الحوار المتمدن - موبايل


القصة الأصلية لصحيح البخاري

سامح عسكر

2020 / 11 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


تكلمنا كثيرا عن الصحيح وعلقنا على أحاديثه ولن نعيد الكلام في ما مضى، لكن هنا أطرح على حضراتكم معلومات جديدة إذا وُضِعَت مع القديم تساعد الباحثين في تكوين (صورة كاملة) في الذهن عن ما حدث قديما وكيف تشكل هذا الكتاب ليُصبِح عقيدة أمة..

أولا: البخاري ثبت تاريخيا إنه ولد ومات في أوزبكستان، وهذه الدولة قديما كانت تتحدث "لغة خوارزمية" انقرضت منذ القرن العاشر الميلادي، كانت تكتب قديما بالحرف الآرامي، ثم استبدلت لاحقا بالحرف العربي، أي أن البخاري كان يتحدث (لغة خوارزمية) بحرف عربي، شبيه بعندما يحدث باكستاني لغة أردية ولكن بحرف عربي، أو فارسي يتحدث بلغة فارسية بحرف عربي، وبما أن البخاري عاش في القرن 9 م فهو عمليا كان يتحدث صوتيا بالخوارزمية ، ثم ترجم كتابه "صحيح الجامع" لاحقا للعربية، وهذا يطرح سؤال عن ماهية المترجم وأمانته في نقل النصوص فضلا عن دور الآرامية والخوارزمية التركية في تشكيل عقيدة البخاري..

واللغة الخوارزمية لها تعريف مبسط في ويكبيديا بالحروف السريلية Хорезмийский язык وهي متشابهة مع لغة الأوزو الخوريزم Огузский диалект узбекского языка وجميعها لغات فرعية داخل أوزبكستان تنتمي جميعها للمجموعة الآرية المعروفة ثقافيا بالمجموعة الهندوأوروبية، أي أن المتحدثين بالتركية والإيرانية والروسية يعرفوها..لكن العرب لا، وهذا يفسر غياب أي معلومة عن لغات خوارزم في المحتوى العربي عن الشبكة..

وقد يسأل سائل: ما علاقة تحدث البخاري لغة خوارزمية بكتابه؟

والجواب: أن هذه لغة منقرضة ولم تعد مكتوبة والمعلومات بشأنها شبه معدومة دوليا، وحديث البخاري بها ومجتمع أوزبكستان قديما يعني أن فرصة ترجمة كتابه "صحيح الجامع" متوفرة فقط أول قرنين بعد وفاة البخاري على الأكثر لغياب المترجمين والمهتمين بتلك اللغة خلافا للفارسية والأردية مثلا الذي يمكن ترجمتها الآن بسهولة، وبالتالي فصحيح البخاري لو لم يصل للمسلمين قبل انقراض اللغة الأصلية فالذي وصل للمسلمين في الحقيقة (كتاب آخر مختلف) أو (تصحيف للأصل) ومعنى التصحيف أن هناك إضافات حدثت وحذف وتعديل للأصل ليوافق هوى المترجم..

ولمن يقول أن البخاري تحدث العربية فلا دليل على ذلك تاريخيا..بل العكس هو الثابت أن شعوب تلك المنطقة كانت تتحدث التركية الخوارزمية بشهادة الرحالة العربي "أحمد بن فضلان" الذي عاش في القرن 4 هـ ال 10 م، وفي كتابه عن رحلاته في بلاد الترك والصقالبة ذكر أنه استعان بمترجمين للتُركية كي يتفاهم مع شعوب تلك المنطقة، ولو فرضنا أن زعم الفقهاء صحيحا وهو أن لسان البخاري عربي بالاكتساب والتعلم فعلاوة على صعوبة إثبات ذلك لندرة الدليل..فكتاب البخاري نفسه أدبيا هو سرد مختصر لأفكار وقصص مختلفة عن تفاصيل وشروح وركاكة ابن حنبل مثلا في مسنده، وهو فارق يلحظه الأدباء في أن كُتّاب البخاري كانوا أكثر بلاغة وإيجازا، وهذا لم يكن ليحدث لولا مرور الكتاب الأصلي بعدة ترجمات لم يجدوا مقابل لغوي للأصل فترجموه بالمعنى..وقد أثر ذلك نفسيا في عقول الفقهاء السنة العرب لاحقا، حيث أنهم ورثوا كتابا بليغا وقريبا من لغاتهم التي نشأوا عليها في المدارس..مع حفظ عدم الوصول لأول مُترجِم عربي للصحيح والذي من المؤكد أنه نقله من تركية الفربري.

