شراء وبيع سائر السلع الأخرى. فالشاري يعطي مبلغا معيناً من النقد، والبائع يعطي مادة ذات طبيعة تختلف عن النقد. ومنتهى ما يراه الوعي الحقوقي في هذه الواقعة، هو فرق مادي يجد تعبيره في صيغ متساوية حقوقياً: «أنا أعطي حتى أنت تعطي، أنا أعطي حتى أنت تفعل، أنا أفعل حتى أنت تعطي، أنا أفعل حتى أنت تفعل».
(do ut des, do ut facias, facio ut des, und facio ut facias)
زد على ذلك أنه نظرا لأن القيمة التبادلية والقيمة الاستعمالية، هما، في ذاتهما ولذاتهما، مقداران غیر قابلين للقياس بنفس المقياس، فإن تعبيري “قيمة العمل” و «سعر العمل» لا يبدوان أقل عقلانية من تعبيري “قيمة القطن” و «سعر القطن». زد على ذلك أيضا أن العامل يدفع له بعد أن يكون قد أعطى عمله. والنقد يؤدي هنا وظيفته كوسيلة دفع لكنه لا يحقق قيمة أو سعر المادة المجهزة إلا لاحقا – نعني، في هذه الحالة الخاصة، قيمة أو سعر العمل المقدم. وأخيراً، فإن “القيمة الاستعمالية” التي يقدمها العامل إلى الرأسمالي ليست، في الواقع، قوة عمله، بل وظيفتها، أي نوع من العمل النافع المعين، كأن يكون عمل خياطة، أو صنع أحذية أو غزل، إلخ. أما كون هذا العمل نفسه هو من الجهة الأخرى العنصر العام الخالق للقيمة، وهذه هي خاصية تميزه عن سائر السلع الأخرى، فإنه أمر لا يدركه الوعي العادي.
لنضع أنفسنا محل العامل الذي يتلقى، مقابل 12 ساعة عمل، قيمة منتجة مثلا في 6 ساعات عمل، ولتكن 3 شلنات. فليست 12 ساعة عمل، بالنسبة له، إلا وسيلة لشراء 3 شلنات. إن قيمة قوة عمله يمكن أن تتغير بتغير قيمة وسائل عيشه المعتادة، من 3 إلى 4 شلنات، أو من 3 شلنات إلى شلنين، أو، إذا ظلت قيمة قوة عمله ثابتة، فقد يرتفع سعرها من جراء تغير علاقة الطلب بالعرض، إلى 4 شلنات، أو يهبط إلى شلنين، لكن العامل يعطي في كل هذه الحالات 12 ساعة عمل. لذلك فإن كل تغير في مقدار المعادل الذي يتلقاه يبدو في نظره، بالضرورة، تغيراً في قيمة أو سعر ساعات عمله الإثنتي عشرة. إن هذا الوضع قد ضلل آدم سميث الذي عالج يوم العمل بوصفه مقداراً ثابتاً (9)، وقاده إلى خطأ معاكس، أي التأكيد على أن قيمة العمل ثابتة، رغم أن قيمة وسائل العيش عرضة للتغير، فإن نفس يوم العمل يمكن له أن يمثل، عند العامل، کمية من النقد أكبر أو أقل.

دعونا ننظر، من ناحية أخرى، إلى الرأسمالي. إنه يريد أن يأخذ أكثر ما يمكن من العمل لقاء أقل ما يمكن من النقد. لذلك فإن الشيء الوحيد الذي يهمه، من الناحية العملية، هو الفرق بين سعر قوة العمل والقيمة التي تخلقها وظيفتها. ولكنه يسعى لشراء سائر السلع بأرخص ما يمكن، ويعلل ربحه، دوما، بالخداع لا أكثر، أي بشراء السلع دون قيمتها وبيعها بأعلى من قيمتها. لذا، لا يتوصل الرأسمالي إلى الإدراك بأنه إذا كان ثمة شيء اسمه قيمة العمل موجودة حقا، وأنه يدفع قيمة هذا الشيء حقا، فلن يكون هناك رأسمال في الوجود، ولن يحول نقوده إلى رأسمال.