والمؤكد في علم الترجمة أن الفصاحة اللغوية لا يملكها سوى أبناء اللغة الأصليين، والمُترجِم دائما هو أقل بلاغة وفصاحة من المتحدث الأصلي، إلا إذا كان البخاري (سوبر مان لغة) أو (عبقري لغة عربية) وهذا لم يثبت في تاريخه أنه كان عالما لغويا أو شاع عنه إنجاز أي شئ فيها..

ثانيا: تحريف كتاب البخاري ثابت في مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني، إقرأ معي " قال إسحاق إبراهيم المستملي : انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري ، فرأيت فيه أشياء لم تتم ، وأشياء مبيضة ، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئا ، ومنها أحاديث لم يترجم لها ، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض" (فتح الباري 1/ 8)

ومعنى كلام المستملي أن أصل صحيح البخاري كان موجود عند شخص آخر إسمه "الفربري" وهذا الرجل من تركمان هو الذي نشر صحيح البخاري وزعم للمسلمين أنه سمعه من البخاري شخصيا، وبالتالي فصحيح البخاري في الحقيقة هو (كلام وادعاء) هذا الشخص المسمى بالفربري ولم يكن هناك أصلا لصحيح البخاري عند شخص آخر سوى هذا الرجل، والفربري بحكم تركمانيته أو قوميته التركية كان يفهم اللغة الخوارزمية المنتسبة للدولة الخورازمية التي قضى عليها المغول لاحقا، وبالتالي فترجمة الصحيح كانت من عنده أو من شخص يعرفه ، وعندما علم السلفيون ورواة الحديث بتلك المصيبة ما كان لهم إلا أن (يوثقوا الفربري) ويعطوه صفة (الثقة الثبت) لتعلق كتاب البخاري به، ولأن أصل وموضوع وجوهر وقداسة الصحيح ومذهب السنة بالكامل يتعلق به فلا خيار لديهم سوى توثيقه.

ثالثا: البخاري كان شخصا (أسيويا تركيا) تغلب عليه صفات التُرك الجسمية الأٌقرب شبها بالمغول والإيجور، وهؤلاء أسلاف العثمانيين الأوائل الذين سكنوا الأناضول وكوّنوا ما يُعرف بجمهورية تركيا المعاصرة، ومنزلته الفقهية والسياسية حصل عليها في عصر الخليفة العباسي "المتوكل بالله" الذي كان تُركيا أيضا يغلب عليه صفات الترك الشبيهة بالمغول والإيجور، فالعلاقة بين البخاري والمتوكل إذن كانت (قومية لغوية) ولسبب أن أم المتوكل التي اسمها "شُجاع" هي من موالي الترك الذين حصل عليهم المسلمين من غزو أوزبكستان في العصر الأموي ، فالعاطفة التركية للمتوكل غلبت عليه وشرع في تأسيس عصر الموالي الأتراك الذين حكموا طوال العصر العباسي الثاني.

والسؤال: ما علاقة جنس البخاري وعرقه بعلومه؟

الجواب: هذه المنطقة في آسيا الوسطى كانت ثقافتها بدوية ليست حضرية ، وأحفادهم الذين أسسوا دولة المماليك البحرية الأولى التي تميزت بالغزو والسلب والنهب سنة 1250 م وكانت صفة أصيلة في الأسر العثمانية التركية لاحقا، فالقصة ليست جنس وعرق بل (ثقافة) وهذا يفسر كيف أن مذهب البخاري (نقل بلا عقل) فهذه ثقافة بدو الصحراء بالأساس ، وهي الصفة الغالبة على بدو الصحراء العربية والأفريقية إلا ما ندر، وقد يُقال: كيف ذلك وأن بخارى كانت موطن الأحناف أهل العقل في زمن البخاري؟..قلت: أن المذهب الحنفي العقلاني انتهى بموت أبي حنيفة سنة 150 هـ في العراق، أي قبل ميلاد البخاري ب 44 عام، والذين شهدوا البخاري من الأحناف كانوا أهل حديث هم الذين أثروا في الأحناف لاحقا حتى ظهور الإمام الماتوريدي في القرن 4 هـ الذي أعاد (جزء كبير من عقلانية أبي حنيفة) للمذهب.

وأهمية ذكر الجنس والعرق ليست في هذا السياق فحسب، بل لتصدير صورة صحيحة عن البخاري في ذهن المسلمين أنه لم يكن يشبههم وأن أصوله العرقية واللغوية والجسمانية كانت مختلفة، وفي علم النفس يلعب للشكل دور كبير في القبول حيث توافق هذه الصفات الانتماء الذاتي والتفرد والاعتقاد الوهمي بالتميز، ويمكن ملاحظة ذلك في اختلاف صور المسيح عليه السلام عند الشعوب، فالأفارقة يتصورونه أسود اللون، والأوربيون يتصورونه أبيض اللون واسكندنافي، وبعض مسيحيين الشرق الأوسط يتخيلونه كجنس سامي شرق أوسطي..لكن ولأن صورة المسيح الأولى التاريخية ظهرت في العصر البيزنطي فترسخت صورة المسيح الرسمية بشكل أبيض يوناني جرى تعميمها على الكنائس..

مما سبق تبين أن البخاري حصل على قدسيته في زمنه بالسياسة المختلطة بالعرق واللغة، وأنه لم يكتب "صحيح الجامع" في الحقيقة لكون الأتراك غير مؤمنين بالتصنيف والقلم..لكن بالحفظ والترديد، وأن الإمام "الفربري" التركماني هو الذي تولى تلك المهمة بترجمة صحيح الجامع من الخوارزمية التي هي لغة الأوزبك المحلية، للغة التركية عند قبائل الذين عرفوا لاحقا ب (الأوغوز) والذين عرفوا بعدها بالتركمان، فالإمام الفربري كان غزّيا تركيا يفهم لغة خوازرم قبل انقراضها، وأن هذا المترجم لم يكن أمينا في نقل كلام البخاري حين ظهر كتابه ناقصا وصفحات بيضاء وأحاديث ناقصة، ومن يدعي القول أن الفربري كان أمينا أقول له: كيف تكون الصفحة ناقصة والحديث ناقص بينما يدعي في نفس الوقت أنه سمع الحديث من البخاري؟

هذا يعني أن الفربري كان يضيف ويحذف من عنده، فلو سمع حديثا أو رسخ في ذهنه يكتبه كاملا سواء باللفظ أو المعنى، لكن أن تظل صفحات الكتاب بيضاء وأحاديثه منقوصة هذا يعني أن هناك عملا لم يكتمل لوفاة المُترجِم وعدم وجود من يسد هذه الثغرات التي شهد بوجودها ابن حجر، وأوضح مثال على هذا التزوير ما ذكر في صحيح الجامع نفسه من وضع البخاري كراوي إسناد وليس مصنف كتاب، حيث قال " أخبرنا محمد بن يوسف الفربري، وحدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرئ على المحدث فلا بأس أن يقول: حدثني" (صحيح البخاري – باب العلم – 1/ 22) والسؤال هنا: من الذي أخبره الفربري؟ والجواب: هذا الذي أَضاف للكتاب من عنده في عصر لاحق فوضع كلامه إسنادا للبخاري، ثم جرى تضمين هذا الكلام من أهل الحديث لاحقا في الكتاب على أنه ما دام الحديث مسندا للبخاري فهو كلامه فعلا ما دام يحقق شرط الإسناد..

حتى المؤرخ ابن الأثير اكتشف هذا التزوير والوضع في صحيح البخاري بقوله : " عن الحميديُّ: حكى أبو مسعود أنَّ للبخاري في الصحيح حكايةً من رواية حصين عنه قال: «رأيتُ في الجاهلية قِرَدَةً اجتمع عليها قِرَدةٌ قد زنت، فرجموها، فرجمتُها معهم» كذا حكى أبو مسعود، ولم يذكر في أيِّ موضع قد أخرجه البخاري من كتابه، فبحثنا عنه فوجدناه في بعض النسخ - لا في كُلِّها - قد ذكره في أيام الجاهلية، وليس في رواية النعيمي عن الفِرَبْرِي أصلاً شيء من هذا الخبر في القِرَدَة، ولعلَّها من المقحمات التي أُقحمت في كتاب البخاري، والذي قال البخاري في " التاريخ الكبير ": عن عمرو بن ميمون قال: «رأيتُ في الجاهلية قِرَدَةً اجتمع عليها قِرَدةٌ، فرجموها فرجمتُها معهم» وليس فيه «قد زنت» فإن صحت هذه الزيادة، فإنما أخرجها البخاريُّ دلالةً على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية، ولم يبال بظنِّه الذي ظنه في الجاهلية" (جامع الأصول 11/ 784)

ومختصر كلام ابن الأثير: أن قصة القردة الزانية في صحيح البخاري المذكورة برقم 3849 عن عمرو بن ميمون هي (موضوعة) في الصحيح ، وأن البخاري ذكرها في كتاب آخر دون لفظ الزنا، مما يعني وجود إشارات وأدلة للأئمة السابقين على حدوث هذا الوضع والتزوير في الكتاب، ولغياب المعلومة كاملة كانوا يبحثون عن تبريرات إما لمن نقلوا عن الكتاب أو للإمام البخاري نفسه ككبير ورمز للمذهب السني.