زد على ذلك أن الحركة الفعلية للأجور تشكل عنده ظاهرات يخيل له أنها تثبت أن ما دفع مقابله ليس قيمة قوة العمل، بل قيمة الوظيفة التي أدتها، أي قيمة العمل نفسه. وبوسعنا اختزال هذه الظاهرات إلى فئتين كبيرتين؛ أولا، تغير الأجور بتغير طول يوم العمل. وبوسع المرء أن يستنتج بنفس الحق أن ما دفع مقابله ليس قيمة الآلة، بل قيمة عملها، لأن استئجار آلة لمدة أسبوع يكلف أكثر من استئجارها ليوم. ثانية، تباين الأجور الفردية بين مختلف العمال الذين يؤدون الوظيفة نفسها. ونجد هذه الاختلافات الفردية أيضا في النظام العبودي من دون أن ترافقها أي أوهام، حيث تباع قوة العمل نفسها، صراحة وعلانية، دون زخارف. والفارق هنا واحد فقط هو أن المكاسب الناجمة عن قوة العمل التي تفوق المستوى الوسطي، والخسائر الناجمة عن قوة العمل التي تقف دون هذا المستوى، لا تؤثر في النظام العبودي سوى على مالك العبيد، أما في نظام العمل الماجور فإنها تؤثر على العامل نفسه، لأنه يبيع قوة عمله بنفسه، أما في الحالة السابقة، فإن طرفا ثالثا يبيع قوة العمل.

عدا عن ذلك، فإن ما يصح على شكل تجلي ظاهرة “قيمة وسعر العمل” أو «الأجور» خلافا لظهور تلك العلاقة الجوهرية في قيمة وسعر قوة العمل – يصح على جميع أشكال تجلي الظاهرات عموما وعن الأسس الكامنة وراءها. ذلك أن الأولى تنبثق مرارة، على نحو مباشر وعفوي، في نمط التفكير الشائع العادي، أما الثانية فلا يستطيع أن يكتشفها سوى العلم وحده (*). ويكاد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي أن يمس العلاقة الفعلية للأشياء، إلا أنه لا يصوغها بوعي، على أي حال. وهو عاجز عن ذلك طالما لبث في جلده البورجوازي.

_______________

(1) “يتحاشى السيد ريكاردو، بذكاء بالغ، صعوبة تهدد، للوهلة الأولى، بتقويض مذهبه النظري القائل بأن القيمة تتوقف على كمية العمل المستخدم في الإنتاج. فلو جرى التقيد بهذا المبدأ تقيداً صارماً، لترتب عليه أن قيمة العمل تعتمد على كمية العمل المستخدم في إنتاجه. وهذا، بداهة، قول لا معنى له. ولذلك يجعل السيد ريكاردو، بضربة بارعة، قيمة العمل تتوقف على كمية العمل اللازمة لإنتاج الأجور؛ أو إذا أردنا إعطاءه مزية استخدام كلماته بالذات، فإنه يرى أن قيمة العمل تقدر وفقا لكمية العمل اللازمة لإنتاج الأجور، ويقصد بذلك كمية العمل اللازمة الإنتاج النقود أو السلع المدفوعة للعامل. وهذا يضارع القول بأن قيمة القماش تقدر، لا وفقا لكمية العمل المكرسة لإنتاجها، بل وفقا لكمية العمل المكرسة لإنتاج الفضة، التي التي يُبادل بها القماش. إس. بایلي، أطروحة نقدية في طبيعة وإلخ القيمة، ص 50-51).
([S. Bailey), A Critical Dissertation on the Nature, etc., of Value, p. 50-51).
(2) “إذا أنت سمّيت العمل سلعة، فإنه لا يشبه السلعة التي يجري إنتاجها أولا بهدف التبادل، ثم تُجلب إلى السوق حيث ينبغي أن تبادل لقاء سلع أخرى حسب كميات معينة من كل سلعة موجودة في السوق في حينه؛ ذلك أن العمل يخلق في لحظة مجيئه إلى السوق؛ لا بل إنه يجلب إلى السوق قبل أن يخلق”. (ملاحظات حول خلافات لفظية معينة، إلخ، ص 75-76).
(Observations on some Verbal Disputes, etc., p. 75-76).

(3) “إذا اعتبرنا العمل سلعة، واعتبرنا رأس المال، وهو منتوج عمل، سلعة أخرى، وإذا كانت قيمتا هاتين السلعتين تنتظمان وفقا لكميتين متساويتين من العمل، فإن كمية معينة من العمل سوف… تُبادل بتلك الكمية من رأس المال التي جرى إنتاجها بنفس المقدار من العمل. فعمل الماضي… سوف يُبادل بنفس الكمية من عمل الحاضر. لكن قيمة العمل من ناحية علاقتها بالسلع الأخرى … لا تتحدد على أساس كميات متساوية من العمل. إي. جي. وایکفیلد، في طبعته المؤلف آدم سميث: ثروة الأمم، لندن، 1835، المجلد الأول، ص 230-231، الحاشية”. (A. Smith, Wealth of Nations, London, 1835, V. I, p. 230-231, Note).