رابعا: القصص المتداولة أن البخاري ظل عشرات السنين يسمع الحديث في الشرق الأوسط ثم قرر أن يكتب صحيحه الجامع عليها نُظُر من عدة نواحي:

1- أن هذه القصص تداولها فقهاء عاشوا بعد البخاري بمئات السنين ولا يوجد دليل عليها من معاصري البخاري

2- أن بلاد الشرق الأوسط مناخيا (جافة) وأراضيها صحراوية عالية الحرارة، لا يمكن لمن عاش في بلاد ثلجية أن يستقر فيها (عشرات السنين) لطلب العلم دون عودة لموطنه الأصلي، والبخاري كان أوزبكيا تركيا عاش في مناخ (ثلجي) يشهد على ذلك أيضا الرحالة العربي بن فضلان في كتابه حيث ساق شواهد الثلج وخطورة الشتاء في بلاد سمرقند والبخاري وأراضي خوارزم بالعموم، وتأكيد ياقوت الحموي على شهادة بن فضلان لاحقا في معجم البلدان، ولا زالت هذه الطبيعة المناخية القاسية حتى الآن عِلما بأن عصر البخاري محسوب علميا ضمن (الحقبة القرووسطية الدافئة) التي كانت الأرض فيها ساخنة منذ القرن 9 إلى 14 م، وبلاد العرب والشرق الأوسط كانت عالية الحرارة فلا يمكن لمن عاش في الثلج أن يستقر فيها سنوات طويلة..

ومن هذه الزاوية نفهم لماذا المغول رفضوا غزو الصحراء العربية واحتلال مكة والمدينة، ولماذا لم يهتموا بغزو مصر وتركوا جيشا صغيرا مع كتبغا هُزِم في معركة "عين جالوت"؟ ولماذا المغول اهتموا أكثر بغزو أوروبا وروسيا والأناضول والسلاف هذا التوقيت؟..والجواب: أن الصحراء العربية ومصر ذوي مناخ جاف جدا وصحراء قاسية لا يمكن للجيش المغولي (القادم من بلاد الثلج) أن يتحمل حرارتها، والإشكالية في أن كتب التاريخ لم تذكر تلك الأسباب الوجيهة جدا لتفسير سلوك هولاكو الغريب، حيث أن المنطق كان يفرض عليه أنه لو رفض غزو مصر فلماذا يحاول الهجوم عليها بجيش صغير؟..وهنا منطقة فراغ تاريخية تضع احتمالا أن الجيش المملوكي المصري الفائز هو الذي هجم على الحاميات المغولية في فلسطين، وبرغم أن هذا الاحتمال ضعيف ولا دليل تاريخي عليه وأن المسلمين يوثقون تاريخا مختلفا لكنه مقبول منطقيا لتفسير ما حدث ولم توثقه كتب التاريخ الأخرى لنقل وجهة نظر المغول.

وما يتعلق بجيش هولاكو يتعلق أيضا بجيش تيمور لنك في القرن 14 وأوائل القرن 15م حيث غزا هذا الملك المغولي آسيا الوسطى والصغرى والشام والعراق لكن لم يتقدم لمصر والصحراء العربية، والمؤرخين العرب قالوا أنه كان يخاف من جيش مصر والسلطان الظاهر برقوق..بينما المنطق يقول أن من غزا ودمّر أعظم الجيوش العثمانية والهندية والأسيوية لن يخاف من جيش مصر، وعكوف تيمور لنك عن دخول القاهرة والحجاز له أسبابه المتصلة بعكوف هولاكو أيضا..

3- أن البخاري يفترض أنه جمع السنة والحديث أن تكون له منزلة عالية في بلده الأصلي "بخارى" فكيف يحقق هذا الإنجاز الكبير في الشرق الأوسط ثم يرفض أهله العودة لسمرقند فيعيش أواخر عمره طريدا؟!..وأغلب الظن أن هناك خلافا مع عشيرته التركية إما لعوامل سياسية لقُربة من المتوكل العباسي كان فيها الخليفة معاديا لآل البيت وسمعته في بلاد التُرك ليست جيدة خصوصا وأن سيرة المتوكل تحكي عن صراعات مع قادة أتراك يُحتمل أنهم ثاروا على سياساته الدينية، وإما لعوامل فقهية كان فيها البخاري ساقطا في الفقه والرواية عند أئمة سمرقند الأحناف، ولهذا العامل ورث أبناء المذهب الحنفي قصة "لبن الماعز" الشهيرة التي قالوا بأنها السبب في طرده من المدينة والتي أنكرها الحنابلة وأهل الحديث لاحقا واعتبروها فرية من الأحناف للانتقام من البخاري بعد كتابة صحيح الجامع الذي هاجم فيه المذهب الحنفي بالروايات.

4- البخاري لم يكن كاتبا بل حافظا على طريقة أهل الحديث، وثقافته لم تعرف التدوين، ودليلنا في ذلك أن خزانة البلاط العباسي لم تحوي أي كتب للبخاري الذي كان قريبا من الخليفة المتوكل، فكيف يأمر الخليفة البخاري أن يكتب ويدون ثم لا تُحفظ هذه الأعمال في خزانة الدولة؟..والتفسير الوحيد لخلوّ أي خزانة للدولة العباسية طوال قرنين بعد وفاة البخاري من كتب الحديث جميعها أن قرار الحفظ جاء متأخرا في عام لم يجر تحديده بعد، لكن يمكن تصور ظروفه وأجواءه الذي انتشر فيها الوضع وتزوير الكتب، وقد سقنا من قبل في دراسة " قصة الأشاعرة والماتوريدية" أسماء بعض الكتب المزورة المنسوبة لكبار الأئمة كالشافعي والأشعري وأبي حنيفة..وأن هذا التزوير الممنهج حدث بشكل منتظم خلال ما بين القرنين الرابع والسادس الهجري.

خامسا: الذي نشر صحيح البخاري هو الإمام "الفربري" كما تقدم، وإسمه بالكامل "محمد بن يوسف بن مطر الفربري" من تركمانستان توفى سنة 320 هـ، وكان ميلاده عام 231 هـ أي عاش 89 عاما وهو عمر طويل يفسر انتشار صحيح البخاري على يديه، حيث أنه لم يلحق البخاري سوى 9 سنوات فقط من سن البلوغ 16 عام حتى 25 عام وهو عُمر الفربري حين توفى البخاري سنة 256 هـ، وبإحصائية بسيطة يكون الفربري ظل ينشر صحيح البخاري في البلاد والأمصار 64 عام، ومن أشهر من نقلوا عنه الصحيح لينشروه الإمام "ابن شبّويه" و "أبي زيد المروزي" و "القاضي الجرجاني" و " أبي محمد السرخسي"..وغيرهم، وجميع هؤلاء عاشوا في القرن الرابع الهجري وهو الحقبة التاريخية التي انتشر فيها صحيح البخاري عمليا، حيث كان قبل هذا التاريخ لم يكن معروفا سوى عند بلاط النخبة العباسية والفقهاء المرتبطين به، وفي إطار مجتمعي ضيق محيط بدوائر الملك..

سادسا: في صحيح البخاري تأثيرات زرادشتية ويهودية لم يُلحَظ وجودها بهذا الكمّ في الكتب العربية الأخرى كموطأ مالك، ويستوي في ذلك مع تلميذه الإمام مسلم، فقصة المعراج زرادشتية الهوى ، وقصص الدجال وملاحم آخر الزمان مأخوذة كوبي باست من كتب اليهود، فلو عرفنا أن مملكة الخزر (اليهودية) كانت مجاورة للبخاري وبينها وبين بلاده علاقات تجارية وسياسية وهجرات متبادلة فالمسألة صارت واضحة، علاوة على أن عصر البخاري شهد نهايات حروب الخزر مع البيزنطيين وبدء حروب أخرى مع الروس أدى ذلك لهجرات جماعية يهودية من الخزر إلى سهول آسيا الوسطى واستقر بعضهم في أوزبكستان، وبالطبع تلاقحت الأفكار فحدثت بعض الاقتباسات، ولا نعفي الإمام "الفربري" من تلك الاقتباسات والتأثيرات لثقافته التركية وجواره الأقرب للخزر في أرض التركمان، ولا من الذين نقلوا عن الفربري صحيح الجامع كالإمامين "أبي زيد المروزي وابن شبّويه" التركمانيين ، والإمام العربي "أبو الهيثم الكشميهني"