(4) “كان لا بد من الموافقة” (نسخة جديدة من العقد الاجتماعي، contrat social) على أنه كلما بودل عمل سابق لقاء عمل مقبل، حصل الأخير (الرأسمالي، «de capitaliste») على قيمة أكبر من الأول (العامل، «Le travailleur»)، (سیسموندي، الثروة التجارية، جنيف، 1803، المجلد 37)
(De la Richesse Commerciale, (Simonde, i.e Sismondi), Genève, 1803, T. (37 je IJ, VI I, p. 37).

(5) “إن العمل، هذا المعيار الوحيد للقيمة… والخالق لكل الثروات، ليس سلعة”.
(ت. هودجسکین، الاقتصاد السياسي الشعبي، ص 186).
(Th. Hodgskin, Popular Political Economy, p. 186).

(6) إن السعي لتفسير أمثال هذا التعبير على أنها مجازات شعرية (licentia poetica) لا أكثر، يكشف عن عجز القدرة التحليلية. لذلك، ردا على عبارة برودون القائلة “يقال إن للعمل قيمة لا باعتبار أنه هو ذاته سلعة، بل نظرة للقيم التي يفترض أن تكمن فيه. إن قيمة العمل تعبير مجازي، إلخ.
أجيب قائلا: إنه لا يرى في العمل – السلعة، وهي تتصف بواقعية مريعة، سوى اختصار لغوي. وهكذا فالمجتمع الراهن، المرتكز كله على العمل – السلعة، إنما يرتكز على مجاز شعري ما، أو تعبير مجازي. فلو أراد المجتمع إزالة جميع المنغصات، التي يعاني منها فيكفيه أن يزيل الاصطلاحات ذات الوقع السيء، أن يغير لغته، وما عليه إلا أن يخاطب الأكاديمية طالباً طبعة جديدة من القاموس. (کارل مارکس، بؤس الفلسفة، ص 34-35). وبالطبع فإن من الأسهل والأنسب أن لا نفهم من مقولة القيمة شيئاً محدداً. وعندها يسع المرء، دون صعوبة تذكر، أن يدرج ما يشاء تحت رداء هذه المقولة. وهكذا مثلا، يتساءل ج. ب. ساي. ما هي القيمة (valeur)؟ ويجيب “إنها ما يساويه شيء ما”. وما هو السعر، (prix)؟ فيجيب: “إنه قيمة شيء ما معبرة عنه بالنقود”.. ولماذا يمتلك العمل الأرض… قيمة؟ “لأن له سعراً”. وبناء على ذلك فإن القيمة هي ما يستحقه الشيء، وإن للأرض “قيمة”، لأن قيمتها “يعبّر عنها بالنقود”. وهذه، على أية حال، طريقة سهلة جدا في شرح سبب (why) الأشياء وأصلها (wherefore).
(7) قارن: مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، برلین، 1859، ص 40، حيث أذكر أن معالجة رأس المال، يجب أن تحل المعضلة التالية: “كيف يؤدي الإنتاج، القائم على أساس القيمة التبادلية المحددة بوقت العمل وحده، إلى هذه النتيجة، وهي أن القيمة التبادلية للعمل أقل من القيمة التبادلية لمنتوجه؟”.
(8) احتجت صحيفة مورننغ ستار، اللندنية، المدافعة عن حرية التجارة، والساذجة إلى حد التفاهة، احتجت المرة تلو الأخرى، خلال الحرب الأهلية الأميركية، بكل ما يحمله الإنسان من سخط اخلاقي، على واقع أن الزنوج في “الولايات الاتحادية”(م)، يعملون مقابل لا شيء إطلاقا. وكان ينبغي على الصحيفة أن تقارن بين التكاليف اليومية لعيش الزنجي والتكاليف اليومية لعيش العامل الحر في الحي الشرقي من لندن.
(م) الإشارة هنا إلى الولايات الجنوبية التي تعتمد نظام الرق؛ وقد ألغي بعد الحرب الأهلية الأميركية 1861 – 1865 بانتصار الولايات الشمالية. [ن. برلین].
(9) لا يشير آدم سميث إلى تغيير يوم العمل إلا عن طريق المصادفة وذلك عندما يتحدث عن الأجور بالقطعة.
(*) الأولى هي: أشكال تجلي الظاهرة، والثانية هي: العلاقات الجوهرية. [ن. ع].








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان.. الجيش يسلم تقريرا عن مقتل متظاهرين


.. حصيلة أسبوع من التصعيد بين الفصائل الفلسطينية والجيش الإسرائ


.. الأمن الأردني يفرق مظاهرة كبيرة كانت تطوق السفارة الإسرائيلي




.. فيديو: اشتباكات بين متظاهرين مؤيدين لفلسطين والشرطة البريطان


.. شاهد: الطلاب في طليعة المتظاهرين خلال الاحتجاجات المناهضة لل