سابعا: في التراث يوجد رواة عن البخاري غير الفربري..لكن عن طريق الحفظ والتلقين الشفاهي كحمّاد بن شاكر النسفي وإبراهيم بن معقل النسفي..وغيرهم، ولا يُعرف بالضبط طُرق توثيق تلك الروايات من مصدرها عند حمّاد وإبراهيم..لكن من رواة لاحقين زعموا أن أبناء النسفي نقلوا عن البخاري، وهو عيب كبير في منهجية أهل الحديث حيث يجرى توثيق الخبر بمجرد الثقة في القائل لا بالتحري عن المصدر أو التفكّر في صدقية الأخبار عقليا، مما يجعل تلك الأخبار متضاربة ضمنيا وتحوي فراغات وأسئلة بلا إجابات كالتي طرحها الأستاذ "محمود أبو رية" في كتابه "أضواء على السنة المحمدية" حيث قال أن " عدد أحاديث البخاري يزيد في رواية الفربري على عدده في رواية إبراهيم ابن معقل النسفى بمائتين ، ويزيد عدد النسفى على عدد حماد بن شاكر النسفى بمائة حديث" (1/ 309) والسؤال الفوري: ما مصير تلك الزيادات ومن الذي وضعها؟ وهل يمكن توثيق تلك الروايات من مصدرها عند حمّاد وإبراهيم أم سيجري قبول أخبارهم دون شك ؟

وفي تقديري أن حدوث هذا التضارب طبيعي بحكم الزمن وأن الاحتمال المُرجّح أن ما رواه الفربري وسمعه البعض تحول لاحقا لروايات عن النسفي، نظرا لوجود فارق زمني كبير بين النسفيين وأول ذكر لهم في كتب التراث، لاسيما أن أول ذكر " لإبراهيم بن معقل النسفي" كان في القرن السادس الهجري عن طريقين اثنين:

1- القاضي عياض في كتابه "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" والقاضي متوفي عام 548هـ أي بعد وفاة "إبراهيم بن معقل النسفي" ب 250 عاما، فأين ذكر النسفي قبل هذا الزمن؟..علما بأن القاضي عياض شهد بأن بلاد المغرب والأندلس لم يعرفوا سوى روايتين اثنين أكثرها للفربري قال "وأما الكتاب الجامع المسند الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري فقد وصل إلينا من رواية أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري وأكثر الروايات من طريقه ومن رواية إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري ولم يصل إلينا من غير هذين الطريقين عنه ولا دخل المغرب والأندلس إلا عنهما على كثرة رواة البخاري عنه لكتابه فقد روينا عن أبي إسحاق المستملي أنه قال عن أبي عبد الله الفربري أنه كان يقول روى الصحيح عن أبي عبد الله تسعون ألف رجل ما بقي منهم غيري" (مشارق الأنوار على صحاح الآثار 1/16)

والأسئلة هنا: لماذا روايات الفربري أكثر؟..أليس من المفترض أن الكتاب واحد وروايته واحدة وعليه إجماع على موضوعه ومتنه؟ وأين بقية الروايات المزعومة على لسان الفربري؟ وما صحة هذا الرقم الناقل على البخاري 90 ألف؟ وما صحة نسبه للفربري أصلا؟..ألا يجوز أن وضعه أحد الوضّاعين على لسان الفربري لكثرة الاعتراضات على الكتاب في زمنٍ ما والجدل الفكري حول توثيقه؟

2- ابن عساكر في تاريخ دمشق، أي بعد وفاة النسفي ب 270 عاما تقريبا، حيث توفى "إبراهيم النسفي" عام 295هـ وتوفى ابن عساكر 571 هـ، فكيف يجهل من عاشوا قبل ابن عساكر برواية إبراهيم النسفي لصحيح الجامع طوال 3 قرون ؟ فضلا على أن إبراهيم النسفي كان حنفيّ المذهب..فكيف يروي صحيح البخاري الذي يطعن في عقيدته وبسبب ما قاله طرده الأحناف من بخارى؟..والجواب: أنه وفي زمن تمكين الأشعرية والماتوردية بعد وثيقة القادر بالله في القرن 5 هـ حدث أن ظهرت كتب مزورة كثيرة فجرى نسب تلك الرواية الحنفية لصحيح البخاري من جُملة تأكيد الحنفية كمذهب أصيل للخليفة العباسي الذي كان ولا يزال داعما لهذا الصحيح من عصر المتوكل..

كما أن رواية "حماد بن شاكر النسفي" الأخرى موقوفة على " جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري" في كتابه "تاريخ نسف" المكتوب بدايات القرن 5 هـ أي بعد وفاة البخاري ب200 عام على الأقل، أي لا ذكر حقيقي لها في التاريخ سوى من طريق المستغفري، وهذا يطرح إشكالية كبيرة في منهجية تدوين التاريخ الإسلامي وخصوصا كتب الحديث، فالرواه المتأخرون كانوا ينسبون أعمالا لهم ولشيوخهم دون توثيق وبإرسال كامل لتخلف هذا العصر من ناحية العلم والشك في طائفة المحدثين، علما بأن هذا العصر كان يشهد نهضة علمية وفلسفية كبيرة موازية حدثت في دول أخرى بأثر السياسة وانفصال الدول الشيعية عن مركز الخلافة العباسية ببغداد، وما فعله المستغفري في الحقيقة هو كمن ينسب كتابا لفقيه عاش في القرن 18 دون أن يعلم به كل من عاشوا طوال ال 300 عام الماضية، ولا أدري كيف تغيب هذه النقطة عن المحدثين الذين نقلوا رواية المستغفري في توثيق رواية "حمّاد" عن صحيح الجامع.

ويظهر من ذلك العرض أن كتاب الفربري "صحيح الجامع" جرى توثيقه بادعاءات لشخصية البخاري التي عاشت في القرن 3 هـ، إما على يد الفربري نفسه أو على يد أئمة لاحقين واجهوا معضلة كبيرة في توثيق الكتاب حتى بالغوا في الكذب واختراع عدد روايات وصل إلى 90 ألفا، والمنطق يقول أن المبالغة دليل كذب ودليل صحة..فهذا الرقم الكبير المزعوم مبني على حقيقة أن كتاب الفربري المنسوب للبخاري باسم "صحيح الجامع" كان منتشرا في آسيا الوسطى وخراسان قبل أن يستعين به الخليفة العباسي" المتوكل بالله" في حربه على أهل الرأي، فالمتوكل لم يكن عدوّا فقط للشيعة بل لكل طوائف أهل الرأي من المعتزلة والأحناف، ومصنفات البخاري عملت في هذا الإطار مع أئمة آخرين كابن حنبل والطيالسي وابن أبي شيبة وغيرهم، حتى الذين لحقوا المتوكل لم يخرجوا عن سنته بالتزام هذا الخط الفكري وهو الحرب على التشيع والاعتزال والرأي ، وظلت تلك السياسة حتى جاء الخليفة "القادر بالله" سنة 408هـ ليفرض وثيقة رسمية توّجت ما صنعه المتوكل ليُصبح دستورا للدولة العباسية لا يجوز الخروج عليه.

ثامنا وأخيرا: ما حدث مع البخاري من احتكار الفربري لأفكاره ورواياته حدث مع مسلم، حيث أن الراوي الوحيد أيضا لصحيحه شخص يدعى "أبو إسحاق بن سفيان المروزي" ومن هنا يصبح صحيح مسلم هو صحيح المروزي في الحقيقة، ويشهد على ذلك الشيخ الوهابي السلفي "صالح آل الشيخ " في كتابه "شرح العقيدة الواسطية" قال: "أما مسلم رحمه الله فإن كتابه الصحيح لم يروه عنه إلا شخص واحد وهو ابن سفيان رحمه الله وقد رواه عنه مسموعا في أكثر الكتاب وفاته سماع أو لم يُقرئ مسلم الراوي ثلاثة مواضع ، فلم يسمعها من مسلم أصلا ، ثلاثة مواضع كبيرة بعض المواضع يأتي على عشرين ثلاثين صفحة ، فليس له إلا رواية واحدة لأن مسلما ما تيسر له أن يُقرئ كتابه قبل وفاته بل اخترمته المنية قبل أن يُقرئه وإنما رواه عنه ابن سفيان وحده..(12/ 438)

ومختصر كلام صالح آل الشيخ أن صحيح مسلم وصلنا من شخص واحد فقط هو "إبن سفيان" المعروف في ترجمات أخرى "أبو إسحاق بن سفيان المروزي" وأنه روي الصحيح شفاهة ولم يُكتَب..أما الذين نسخوا صحيح مسلم هم تلاميذ ابن سفيان المروزي، وبالتالي فالإمام مسلم لم يكتب كتابا ولم يخط قلما ، فمن الذي كتب صحيح مسلم الحالي الذي بأيدينا؟..فضلا على اعتراف آل الشيخ بأن النسخة الوحيدة لصحيح مسلم ناقصة من 20 إلى 30 صفحة، وهذا دليل مباشر على أن الإضافة والحذف دخل في صحيح مسلم أيضا كما دخل على البخاري، وأن الصحيح الذي بأيدينا ليس هو الذي كتبه أو رواه مصنفه الأول، بل مر بحقبة تعديلات وإضافات في أزمنة لاحقة..

لكن القاضي عياض له رأيا آخر فيما يخص عدد روايات مسلم، قال "أما كتاب المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل عن رسول الله عليه السلام للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النسب النيسابوري الدار فإنه وصل إلينا من روايتين أيضا رواية أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان المروزي ورواية أبي محمد أحمد بن علي القلانسي إلا أن آخره من باب حديث الإفك لم يسمعه ابن ماهان إلا من ابن سفيان فتفردت الرواية من هنالك عن ابن سفيان لأن إلى هنا انتهت رواية أبي بكر بن الأشقر علي القلانسي ولم يصل إلينا من غير هاتين الروايتين" ..( مشارق الأنوار على صحاح الآثار 1/ 10)

وهنا توجد بعض الأسئلة: لماذا لا يؤمن الشيخ صالح آل الشيخ برواية القلانسي؟..ولماذا يحتكر صحيح مسلم برواية واحدي لابن سفيان المروزي؟ وبرغم أن دوافع الشيخ ذكرها في النص التالي بأن الرواية الواحدة لصحيح مسلم تعفيه من الخلاف والشبهات حول النُسَخ لكن هذا القول لم يعالِج أصل الإشكال وهو أن توثيق صحيح مسلم نفسه به مشكلة، وأن ما لدينا في الحقيقة هي أقوال للمروزي مشهورة باسم صحيح مسلم، والأخرى للقلانسي غير معترف بها من السلفية المعاصرة، فماذا قال مسلم بالضبط أو نُسِبَ إليه في رواية القلانسي؟..ألا يُحتمل أن تلك الرواية تضمنت أحاديثا وغرائب تهدم مذهب السنة وثوابت السلفية المعاصرة؟...أليست تلك الرواية المرفوضة قد تتضمن خرافات وانتهاكات جسيمة للنص القرآني والعقل؟ وبرغم مشروعية تلك الأسئلة لكن الشيوخ يعفون أنفسهم من الإجابة ويفضلون سلوك الأسهل دائما دون الدخول في التفاصيل المهمة التي قد تهدم أصل دينهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - البخاري محقق ومصحح
ابراهيم الثلجي ( 2020 / 11 / 10 - 17:34 )
اخ سامح المحترم
البخاري ومسلم هما مصححي حديث اي غير ناقلين له
فما هو بالصحيح قد تجده في المسانيد والموطا وغيرها من الكتب حيث جمع الحديث وفترة جمع الحديث لم يتيسر للكثير من تصحيحها لحجم العمل الهائل
وهذا عالما احصاء وفهرسة وتبا طريقة علمية للتحقق ولم ينقلا معاني بل نقلا مباشرا اي نقل لسان عربي
فاي دخل للخوارزمية
زاختصارا لمن يريد ان يلغي الحديث فان الله اعطى رسوله الاذن بالتشريع
وسؤال كيف عرفت صلاة المغرب كم ركعة كابسط استفهام
والحقيقة كالتالي: فمع ظهور الحركات التامرية على الاسلام واولها ما يسمى بالشيعة وغيرها مثل الداعشية وتنظيمات الاسلام السياسي الهدامة كان لا بد من الكذب على لسان رسول الله لاقناع العامة في مسلكهم ولا طريق امامهم الا بالاطاحة بصحاح الحديث ليتغلغلوا لرؤوس العامة بالضعاف والمكذوب
فمثلا احاديث الرايات السود كلها كاذبة وضعيفة وعليه اصحابها من سقط القوم
فلا مصلحة لهم التمسك بالصحاح وما يفعله الازهر ومشيخته بالتمسك بالصحاح الا عن علم ودراية بمقاصد الطاعنين
فلا راي للبخاري ومسلم وما خطوه في الصحاح تجد اصله في باقي الكتب وهنا تكمن ىقوة الاصدار

اخر الافلام

.. قناة الانسان


.. نشرة الرابعة | تعرف على مهام موظفات المسجد الحرام


.. باكستان تطالب الغرب بتجريم اهانة النبي محمد ومتظاهرون يحتجزو




.. فيديوهات فض اعتصامات الإخوان في مصر تعود للواجهة بعد مسلسل #


.. من الخراب للعمار.. ماذا حدث في ميدان النهضة بعد سنوات من احت